المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

كيفية بناء الحكايات، وأنواعها؟

داود سلمان الشويلي/العراق.

كنت أنا وزميلي، ابن جارنا، نصنع من الطين تماثيل انسان يسبح في النهر، أو انسان واقف، أو جالس، وعندما كبرت واستمعت للحكايات سألت نفسي من أي مادة تصنع هذه الحكايات؟ هل هي من طين خاص، كما خلق الانسان؟ كما يذكر المأثور الديني في أن الله، أو الآلهة، خلقت الانسان من صلصال ونفخت فيه الروح. أم انه من طين يدعى الكلمات؟ إذ لكل شيء مادته التي يصنع منها، ولكن مَن ينفخ الروح فيها؟ هل هو صانعها، أو صناعها الشعبيين الأوائل، أم هو راويها، وحاكيها، والقصة خونها؟ وهل فيها روح تنبض، تتنفس مثلنا، وتأكل، وتنام؟ نعم فيها كل ذلك، في أجزائها كافة طاقة كامنة، وفيها المحفزات التي تحفزها لعمل كل هذا، لتتنفس، ولتأكل، ولتنام. ومثل الهواء الذي ينقل الأمواج الراديوية، وغيرها، تكون اللغة واحدة من الوسائط التي تنقل لنا القص. وفوق هذا وذاك فهي أما أن تكون ذكرا، أو أنثى، قصة شعبية، أو قصة خرافية، فما هما الأثنان؟ هذا ما ستجيب عنه السطور الآتية.
***
ترى هذه السطور ان الحكاية بنوعها الشعبي هي أول ما رويت في التاريخ الذي مر على البشر، فقد كانت ذات مصدر واحد هو تجارب البشر، وبمرور الزمن أضيف لها الكثير من موتيفات تلك التجارب، وأيضا أضيف لها بعض ما يفرزه المخيال البشري بفطرته التي مر بها فباتت الحكايات تتحول من حكايات تتكلم عن التجارب الواقعية للبشر الى حكايات تحمل بين طياتها ما هو خيالي خاص بالمخيال البدائي للبشر ثم استقامت الى حكايات شعبية واقعية والى حكايات خرافية.
***
وقد كثر الحديث عن الحكايات بنوعيها الخرافي والشعبي، وتعددت المفاهيم والآراء، وهنا سنحاول الإقتراب من بعضها لأنها تشكل المحصلة النهائية للتفسير اللغوي، والفني/ الجمالي للحكايات، وما نريد أن تكون المفتاح الذي يمكننا الدخول بواسطته في عالم القصص الشعبي، لتحديد وفرز محفزات \”أفق القاريء\” في بنية القصص الشعبي.
وإننا بتثبيتنا لبعض الآراء والمفاهيم لا نريد بذلك أن ندخل عوالم أخرى نحن في غنى عنها الآن، كنشأة الحكاية، والبناء الفني لها، وتطورها، وما تقدمه من أغراض أو غايات، بقدر ما نريد أن نضيء الدرب أمام القاريء، والدارس.
***
الحكاية لغوياً: ((أسم مأخوذ من المحاكاة أو التقليد، وهي ترتبط بمحاكاة واقع نفسي يقتنع أصحابه بحدوثه، وقد برز مصطلح الحكاية في الأدب القصصي وتزحزح عن مجرد الإخبار بالواقع الى الإيهام بحدث قديم مرت الدهور عليه، أو واقعة في مكان قديم عن المخبر، ولا بأس من التوسل بالخيال لبلوغ التأثير المنشود ))( ).
ويسميها آخر بـ ((قصة مروية))( )، وهي تعد من حيث غايتها:((إعادة تشكيل للحياة من وجهة نظر مؤلف ما، مجهول دائماً، وفي إطار فرضته ظروف العصر الذي رويت فيه، فهي اذاً، عملية خلق فني تتميز بقدرة على إستيعاب المخيلات، وإحتضان أصول مختلفة للقصص، ووعي بالوسط الذي تنشأ فيه، وبسببه، ومن أجله، ونستنتج إنها تناول مخطط في الذاكرة لبناء حادثة، ينفعل بها جمهورها))( ).
ومهما يقال عن معنى هذا اللفظ من الناحية اللغوية، فإننا لا نريد أن نتوسع أكثر مما يجب ونكتفي بما طرحناه انفاً.
***
إن مفهوم الحكاية \” الخرافية \” بالنسبة الى الأخوين \” جرم \” كما تبين ذلك من خلال أبحاثهما حول هذا النوع من الحكايات يتلخص في:( )
– إن الحكاية الخرافية ، وإن احاط بها الغموض أو أصابها التحوير، إلا إنها تعد بقايا حكايات بالغة القِدم تتحدث عن قدماء الآلهة والأبطال.
أي أن الأخوين \” جرم \” بمفهومهما هذا للحكاية الخرافية يقتربان الى جو وعالم الإسطورة، حيث إنهما حاولا فهم هذا النوع من الحكايات في صورته الإجمالية، أما بالنسبة لعلماء الأساطير الطبيعية، وعلماء الأساطير الفلكية، فإنهم يرون في هذا النوع محاكات للظواهر الطبيعية، أو الجوية أو لفصول السنة، ولإسماء الأفلاك( ). هؤلاء وغيرهم من الأنثروبولوجيين كتايلور، ولانج، يفهمون الحكاية الخرافية على إنها نمط أو حصيلة لأنماط، وأشكال الاسطورة إن كان ذلك من خلال محاكاتها للظواهر الطبيعية عند علماء الطبيعة أو للظواهر المتعلقة بفصول السنة أو أسماء الأفلاك كما هو عند علماء الفلك.
ويرى الباحث الفرنسي \” سانت بيف \” في الحكايات الخرافية بقايا طقوس قديمة ( ) مما يقرب مفهومه هذا الى المفاهيم السابقة في أن الحكاية ما هي إلا اسطورة مهشمة، أو بقايا أساطير قديمة تتخذ لها من الظواهر الطبيعية، والفلكية، والمعتقدات الدينية، والطوطمية طريقا لها لتجسيد الفكرة أو الحركة التي تريد.
والطريف، إن المدرسة النفسية ترى هذا النوع من الحكايات على إنها رمز للظواهر الجنسية( ).
ومن خلال التطور الذي أصاب المجتمع والحضارة ، فقد أصبحت الحكايات، وبعد إن كانت بقايا مهشمة من أساطير قديمة، ذات نمط خاص بها، على الرغم من أنها لا تبتعد كثيراً عن الاسطورة من حيث جنوحها الى الخيال (الفانتازيا) وما فيها من خوارق، واجواء ميتافيزيقية، وسحرية أيضا. وأيضاً، فإنها إقتربت شيئا فشيئا من الحكايات الشعبية بما لها من عالم شبه واقعي، وشخصيات تحمل من الواقع السمات الكثيرة على الرغم من أنها غير مجسدة، أنها أنماط شخوص، فأصبحت بالتالي، نوعاً من انواع القصص الشعبي، الذي يعبر تعبيراً رومانسياً عن آمال الشعب الذي كان يرتاح الى هذا التعبير لأنه يصدّر له العالم الجميل الذي يصبو إليه كما تقول الدكتورة نبيلة ابراهيم .
إن دارس الأنواع الأدبية – مهما كان نوعها – وخاصة المتعلق منها بتفكير وعقلية إبن الشعب، يجد أن ما يصيبها من تطور، هو تحصيل حاصل للتطور الذي يصيب هذه الفئة من أبناء الشعب، وأقصد بهم العامة( )، ذلك لإن هذا النمط، القصص الشعبي، يعد الوسيلة الوحيدة التي تعبر الجماعة الشعبية من خلاله عن تماسكها( ).
ولما كان هذا النوع الأدبي يرتبط جدلياً مع روح، وتفكير، وعقلية، هذه الجماعة فإنة بالضرورة سوف يتطور -سلباً أو ايجاباًـ بتطور المجتمع الذي يعيش فيه إن كان ذلك على الصعيد الإجتماعي، أو الثقافي، وحتى الإقتصادي، والسياسي.
ولهذا فاننا نرى الأساطير التي تعيش في المجتمع البدائي لا تجد لها مكاناً في المجتمع الذي يصيب تفكيره، وثقافته نوع ما من التطور. والشيء نفسه يقال عن المجتمع الذي يتطور فيه التفكير من خرافي شبه أسطوري الى تفكير يجنح للعقلانية، وترجيح الرأي الصائب في التعامل اليومي, حيث ينعكس هذا, بالضرورة, على ما يبدعه من أعمال أدبية كانت أم فنية.
ومن هذا المنطلق فإن التطور الذي أصاب القصص الشعبي – الخرافي منه – في مادته, أحاله -أو جزء منه – الى نوع آخر, يعقلن الأمور، ويتعامل مع الواقع بواقعية ربما تكون مشوشة. هذا النوع الأدبي أطلق عليه صفة الشعبية, فأصبح لدينا الحكايات الشعبية, وهي نوع آخر من أنواع القصص الشعبي.
تقول الدكتورة نبيلة ابراهيم في كتابها القيم ((قصصنــا الشعبي ….)): (( وعندما تتطور الحياة وتتطور معها أنماط القصص الشعبي, يجد القاص نفسه حراً ومقيداً في الوقت نفسه, فهو مقيد بأنماط وصلت اليه ذات بناء تركيبي واضح ومحدد. ولكن هذا البناء التركيبي من المرونة، وما يلائم ظروفه الحضارية، وأحواله النفسية, وفي وسعه كذلك أن يغير من ترتيب الوحدات الوظيفية كيفما شاء. أما بالنسبة للشخوص, فهو حر في أن يختار منها ما يتلاءم كذلك مع ظروفه الحضارية واحواله النفسية، وفي وسعه كذلك أن يغير من ترتيب الوحدات الوظيفية كيفما شاء. وبالنسبة للشخوص، فهو حر في أن يختار ما يتلائم كذلك مع ظروفه الحضارية، وهو فضلاً عن ذلك حر في إكساب شخوصه الطبيعة التي يرغب فيها, لكي تكون معبرة عن مشكلاته النفسية التي يعايشها في حياته اليومية.))( ).
***
والحكايات الشعبية – كما قلنا – هي نوع آخر من أنواع القصص الشعبي يرتكز على فنية تقوم بدور تعبيري عن الحياة اليومية المعاشة بكل مشاكلها، وتعقيداتها، من خلال ما تطرحة من علاقة بين الواقع المعاش للجماعة، وهذه الجماعة نفسها، في الوقت نفسه. وتؤكد الدكتورة نبيلة ابراهيم خلال حديثها عن هذا النوع من الحكايات على إختفاء الشخوص الشريرة التي تهدد بطل الحكاية الخرافية( ).
ومن هذه الخاصية التي تفترق بها الحكاية الشعبية عن الخرافية فإنه بالضرورة سوف يختلف الخطر الذي يهدد إنسان الشعبية أو بصورة أدق بطل الحكاية الشعبية … فإذا كان الخطر الذي يهدد البطل في حكاية (العصا السحرية)( ) مثلاً، هي شخصية العجوز الساحرة (الغولة في إحدى صورها), وهو التجسيد المباشر للخطر المقام على ركائز سحرية، فإنة بالضرورة سوف يكون مختلفاً عما هو في الحكاية الشعبية, إذ نجد إن الخطر الذي يهدد البطل في حكاية (العجوز والشيطان)( ) متأت من الدور الشرير الذي تلعبة العجوز بعد إتفاقها مع الشيطان, والإثنان يشكلان الخطر الرئيس، والتجسيد المطلق لظاهرة الشر.
صحيح إن الحكاية الخرافية تتناول العلاقة بين الإنسان والواقع من خلال خيط رفيع يربط الإثنين ببعضهما, وهذا الخيط هو أما أن يكون الشر قوة مضادة للخير المتمثل – أو هكذا تريد الحكاية – في نفسية الأنسان، وصفاتها، أو أن يكون هذا الخيط هو قوة خفية غيبية, اسطورية – ربما – متجسدة بشكل ما ((حيوان, نبات, جماد, وحتى إنسان)) أو ظاهرة معينة كالسحر مثلاً, ولكن هذا القوة الغيبية هي تجسيد آخر للشر نفسه.
هذه العلاقة, بين الإنسان والواقع, في الحكاية الخرافية, هي نفسها العلاقة التي تربطهما سوية في الحكاية الشعبية.. ولكن الفرق بين هذين النوعين في الحكايات هو في تجسيد الخيط الذي يربطهما, فنجد مثلاً في حكاية (الشيخ الكريم)( ) ان هذا الخيط الذي يربط (الشيخ) بطل الحكاية بالواقع الذي يعيشه متمثلاً بأحساسه بالنقص الحاصل في حياته (فقر بعد غنى).
فهذا الخيط الذي يربط الإنسان بواقعه, والذي يجب عليه – أي البطل/ الإنسان- أن يتحرك من خلاله للوصول الى ما يريد، أي القضاء على النقص، والعودة الى الواقع, هو نفسه الشر, متجسداً بصورة مختلفة تأخذ من الواقع بعض مقوماته, ويختلف عما هو في الحكاية الخرافية, فليس هو بالشخصية الشريرة (الغولة) كما في (العصا السحرية)، ولا هو (السعلاة) في (حديدان)( ) وانما هو الإنسان نفسه الذي سلب زوجة (الشيخ)، وكذلك هو (النهر) الذي غرق فيه إبنه (قضاءً وقدراً)، وهو (الذئب) الذي سرق إبنه الثاني, وهذه القوى جميعها خارجة عن نطاق السحر.
ولهذا, فإننا لو جردنا الحكاية الخرافية من كل شخوصها، ووظائفها، لوجدناها تهدف الى تصوير الشر ثم القضاء عليه، وهذا بعينه هو الهدف الذي تهدف اليه الحكاية الشعبية, سواء انتهت بالقضاء على الشر أم لا( ).
أن إرتباط الحكاية الشعبية بالواقع, هو العامل الوحيد الذي من خلاله يمكننا التعرف على هذا النوع من الحكايات أولاً, وثانياً, إن صياغة مفهوم خاص بها يبعدها عن مفهوم الحكاية الخرافية, يعد مهمة صعبة, لأن التعامل مع أية حكاية كانت لتحديد المصطلح يجب أن يتم بحذر ودقة, ولهذا فان دراسة الإختلافات بين النوعين يزيدنا معرفة بكل نوع منهما.
يقول الأستاذ نمر سرحان عن الحكاية الشعبية: (( ويشمل اصطلاح الحكاية الشعبية ذلك الحشد الهائل من السرد القصصي الذي تراكم عبر الأجيال والذي حقق بواسطته الانسان كثيرا من مواقفه ورسب الجانب الكبير من معارفه ))( ).
لقد وقع الأستاذ نمر في سوء فهم المصطلح الفولكلوري\”الحكاية الشعبية\”عندما تحدث عن هذا ((الحشد الهائل من السرد القصصي)) حيث أطلق علية اصطلاح (الحكاية الشعبية) دون استيعاب المعنى الحقيقي لكل مصطلح من هذه المصطلحات المتعارف عليها.
صحيح ان هذا ((الحشد الهائل من السرد القصصي)) يعد من القصص الشعبي, ولكن, ماذا نقول عن بعض من هذا ((الحشد الهائل)) الذي يأخذ من عالم الاسطورة, وعالم الحيوان, وعوالم السحر و الخوارق … الخ ؟ هل يمكن ادراج ذلك مع تلك الحكايات التي تتسم بكل صور، وأحداث الواقع المعاش؟ وهل تقف أيضاً مع تلك الحكايات التي تتحدث عن بعض المتعقدات الدينية.. أو غيرها؟, أم أن لكل نوع من هذه الانواع هدفاً معيناً, أو أنها تقوم على الأسس الفنية والفكرية نفسها, و ترتكز على المقومات الأساسية التي تقوم عليها الحكايات الشعبية نفسها ؟
ويقول كذلك: (( إن المقارنة بين الاسطورة والحكاية الخرافية الشعبية, تكشف أوجه الشبه والاختلاف، وبالتالي تعطينا الفرصة لإصدار الحكم النهائي على مدى العلاقة بينهما, فالأولى تبحث في حياة وأعمال آلهة وأنصاف آلهة, والثانية تتناول حياة ملوك و شخصيات إنسانية بحته ))( ).
في هذه السطور- وللمرة الثانية- يصيب المصطلح الفولكلوري عند الاستاذ نمر بعض الغموض. حيث إنه يطلق على كل أنواع القصص الشعبي التي تتناول حياة الملوك وشخصيات إنسانية بحتة مصطلح (الحكاية الخرافية الشعبية).
من خلال هذين المصطلحين اللذين حدد بهما الاستاذ نمر سرحان نوعين من أنواع القصص الشعبي, يبرز سؤال مهم حول التداخل الحاصل بين هذين النوعين (الاسطورة)، و(الحكاية الخرافية الشعبية) حيث إن الكثير من حكايات النوع الأخير نجدها أساساً معتمدة على مجموعة من الموتيفات ذات الصبغة الاسطورية – بل إنها اسطورية حقيقة – هل نضمها الى خانة الاسطورة, أم الى خانة الحكايات الخرافية؟
فاذا علمنا أن الاسطورة ماهي إلا: ((قصه وجود ما…فهي تروي كيف نشأ هذا الشيء أو ذاك, إنها تصور خارق للواقع وتفترق بالطقوس فهي حكاية إله أو شبه إله أو كائن خارق تفسر بمنطق الإنسان البدائي ظواهر الحياة والطبيعة والكون والنظام الإجتماعي وأوليات المعرفة وهي تنزع في تفسيرها الى التشخيص والتمثيل والتجسيم وتنأى بجانبها عن التعليل والتحليل وتستوعب الكلمه والحركه والاشاره والإيقاع وقد تستوعب تشكيل المادة))( ).
اذا عرفنا ذلك عن الاسطورة كما أراد الاستاذ نمر, فإننا نقف حائرين أمام هذا الحشد الهائل-أيضاً- مما يسميه بـ ((الحكاية الخرافية الشعبية)) والذي يكون فيه – هذا الحشد- صورة طبق الأصل لما أراد قوله عن الاسطورة على إنها حكاية ((كائن خارق تفسر بمنطق الإنسان البدائي … الخ)).
إن مصطلح (الحكاية الخرافية الشعبية) مصطلح فضفاض, أذا أردنا منه ((هذا الحشد الهائل)) من الحكايات, والأجدر بنا أن نقوم بعملية فرز لما جمعه الاستاذ نمر و نقول إن هناك حكاية خرافية, وهناك حكاية شعبية.
والجدير بالذكر ان الفروق التي تنشأ بين هذين النوعين, ليس من السهل التعرف عليها ببساطه, ذلك لو نظرنا الى البناء الفني الذي يحكم كلا النوعين فقط، فكل نوع من هذين النوعين يستعمل قسماً أو مجموعة من الموتيفات أو الجزئيات التي كوّنت بمجموعها هذا الهيكل البنائي أو ذلك للحكاية. ذلك, لأن جميع هذه الموتيفات أو الوحدات الوظيفية- كما استنتجها بروب, والتي بنى عليها أساس منهجه المورفولوجي, وأستطاع من خلال دراسة البناء الفني للحكاية الخرافية فقط-( ) هي الملحمة الأساسية التي تكوّن المجموع الشامل للحكاية ان اجتمعت , وأيضاً , فلو تركنا البناء – شكلاً – للحكاية ودرسنا البطل فإننا لا نخرج بسهولة بنتيجة تحدد لنا نوعية البطل – مثلاً – في كل حكاية … وحتى الواقع التي تنهل منه و تصوره هو واقع متشابه لحد ما … لكنه في الوقت نفسه يختلف عنه اختلافاً كلياً .
ان السبيل الى معرفة الفرق بين النوعين, هو دراستنا للبناء الذي يحكم مجموعة الموتيفات, دراسة متعمقة, من خلال فرز هذه المجموعة التي تكون اللحمة الأساسية للحكاية الخرافية عن مجموعة الموتيفات التي يتكون منها البناء الخاص بالحكاية الشعبية, وذلك من خلال المنهج المورفولوجي( ).
وأيضاً, فان الدارس سيجد أمامه مجموعة من الموتيفات في كلا النوعين, فهناك موتيفات أساسية في الحكاية الخرافية نجدها نفسها في الحكاية الشعبية, كالاحساس بالنقص, والقضاء عليه أو على الشر مثلاً، وأيضاً, فانه ليس بالضرورة أن تكون تلك الموتيفات أو بعضها في هذا النوع من الحكايات أو في النوع الآخر في الوقت نفسه.
هذا من ناحية الشكل – البناء -، أما من ناحية الوظيفة، فأن الدارس لهذين النوعين يجد أن ما تريد أن تقوله الحكاية الخرافية يكون مغايراً لما تريد الوصول اليه من هدف الحكاية الشعبية، أي ان وظيفة النوع الأول تختلف عن وظيفة النوع الثاني. (( في حين نجد الحكاية الخرافية تخدم غرضاً نفسياً واحداً هو الكشف عن تجارب اللاشعور وصراعه مع الشعور من أجل الوصول بالانسان الى شخصيته الكاملة، نجد الحكاية الشعبية تخدم جوانب الحياة المختلفة التي يعيشها الانسان الشعبي.. وهي في الوقت نفسه تكشف عن شخصية الجماعات الشعبية الكادحة التي قد يظن انها تعيش في محيط ضيق للغاية، ولا تعي من مشكلات الحياة الا بمقدار ما يهم احتياجاتها المادية))( ).
والقاريء للحكاية الخرافية يجد أن ما ينتهي به هذا النوع من الحكايات – وهو نهاية مفرحة – يجسد الوظيفة التي تبنى على أساسها جميع الحكايات من هذا النوع، في انها تحمل للانسان القدرة على التخلص من أعباء الحياة اليومية المرهقة، والى خلق الصورة المثلى التي تحقق له الأمل الذي يراوده في أن يصبح الناس في هذا العالم صورة طبق الأصل لهذا البطل الذي يدافع عن وجوده، وكينونته الانسانية.
وأيضاً التأكيد عليها، والوقوف أمام الطغاة بكل جبروت وكبرياء… هذا البطل يتسم بالبطولة والتفاؤل والايجابية في سلوكه( ).
وهذا ما نجده في الحكايات الخرافية، في أن النهاية السعيدة التي يرسو عليها هذا النوع تتجسد في زواج البطل من الأميرة، أو من الفتاة التي يحب، والحصول على العرش، بعد أن يقضي على الشر، ومهما كانت الصورة التي يتمثل فيها هذا الشر.
أما بالنسبة لوظيفة الحكاية الشعبية، وبأي حال من الأحوال، فإنها تهدف الى تصوير الشر ثم القضاء عليه، سواء إنتهت الحكاية بالقضاء عليه بصورة تامة أم لا، كما تقول الدكتورة نبيلة ابراهيم.
والملاحظة التي أود طرحها هنا حول قول الدكتورة في أن هدف الحكاية الشعبية هو تصوير الشر ثم القضاء عليه، وهذا القول يبدو من الصحة ( ظاهرياً ) ما يجعل القاريء والدارس أيضاً يجد ذلك في هذا النمط من الحكايات، ولكننا لو درسنا العلاقة بين هذا النوع من الحكايات وبين الحالة الاجتماعية والاقتصادية لانساننا العربي – خاصة – بصورة عامة لعرفنا ان الغاية التي يهدف اليها هذا النوع من الحكايات هو تأكيد انسانية الانسان واجبار الآخرين على الاعتراف بوجوده كإنسان يعيش وسط الجماعة \”انظر على سبيل المثال حكاية حسن آكل قشور الباقلاء\”( ). وهذا الهم الانساني / الاجتماعي هو الهم الرئيس الذي تدور حوله الحكايات الشعبية خاصة.
أما النهاية التي تنتهي اليها مغامرات البطل، وأقصد بها الحصول على العرش، والزواج من الأميرة، أو المحبوبة، فهو الجانب الذي يعكس ما قلناه سابقاً في تأكيد انسانية الانسان/البطل والاعتراف بها من قبل الآخرين، وهذا الهم الاجتماعي / الانساني يرد على شكل هم فردي، حيث ان البطل الذي وصل الى ما يريد هو واحد من الكل، إذن وباقي الشخوص؟
ان انتخاب مثل هذه الشخصية من الواقع هو بحد ذاته انتخاباً اجتماعياً لها… انها صورة لجميع أبناء الشعب … والوصول الى غاية ما، هو بحد ذاته وصول المجموع الى الغاية نفسها.
وقد انتبه الاستاذ أحمد عباس صالح في كتابه عن \”سيرة عنترة – كتابة معاصرة\”،الى ذلك. حيث استطاع أن يزود شخصية \” شيبوب \” ببعض الأفكار التي كانت بعيدة عن جو السيرة. وبالطبع, فإن هذه الفردية في البطولة ليست نقصاً يشوب القصص الشعبي بقدر ما هي طريقة فنية في تقديم هذا الهم الاجتماعي والوصول به الى الغاية المنشودة.
وليس بالشكل والغاية فقط نستطيع أن نحدد أية حكاية من هذه الحكايات هي من هذا النوع، وأيهما من النوع الآخر. فهناك أيضا العالم الذي تتحرك فيه شخوص تلك الحكايات… ذلك اننا نرى في الحكايات الخرافية عالماً مغايراً لما نراه في الحكايات الشعبية… وليس من السهل التعرف على ذلك ببساطة القراءة الأولى لحكاية أو حكايتين، ذلك لأن هذين العالمين متشابهان الى درجة، ان أحدهما يتداخل مع الآخر ويأخذ منه الشيء الكثير إن كان ذلك على صعيدي المكان أو الزمان.
صحيح ان عالم الحكاية الخرافية عالم مليء بالظواهر السحرية والخوارق وكل ما هو خرافي بحت، وان عالم الحكاية الشعبية عالم واقعي، أو شبه واقعي، الا أن التمييز بين العالمين صعب جداً. حيث اننا كثيراً ما نجد الحكايات الشعبية مشبعة بما في عالم الحكاية الخرافية من سحر وخيال جامح للوصول الى الغاية التي تصبو اليها.
وقد استطاعت الدكتورة نبيلة ابراهيم أن تقدم لنا صورة لكل عالم من هذين العالمين .. حيث انها تقول: ((ان العالم المجهول لا يبعد كثيراً عن العالم المعلوم في الحكاية الخرافية، بل هو قريب منه كل القرب. فإذا رحل البطل اليه فكأنما انتقل من مكان لآخر، لا لأن هذا المكان المجهول قريب منه، وانه يستطيع الانتقال اليه في خفة ورشاقة حسب، بل لأن هذا العالم ليس مجهولاً بالنسبة اليه ))( ).
ان الوصول الى عالم الحكاية الخرافية – المجهول منه – يتم بسهولة، وأيضاً فإنه معروف لدى بطل الحكاية. وان الوسائل التي يستعملها البطل في الوصول الى ذلك العالم هي وسائل قد استمكنت شرعيتها إن كان ذلك لدى البطل أو في فكر المستمع للحكايات من هذا النوع، وأيضاً فإنها بالضرورة ستكون غير قابلة للنقاش خاصة بالنسبة للبطل الذي يستعملها ان كان ذلك سحرياً أو واقعياً.
أما بالنسبة الى العالم المجهول، والذي يتحرك فيه بطل الحكاية الشعبية، أو تتحرك ضمنه مجموعة الأحداث التي تكّون لحمة الحكاية ذاتها… هذا العالم يستكمل خصائصه ومقوماته المغايرة لما هو موجود في الواقع – واقع البطل نفسه – وواقع الشخوص التي تتحرك فيه. ذلك بوجود بُعد – طال أم قصر – بين عالم البطل الآني / الواقعي، وعالمه الآخر/ المجهول( )، وأيضاً، ((العالم المجهول بالنسبة لحياتنا الواقعية ينفصل عن عالمنا الزمني. وليس معنى هذا ان هذا العالم المجهول لا أثر له في حياتنا، بل انه على العكس مهم في حياتنا وفي سلوكنا النفسي كما هو ليس بعيداً عنا. فهو يؤثر في حياتنا اليومية، والاتصال به يولد في الانسان أملاً من نوع خاص. انه يجذبنا اليه ولكنه يردنا عنه مرة أخرى. وان الانسان يشعر، ولاشك في ذلك، بعلاقة قهرية بينه وبين هذا العالم، فهو يثير خوفه منه وشوقه اليه في الوقت نفسه))( ).
وحتى الغاية التي تقف من وراء تحرك البطل لخوض غمار المغامرة والوصول به الى العالم المجهول تختلف بإختلاف نوع الحكاية. فبينما نجد بطل الحكاية الخرافية يدخل عالم المجهول بحثا عن فتاته، نجد في الوقت نفسه ان بطل الحكاية الشعبية عند دخوله ذلك العالم فإنه يدخله ليكشف عن معميات هذا العالم المجهول.
يورد الباحث فردريش فون دير لاين في كتابه (الحكاية الخرافية) بعضاً من الفروق بين النوعين ، وأهمها( ):
– للحكاية الشعبية بنية بسيطة، أما الحكاية الخرافية فهي مركبة ذات شكل معين.
– الحكاية الخرافية في العموم لا تؤخذ مأخذ الحقيقة، في حين أن الحكاية الشعبية تؤخذ هذا المأخذ، وهي تستدل بشواهد تؤيد ما فيها من حقيقة.
ويبحث \” ماكس لوني \” أوجه الاختلاف مؤكداً على( ):
– ان الحكاية الخرافية بكل ما فيها من عناصر تُعد أدباً، أما الحكاية الشعبية فهي تمتزج بالواقع الحقيقي في أعمق أعماقه، وليس لها طابع أدبي صرف.
– إن الحكاية الشعبية تصور الانسان الوحيد، الذي يتصل بالعالم الآخر وكثيراً ما يخضع له، أما الانسان في الحكاية الخرافية فيتصل بمحض اختياره بقوى العالم الآخر.
– الحكاية الخرافية ذات طريقة تجريدية في العرض، كما انها تسمو بالموضوع والصور الى درجة المثالية، أما الحكاية الشعبية فحسية، تصور فيها العوالم الأخرى في دقة وتفصيل كملابس الأقزام مثلاً، ومظهرهم وأعمارهم وأجناسهم ويمتزج كل هذا بوصفها للطبيعة.
– تحاول الحكاية الشعبية أن تفرض خصائصها وطبيعتها، حينما تتناول مخلوقات العالم الآخر فتتحدث عن ماضيهم وعاداتهم اليومية، ولا تعرف الحكاية الخرافية مثل هذا، فهي تحكي عن العفاريت والمردة والجن ولكنها لا تصفهم.
– الحكاية الخرافية لا تحكي عن العالم الآخر من أجل أن تثير في نفوسنا تصوراً له كما هو الحال في الحكاية الشعبية وإنما نجد في هذا العالم القوى التي تكون مساعدة أو معادية للبطل، وان تكن له وظيفة محددة دائماً، وهي أن تقود البطل الى الهدف المحدد من قبل.
فالمواهب التي يستقبلها بطل الحكاية الخرافية على سبيل المثال تتحدد بتبعاته، تلك التبعات التي لا يمكن أن تتحقق الا بمساعدة هذه المواهب. أما المواهب في الحكاية الشعبية فهي جزء على الوفاء بتبعات.
– ان الحكاية الشعبية جادة في طابعها، أما الحكاية الخرافية فهي تتحرك بين ما هو جاد وما هو هزلي.
***
الهوامش:

( ) الحكاية الشعبية الفلسطينية – نمر سرحان – ص21 . والاقتباس مأخوذ من كتاب \” الحكاية الشعبية \” – د. عبد الحميد يونس .
( ) كان يا ما كان – عادل أبو شنب – ص11.
( ) المصدر السابق ص12 .
( )الحكاية الخرافية – فردريش فو لاين – ت: د. نبيلة ابراهيم – ص 34 .
( ) المصدر السابق – ص67 .
( )المصدر السابق – ص68 .
( )المصدر السابق – ص68 .
( ) عن معنى (العامة ) يقول جرجي زيدان في كتابه \” العرب قبل الاسلام \” ص57 : (( جاء الساميون مصر من الشرق ، أما بطريق برزخ السويس أو البحر الاحمر، ولذلك ما برح المصريون منذ القديم يسمون بلاد العرب \” الارض المقدسة \” أو \” ارض الآلهة \” وعرفوا من الساميين عدة شعوب سموا كلا منها بإسم واطلقوا عليهم جميعا لفظ \” عامو\” أو \” آمو \” وهو سامي الأصل معناه الشعب \” الأمة أو العامة \”…)).
( ) قصصنا الشعبي من الرومانسية الى الواقعية – د. نبيله ابراهيم – ص 171 .
( ) المصدر السابق – ص44.
( ) المصدر السابق – ص127 .
( ) راجع كتابنا : القصص الشعبي العراقي في ضوء المنهج المورفولوجي – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – 1986 .
( ) انظر نص الحكاية في كتابنا أعلاه .
( ) انظر نص الحكاية في كتابنا أعلاه .
( ) انظر نص الحكاية في كتابنا أعلاه .
( ) قصصنا الشعبي – ص96 .
( ) الحكاية الشعبية الفلسطينية – ص18 .
( ) المصدر السابق – ص 46 .
( ) المصدر السابق – ص 25 .
( ) راجع كتابنا:القصص الشعبي العراقي في ضوء المنهج المورفولوجي. وكتاب الدكتورة نبيلة ابراهيم\”قصصنا الشعبي ..\”.
( ) راجع كتابنا الآنف الذكر حول ذلك .
( ) قصصنا الشعبي .. – ص209 .
( ) المصدر السابق – ص 132 .
( ) راجع كتابنا القصص الشعبي …. .
( ) قصصنا الشعبي … – ص 121 .
( ) تحدثت الدكتورة نبيلة ابراهيم عن هذين العالمين بصورة مفصلة في كتابها الانف الذكر وايضا في مقالتها \” المرأة في الحكايات الخرافية والشعبية \” المنشور في مجلة الفنون الشعبية المصرية – العدد 3 – 1965 .
( ) المصدر السابق .
( ) الحكاية الخرافية – ص 140 .
( ) المصدر السابق – ص 141 .