Child Care Blog

كتاب أم الدنيا في أدب الرحلة

صورة قلمية في وصف القاهرة والناس.. رؤية نقدية لكتاب أم الدنيا

بقلم الكاتبة والناقدة د.عطيات أبو العينين* 

عزيزي القاريء يمكن النظر إلى «أم الدنيا» بوصفه كتابًا يقع في المنطقة الفاصلة بين أدب المكان، والصورة القلمية، والسيرة اليومية، والتوثيق الاجتماعي الوجداني. وهو لا يقدم القاهرة باعتبارها مجرد فضاء جغرافي، وإنما باعتبارها كائنًا حيًّا تتشكل ملامحه من البشر والأصوات والروائح والعادات والأسواق والمقاهي والمواصلات والاحتفالات والذكريات.

أولًا: العنوان بوصفه مفتاحًا للكتاب

عنوان “أم الدنيا” عنوان واسع وشديد الدلالة؛ فهو الاسم الشعبي الذي تختزل فيه مصر، لكنه داخل الكتاب يتحول من شعار عام إلى رؤية حميمة للقاهرة. 

أما العنوان الفرعي: “صورة قلمية في وصف القاهرة والناس”

فيحدد طبيعة المشروع بوضوح. فالكاتبة لا تدعي كتابة تاريخ للقاهرة، ولا دراسة اجتماعية بالمعنى الأكاديمي، إنما ترسم صورة قلمية؛ أي أنها تنتقي من الواقع لحظات وتفاصيل وشخصيات ومشاهد، ثم تعيد تشكيلها أدبيًا. ومن هنا تكمن إحدى أهم خصائص الكتاب:

القاهرة ليست موضوع الكتاب فقط، بل هي بطله الحقيقي.

ثانيًا: القاهرة بوصفها شخصية

من أبرز ما يلفت النظر أن المدينة لا تظهر كخلفية صامتة للأحداث. القاهرة في الكتاب:

• تتكلم من خلال أصوات الباعة. 

• تتحرك في الأسواق. 

• تضحك في المقاهي. 

• تغني في الاحتفالات. 

• تستعيد ذاكرتها من خلال الأماكن القديمة. 

• تحتفظ بأشخاصها حتى بعد اختفائهم. 

وهذا يجعل الكتاب قريبًا من مفهوم السرد الحضري؛ فالكاتبة تستخرج من التفاصيل اليومية ما يمكن أن يشكل ذاكرة مدينة. فحين تتحدث عن الباعة، والمقاهي، والأسواق، والمواصلات، والحمامات الشعبية، والنوادي، والديسكو، ووكالة البلح، ودمياط والإسكندرية وغيرها، فإنها لا تقدم دليلًا سياحيًا للأماكن، وإنما تقدم الإنسان الذي أعطى المكان معناه. وهذه نقطة مهمة جدًا في قيمة الكتاب.

ثالثًا: “الناس” أهم من “الأماكن”

العنوان الفرعي يجمع بين القاهرة والناس، لكن القراءة تكشف أن الناس؛ هم الوسيلة الأساسية التي نرى بها القاهرة. الشخصيات العابرة في الكتاب ليست شخصيات روائية بالمعنى التقليدي، وإنما يمكن تسميتها: “شخصيات اللحظة” بائع السمك، بائع الجرائد، بائع اللبن، صاحب المقهى، العامل، الطفل، المرأة، الرياضي، البائع المتجول، المنتظرون في المقاهي والمحطات… إلخ. هذه الشخصيات لا تحتاج إلى سير ذاتية كاملة؛ يكفي أن تمنحها الكاتبة حركة أو جملة أو ملامح أو عادة صغيرة حتى تصبح جزءًا من المشهد. 

وهنا تقترب الكتابة من الفن التشكيلي:

الكاتبة لا ترسم الشخص كاملًا، وإنما تضع ضربات سريعة من القلم، وعلى القارئ أن يستكمل اللوحة. وهذا هو جوهر “الصورة القلمية”.

رابعًا: قوة الكتاب الكبرى: الحواس

من أكثر العناصر نجاحًا في النص الحضور الحسي. القاهرة لا تُرى فقط، بل: تُسمع وتُشم وتُلمس وتُذاق. نجد أصوات: الباعة. الجرائد. الديوك. الموسيقى. الأكورديون. الطبل. صالات الملاكمة. المقاهي. ونجد روائح الطعام والسمك والخبز واللبن والأسواق. وهذه التفاصيل تمنح الكتاب قيمة تتجاوز التسلية؛ لأنها تجعل النص قريبًا من التوثيق الحسي لزمن اجتماعي. فالوثيقة الرسمية تستطيع أن تقول إن هناك سوقًا أو مقهى أو وسيلة مواصلات، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تنقل كيف كان الشارع يبدو ويُسمع ويُشم من الداخل. وهنا تأتي أهمية الكتاب.

خامسًا: اللغة بين الفصحى والعامية

أحد أهم مفاتيح أسلوب د. عزة بدر هو المزج بين: 

السرد الفصيح + الحوار والتعبير الشعبي + الإيقاع الشفاهي.

وهذا الاختيار مناسب جدًا لطبيعة الموضوع، فالعامية هنا ليست مجرد وسيلة لإضحاك القارئ، وإنما تؤدي وظيفة توثيقية واجتماعية؛ لأنها تحفظ الطريقة التي كان الناس يتحدثون بها. الجملة الشعبية تصبح جزءًا من هوية المكان. كما أن استخدام الأصوات والنداءات والأغاني والأمثال والتعبيرات الدارجة يجعل النص أقرب إلى المشهد المسرحي في بعض المواضع. وهذا يفسر حيوية عدد من المقاطع التي يصبح فيها الشارع أشبه بمنصة مفتوحة.

سادسًا: السخرية ليست مجرد إضحاك

السخرية من أبرز أدوات الكتاب، لكن الأهم أنها ليست سخرية عدائية في معظم المواضع، وإنما سخرية محبة، الكاتبة تضحك على المفارقة اليومية، وعلى غرابة المواقف، وعلى سلوك البشر، لكنها في الوقت نفسه تبدو مشدودة عاطفيًا إلى العالم الذي تصفه. ولهذا يمكن وصف السخرية هنا بأنها: “سخرية الحنين” فالكاتبة تضحك على الماضي، لكنها في الوقت نفسه تخشى فقدانه.وهذا يعطي الكتاب بعدًا إنسانيًا أعمق من مجرد الكتابة الطريفة.

سابعًا: الحنين والذاكرة

الحنين هو الخيط الخفي الذي يجمع عددًا كبيرًا من نصوص الكتاب؛ لكن الحنين هنا ليس بكائية مباشرة على الماضي، إنه يظهر من خلال التفاصيل، حين تستعيد الكاتبة:

• مكانًا تغير. 

• مهنة اختفت. 

• عادة اجتماعية تراجعت. 

• شخصية لم تعد موجودة. 

• سوقًا تغيرت ملامحه. 

• طريقة قديمة في التعامل بين الناس. 

فإنها لا تقول بالضرورة: “كان الماضي أجمل”، بل تجعل القارئ يشعر بالفارق بنفسه، وهذا فنيًا أفضل من الخطاب المباشر.

ثامنًا: الكتاب باعتباره ذاكرة اجتماعية

يمكن قراءة “أم الدنيا” بوصفه نوعًا من الأرشيف الأدبي غير الرسمي للقاهرة، فالكتب التاريخية تحفظ الأحداث الكبرى: الحروب، الحكومات، القرارات، المشروعات، التحولات السياسية. أما هذا الكتاب فيحفظ شيئًا آخر: 

كيف كان الناس يعيشون 

 ماذا يأكلون؟ كيف يشترون؟ كيف يتسلون؟ أين يجلسون؟ كيف يتحدثون؟

 ما الأغاني التي يسمعونها؟ 

كيف يحتفلون؟ ما الذي يضحكهم؟ وما الذي يثير غضبهم؟ وهذا يجعل الكتاب وثيقة ثقافية واجتماعية بقدر ما هو عمل أدبي.

ماذا يبقى من المدينة حين تتغير المدينة؟

الإجابة التي يقترحها الكتاب هي: تبقى التفاصيل، تبقى الأصوات، تبقى الكلمات، تبقى الوجوه، وتبقى الحكايات.

تاسعا: البناء الفني

الكتاب لا يقوم على حبكة روائية واحدة، وهذه ليست نقطة ضعف في ذاتها؛ لأن طبيعة الكتاب قائمة على المشهد المستقل والصورة المتتابعة. الفهرس نفسه يكشف تنوع الموضوعات: من “أصوات في الفجرية” و”من حارة الخضارية” و”قول يا زيت الحر” إلى موضوعات تتصل بالحديقة والحياة الاجتماعية والمقهى والرياضة والأسواق والاحتفالات وغيرها. وهذا يجعل البناء أقرب إلى:

فسيفساء القاهرة: كل قطعة منفردة، لكن مجموع القطع يرسم الصورة الكبرى. وهنا يمكن القول إن الوحدة في الكتاب ليست وحدة الحدث، وإنما وحدة المكان والروح.

عاشرا : تقنية “التفاصيل الصغيرة”

من أكثر التقنيات نجاحًا في الكتاب اعتماد الكاتبة على التفاصيل الصغيرة، فالشيء البسيط الذي قد يبدو عابرًا في الحياة اليومية يتحول إلى مفتاح لرؤية اجتماعية، وهذه التقنية قريبة من الكتابة الإثنوغرافية، لكن الفرق أن الكاتبة لا تكتب بلغة الباحث، وإنما بلغة الأديب. فبدلا من أن تقول: كان المجتمع المصري يتميز بكذا…تتركنا أمام البائع والزبون والمقهى والشارع والحركة واللغة. وهنا يتحول المجتمع من فكرة إلى مشهد. وهذا من أجمل مستويات الكتاب.

الحادي عشر: العلاقة بين الأدب والصحافة

في بعض النصوص تقترب الكتابة من الريبورتاج الأدبي أو المقال الصحفي. وهذا مفهوم؛ لأن طبيعة “الصورة القلمية” نفسها نشأت تاريخيًا من منطقة مشتركة بين الصحافة والأدب. لكن الكتاب ينجح حين يغلب الأدبي على الصحفي. ويكون أكثر قوة عندما تترك الكاتبة الصورة تتحدث بدلًا من أن تتدخل بالتفسير المباشر. ومن الناحية النقدية، يمكن القول إن بعض المقاطع كان يمكن أن تستفيد من مزيد من التكثيف؛ لأن التفاصيل الكثيرة إذا تراكمت دون ضرورة فنية قد تجعل الإيقاع يتباطأ.

الثاني عشر: نقطة تحتاج إلى الانتباه النقدي

إذا أردنا قراءة الكتاب قراءة نقدية لا احتفائية فقط، فإن أبرز ما يمكن ملاحظته هو أن الوفرة أحيانًا تتحول من ثراء إلى استطالة. فالكاتبة تمتلك قدرة واضحة على التقاط التفاصيل، لكن ليس كل تفصيل بالضرورة يحتاج إلى المساحة نفسها. وبعض المشاهد يمكن أن تكون أكثر تأثيرًا لو جرى:

• حذف بعض التكرار. 

• تقليل الاستطراد. 

• ضغط النهايات. 

• ترك بعض الصور دون تعليق. 

• الاعتماد أكثر على الإيحاء وأقل على الشرح. 

وهذا لا ينتقص من قيمة المادة، بل يتعلق بـ اقتصاد السرد.

الثالث عشر: مشكلة أخرى: تفاوت مستويات النصوص

طبيعة الكتاب الذي يجمع عددًا كبيرًا من الصور والمواقف تؤدي إلى تفاوت طبيعي في المستوى الفني. هناك نصوص تقوم على:

المشهد + المفارقة + اللغة + الشخصية

فتكون مكتملة فنيًا، وهناك نصوص أخرى تبدو أقرب إلى تسجيل موقف أو ذكرى، ومن هنا يمكن التمييز بين: النص الذي يحكي موقفًا والنص الذي يحول الموقف إلى أدب، والكتاب يكون في ذروة قوته حين يتحقق المستوى الثاني.

الرابع عشر: “عزة بدر” داخل الكتاب

وجود اسم عزة بدر داخل عدد من العناوين والمواقف يمنح الكتاب بعدًا لافتًا؛ فالكاتبة ليست مراقبًا خارجيًا للقاهرة، إنها تدخل إلى عالمها. تجرب، تذهب، تجلس، تراقب، تتفاعل. وتصبح أحيانًا جزءًا من المشهد. وهذا يحول الكتاب من: “أنا أصف القاهرة” إلى: “أنا أعيش القاهرة وأحاول استعادتها بالكلمات”. وهذا فارق نقدي مهم.

الخامس عشر: المرأة في الكتاب

يمكن أيضًا قراءة حضور المرأة بوصفه جزءًا من التحول الاجتماعي الذي ترصده الكاتبة، فالمرأة ليست دائمًا موضوعًا للمشاهدة، وإنما تظهر في مواقع متعددة من الحياة الاجتماعية. وهذا يسمح بقراءة الكتاب من زاوية: صورة المرأة في المدينة المصرية.

إلا أن هذه الزاوية تحتاج، إذا أريد تحويل الكتاب إلى دراسة أكاديمية مستقلة، إلى تتبع جميع النصوص التي يظهر فيها حضور المرأة، وعدم الاكتفاء بمشهد أو اثنين.

السابع عشر: المكان بين الواقعي والمتخيل

القيمة الفنية للمكان هنا لا تأتي فقط من مطابقته للواقع، وإنما من إعادة تشكيله بالذاكرة. فالقاهرة التي نقرأها ليست القاهرة الجغرافية وحدها. إنها: القاهرة كما عاشتها الكاتبة.

وهذا يضع الكتاب في سياق أدب المكان الذي لا يكتفي بتسجيل المدينة، بل ينتج مدينة أدبية لها قوانينها وذاكرتها وشخصياتها.

الثامن عشر: القراءة الرمزية لعنوان “أم الدنيا”

العنوان يمكن أن يقرأ على ثلاثة مستويات:

 المستوى الأول: الجغرافي: مصر والقاهرة باعتبارهما مركز التجربة.

المستوى الثاني: الاجتماعي: المدينة التي تحتضن طبقات مختلفة من البشر.

المستوى الثالث: الأمومي: “أم الدنيا” ليست فقط تسمية لمصر، وإنما صورة لمدينة تحتضن أبناءها على اختلافهم. وهنا يصبح العنوان أكثر عمقًا؛ لأن القاهرة في الكتاب تبدو كأم كثيرة الأبناء: البائع، المثقف، العامل، الرياضي، الطفل، المرأة، الشيخ، الشاب، صاحب المقهى، العابر… كلهم ينتمون إلى المشهد نفسه.

العشرون: الحكم النقدي على المشروع

إذا نظرنا إلى الكتاب من زاوية الرواية فسوف نطالبه بما لا يريده أصلًا: حبكة وشخصيات متطورة وصراعًا دراميًا. أما إذا قرأناه باعتباره كتاب صور قلمية عن القاهرة فسوف تتضح بنيته الفنية. وأرى أن أنسب توصيف له هو:

كتاب في أدب المكان والذاكرة الاجتماعية، يستخدم الصورة القلمية والسخرية والحكي اليومي لاستعادة القاهرة من خلال ناسها وتفاصيل حياتها.

وأهم ما يميزه أن المؤلفة لا تبحث عن القاهرة في معالمها الكبرى فقط، وإنما تبحث عنها في التفصيل الذي يكاد لا يراه أحد.

خاتمة: حين تتحول القاهرة إلى ذاكرة

يمكن قراءة «أم الدنيا» بوصفه محاولة أدبية لاستعادة القاهرة من خلال أكثر عناصرها صدقًا: ناسها وتفاصيل حياتهم.

والكتاب لا يكتسب أهميته لأنه يقدم صورة مثالية عن المدينة، وإنما لأنه يقدمها في تنوعها ومفارقاتها وعاديتها وخصوصيتها. إنه كتاب عن الأشياء التي نمر بها عادة دون أن نتوقف عندها، ثم نكتشف بعد سنوات أنها كانت أجزاء من حياتنا التي لن تعود. وهنا تتحول الكتابة من مجرد وصف إلى فعل ذاكرة.

القاهرة في «أم الدنيا» ليست مدينة من حجر، بل مدينة من أصوات ووجوه وروائح وحكايات. ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن يقال عن الكتاب أنه يلتقط القاهرة قبل أن تفلت تفاصيلها من الذاكرة؛ يحفظ البائع مع بضاعته، والشارع مع أصواته، والمقهى مع رواده، والإنسان مع طريقته في الكلام والحياة. وبهذا المعنى لا تكون “أم الدنيا” مجرد مجموعة من الصور القلمية، وإنما تصبح صورة كبيرة تتكون من عشرات الصور الصغيرة؛ صورة لمدينة لا تُفهم من مبانيها وحدها، وإنما من البشر الذين منحوا شوارعها روحها.

***

*رئيس شعبة السرد بنقابة اتحاد كتاب مصر