Child Care Blog

قراءة في رواية “فتحة في الجدار” للروائي السوري محمد شويحنة 

محمد حسين حمصي

“انزلق طلال عبر الباب الضخم.. ودخل الزمن. تبعه الحاج أحمد باطمئنان، الفسحة التي طالما طاردته في أحلامه تجسدتْ أمامه الآن، ساحة الدار، والبركة، والياسمينة، والليوان بقوسه العالي،

أغمض عينيه، فسمع الأصوات: صهيل حصان من بيت قريب، بكاء طفل كان ينام في المهد الخشبي المعلق بالسقف، نداء الجدة لإعطائها كبة الصوف المتدحرجة، ضحكات بنات كن يلعبن في البركة قبل أن تجف.. كلها كانت معلقة في هواء الدار ، كأنها طيف لا يريد أن يغيب ” .

” فتحة في الجدار ” 

رواية صدرت عن دار جدار للروائي محمد شويحنة..

يشكل العنوان “فتحة في الجدار” عتبة فارقة تقوم على نظام مغاير، الجدار في الأدب و الشعر غالباً يمثل الخيبة ، الموت، العزلة، وفي هذا العمل يوحي لنا أن الجدار هو الخراب الذي خلفته الحرب وانسداد طريق الحياة. أما الفتحة، فهي الاختراق الواعي لهذا الانسداد وهو بصيص الأمل الذي يتسلل منه الضوء .

 الفتحة هي القرار الثوري برفض الاستسلام للواقع المغلق أمام رغبة الإنسان باستمرار الحياة.

يستهلل الكاتب بعبارة ل”هايدغر” بأن الإنسان يعيش حياته ويعرف وجوده كسؤال، مما يقحم القارئ فورا، بما سيرافقه طوال عالم هذه الحكاية.

تتحرك الرواية ضمن عالم مكاني محلي شديد الخصوصية ،مثل أحياء حلب القديمة مثل الفرافرة، الجلوم، باب الفرج.. الخ ، 

حينما يعود طلال الوزان تاجر الذهب الثري من “سان باولو” إلى حلب، بعد صراع مع حنينه وكبت طويل لذكرياته .

طلال ليس وحده البطل الرئيس في الرواية، بل كان المكان هو البطل الأول في هذا العمل، ويتجلى لنا هذا الأمر بمحورين ..

الأول هو الدار العربية ” المنصورية” 

يستدعي الكاتب عبر تداعيات طلال الوزان البنية الهندسية للبيت الحلبي القديم، السلاملك، الحرملك، الليوان، البركة، هندسياً ونقدياً، الدار هنا ليست طوباً وحجراً، بل هي تجسيد مادي للتوازن النفسي والكوني. إنها المساحة التي تلتقي فيها الخصوصية بالانفتاح، والأرض بالسماء عبر فناء البيت (الصحن)

كما عبّر الكاتب في الرواية، هذا الفضاء المعماري المتوازن يقف في مواجهة مباشرة مع فضاء الغربة الاسمنتي الهجين في “سان باولو”، والذي فشل الجد في تحويله لأنه افتقد الحاضنة الثقافية والاجتماعية الأصلية (الحارة، المئذنة، السوق) ..

الثاني هو الذاكرة الشعورية الحسية :

كما يصف لنا الكاتب “الذاكرة الشمية والسمعية ” 

مثل، رائحة الطبخ، الجبن، صابون الغار، صوت النول العربي الروائح في الرواية هي أبطال أيضا، باستطاعتها خلق تأثير نفسي لدى القارئ ومرونة تدفع رشاقة العمل .

يأخذنا الكاتب، بأسلوب سردي ممتع ، تارة بضمير الغائب (الرواي العليم )، وتارة ضمير المتكلم..

في هذه الرواية، لن تجد أبطال خارقين للعادة، ولن تجد نهايات سعيدة ولا حزينة، إنّك أمام بطل لا ينطق و لا يتحرك، المكان الذي يظل طوال الحرب وبين كلّ هذا الخراب، يحفظ روائحه وذاكرته، ليهديها للأبد.

يقول لنا الكاتب، مبرهناً أن بعض أفعالنا، التي يراها الآخرون عبارة عن “جنون ” ليست في الحقيقة إلا ضالتنا التي بحثنا عنها طوال عمرنا، كما كان قرار طلال الوزان في العودة للوطن والاغتراب الذي عاشه بين ترفه وحريته في البرازيل والتي وصفها “بالقفص الذهبي” وبين انسانيته وذاكرته التي رآها بوجه جيرانه من فتحة الجدار وفي الحي وحلب ..

وأنه أحيانا، أحلى الأغنيات و القصص هي التي لم تكتمل، كما سنرى مع “لورا” وأدهم .

اللغة الشاعرية والوصف البديع لحارات حلب ، يشعرك كأنك 

تضع ” نظارات Ai” حينما تقرأ وصف الكاتب لهذه المدينة ..

“فتحة في الجدار” ليست رواية لتقرأها، وأنت تشرب قهوتك، 

عليك بدلق الفنجان أولاً، قبل القراءة..

فالأبطال هنا ، حجارة ، و خراب ، وروائح و موسيقى ..

ليخبرنا الكاتب أنّ التشظي النفسي ، هو ذاته الخراب في العمران و البنيان ، و كأنّ كلّ ما أراد قوله و ببساطة شديدة ، 

أن المدن ، لها نفسيات و مشاعر و أرواح .. ولها مزاج أيضا 

قد يكون أحياناً ، أعقد من مزاجنا نحن البشر .

عن الروائي :

محمد شويحنة 

كاتب وروائي سوري، ولد في حلب عام 1955. حصل على إجازة في اللغة العربية وآدابها، ودبلوم الدراسات الأدبية، وماجستير في الأدب العربي الحديث. عمل مدرسًا في ثانويات حلب منذ عام 1980، وفي جامعة زايد في دبي بين عامي 1999 و2002. يكتب الرواية والقصة القصيرة والدراسة الأدبية والقراءة النقدية، وشارك في إعداد الموسوعة الإسلامية الميسرة وموسوعة أدباء من حلب.

صدر له:

طوق الأحلام (2004) رواية (دار الإنماء الحضاري: حلب). طبعة ثانية عام 2008.

ورد الليل (2012) رواية (دار نون: حلب).

القصة القصيرة في أعمال رابطة الكتاب السوريين (2005) دراسة (وزارة الثقافة السورية: دمشق).