المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

ليانة بدر: الترجمة تنطوي على بلسمٍ للصراعات

أشرف الحساني

تتأرجح تجربة الكاتبة الفلسطينيّة ليانة بدر (1950) بين الرواية والقصّة والشعر والسينما. وقد استطاعت بمُؤلّفاتها المُتنوّعة صياغة أفقٍ متخيّل لسيرتها ككاتبةٍ. ولكنّ هذا الزخم الأدبي الذي تعيشه الكاتبة في ذاتها يجعلها تنسج علاقة مُتخيّلة مع ذاكرتها، ومسارًا غنيًا لمفهوم الكتابة لديها، إذْ لم تكُن سياحتها بين الأدب والسينما تمليها هواجس مادية، أو مؤسّساتية، وإنّما يُمليها جُرحها الذي لم يندمل بعد، في لحظةٍ شعرت فيها بأنّ الكلمة لم تُعد تُطاوعها لكي تقول ما تُريد. لذلك وجدت في الصورة السينمائية وفضاءها المُتخيّل مناخًا للتعبير، وقُدرة ملفتة على إعادة كتابة تشكيل الجسد الشخصي بصريًا، وجعله يتقاطع مع تاريخ فلسطين. وتبدو بدر مَشغولة بأحلامها وطفولتها بكل مآزقها ومسرّاتها. وقد لا يبدو ذلك جديدًا عندها، حيث سبقتها تجاربٌ عربيّة كثيرة مزجت في سيرتها بين الأدب والسينما، إلاّ أن قدرة ليانة على التأثير جعلت تجربتها أكثر شهرة داخل فلسطين، هذا فضلًا عن عشرات المُؤلّفات الأدبيّة المُترجمة لها حديثًا إلى لغاتٍ أجنبية. فهي بقدر ما تُرمّم شروخ الذاكرة، تعمل من جهةٍ أخرى على تخييل التاريخ وجعله يُدين فداحة حاضرٍ مُتحوّل، من خلال توجيه نقدٍ مُبطّنٍ للاحتلال وسُلطته القاهرة.
هنا حوار معها في مناسبة صدور الترجمة الفرنسيّة لروايتها \”نجوم أريحا\” مؤخرًا:

(*) بين الشعر والرواية والفيلم الوثائقي، أين تجدين نفسك بقوة، وأكثر حميمية وتعلّقًا، على مستوى الكتابة بين كل هذه الأجناس الأدبيّة والفنّية؟
هذا يشبه أنْ نرسم بأدوات ذات خواص متنوّعة. أجد أنّ الكتابة بالأسود على صفحة بيضاء تماثل التصوير الذي يتخلق من امتزاج الضوء بالظلام. عندما تلح عليّ أولوية للتعبير عن موقف، أو صورة، أو مقطع من الحياة، أجد أنّ الشكل المناسب لما أود قوله أو اكتشافه مع المتلقّي هو ما يفرض ذاته عليّ.

(*) هل تعتقدين أنّ ذاكرة الطفولة ما زالت تُشكّل منبعًا أدبيًا لا ينضب بالنسبة للكاتب المعاصر، على ضوء ما شهده الأدب العربي المعاصر من تحوّلات في الاجتماع والسياسة؟
مثل الجميع، بدأت أكتب الشعر، ثم الرواية، ولم أنتقل إلى السينما إلّا حينما عدت إلى فلسطين بعد المنافي المتعدّدة، ووجدت أنّ أسئلتي لن تستقر إنْ لم أعرضها على شاشة يراها الجميع.
فيلمي الأوّل \”فدوى: حكاية شاعرة من فلسطين\” كان سؤالًا عما ستصل إليه النسوية في فلسطين بعد الكفاح المر الذي قامت به فدوى طوقان لإثبات صوتها وفردانيتها الشعرية، في الوقت الذي لم يكن فيه للنساء الفلسطينيات جدارة الاعتراف بفضلهن على الصعيد المعنوي، أو الأدبي. كانت الانتفاضة الأولى هي المعبر الذي مكّنها من مزج الأنا الفردية مع الآخرين، ومن ثم الحديث عن الحبّ من دون خوف، أو ندم، أو مساءلة. وفي فيلمي التالي \”زيتونات\”، الذي تناول العلاقة بين النساء الفلسطينيات وشجرة الزيتون، كنت أتساءل إنْ كان مشروع السلام الهش سوف يصمد ما دام الاحتلال لن يكف عن اقتلاع الزيتون.

تلا ذلك \”الطير الأخضر\”، الذي تناول أحلام وأغاني وكتابات وآمال الأطفال وسط القصف والإصابات في الانتفاضة الثانية. وكأنني كنت أنظر إلى بلدي من جديد عبر عيونهم وتجاربهم الصعبة.
ثم جعلني الاجتياح العسكري للضفة الغربية في 2002 أنجز فيلم \”حصار: مذكرات كاتبة\” أمرًا محتمًا. حملت كاميرا منزلية، وتسللت بين قصف وقصف، ورفع منع التجوّل لساعات، لكي أروي ما أراه. كانت الكاميرا أكثر جدوى من الكلمات كلّها آنذاك.
وبعدها أرقني الجدار الاسرائيلي والدمار وسرقة الأرض الذي تسبب فيه، فأنجزت فيلم \”مفتوح: مغلق\”، ثم صورت بعناء شديد فيلم \”القدس مدينتي\”، حيث لم يكن لدي تصريح لدخول مدينتي ومسقط رأسي.
وكتبت قصة وسيناريو \”زواج رنا\”، ولم أستطع المشاركة في حضور افتتاح الفيلم في مهرجان \”كان\”، لأن رام الله والضفة الغربية كانتا تحت الاحتلال العسكري آنذاك 2002.

(*) وفق هذا المعنى، وارتباطًا بسياق المكان، كيف جاءت فكرة كتابة رواية \”نجوم أريحا\”؟ وكيف عشت مسار اختمارها في ذاتك، قبل بدء فعل الكتابة؟
تعود كتاباتي الروائية إلى سياقين. السياق الأوّل هو العمل على التاريخ الفلسطيني الشفهي، وأشتغل هنا على تكوين شخصيات خيالية تعيش الأحداث الحقيقية التاريخية، والثاني هو أنْ أرسم روائيًا، وبالألوان، علاقتي الفردية مع هذا التاريخ ذاته. يشبه هذا الأفلام في السينما. ففي \”نجوم أريحا\”، و\”أرض السلحفاة\”، أكتب المدينة مثلما نظر فيلليني إلى بلدته في فيلم \”أماركورد\”. وفي \”بوصلة من أجل عباد الشمس\”، أو \”عين المرآة\”، أو \”الخيمة البيضاء\”، أو \”شرفة على الفاكهاني\”، يحضر الأدب بوصفه عينًا على الذات والمجموع. وهنا يقوم الشغل الروائي على التاريخ كمسرح للشخصيات الحاضرة فيه مهما صغرت أدوارها.

(*) ألا تعتقدين أنّنا نكتب حياتنا بالجسد قبل الكتابة، وأنّ مراحل الطفولة التي نعيشها تفرض علينا نسقًا للتفكير ونمطًا في التخييل؟
أنظر إلى المكان والجسد مثلما ينظر آينشتاين إلى الزمان والمكان، حيث لا يمكن فصلهما. نحن نعيش في الأمكنة، ونتشكّل عبرها جسديًا. الروائح، الأفكار، والحركات، والنوايا الواضحة، أو الخفية، تظهر في كتاباتنا مثل وشومٍ لا تمحى. لهذا أعتقد أنّ النصوص التي أكتبها عبارة عن رسوم تخط الجسد في علاقته مع الوجود الفردي والجماعي وبالتاريخ حكمًا. حتى الآن، عندما أذهب إلى بيت أهلي في أريحا أستطيع استعادة اللحظات الصغيرة، التي عشتها هناك، ومنها على سبيل المثال شعور من يتأمّل القمر في صفحة سماء صافية ونقية لأخفض نقطة في العالم.

(*) قبل أسابيع، صدرت الترجمة الفرنسيّة لروايتك \”نجوم أريحا\”، بعد الترجمة إلى اللغة الإيطالية. ما الذي تعنيه لك الترجمة ككاتبة عربيّة؟ وكيف جرت مرحلة التعاون؟
الترجمة هي بلسم للصراعات التي تدمر العالم اليوم. إنّها النبع الذي ترجع إليه كل اللغات وتنفتح به على غيرها. أحبّ أنْ يقرأ الناس قصصنا ورواياتنا. وأكون ممتنة حين تصل إلى بلدان أخرى لشعوري بالتواصل الإنساني.

لقد تُرجمت رواياتي وقصصي إلى لغات متعددة، ونالت أفلامي جوائز دولية، لكنْ أكثر ما يسعدني في الأعماق هو حين أنتهي من إنجاز كتاب، أو فيلم، فكأنني أكتسب الجدارة حينها بالانتماء إلى المشاركة في الحلم الجماعي بالحرية والاستقلال، بعيدًا عن عبودية الاحتلال التي نعيشها. الترجمة إلى لغات أخرى تنقل لي الاحساس بأنّني أعيش في عالم للجميع، وليس للمستعمرين فقط.
تُرجمت رواية \”بوصلة من أجل عباد الشمس\” إلى الإنكليزية والفرنسية، وترجمت \”عين المرآة\” إلى الإنكليزية في أكثر من خمس طبعات، وإلى الهولندية، وهي قيد الترجمة إلى الإيطالية حاليًا. كذلك ترجمت \”نجوم أريحا\” إلى الفرنسيّة والإيطالية، وترجمت مجموعة \”سماء واحدة\” إلى الفرنسية. كما ترجمت \”شرفة على الفاكهاني\” إلى الإنكليزية، مع أجزاء كاملة منها إلى الهولندية. بالإضافة إلى عشرات القصص، التي ترجمت إلى أنطولوجيات بلغاتٍ متعدّدة.

(*) استنادًا على الرواية، كيف تستطيعين كروائية نسج علاقاتٍ فكريّة بين حميمية المكان وذاكرة الجسد الشخصي؟
طبعًا، يرسم الجسد تضاريسه على خارطة الكتابة، وينعكس على الشخصيات التي نكتب عنها. منذ طفولتي عرفت شتاتًا من نوع فريد بسبب تنقل عائلتنا التي ينتمي الأب والأم فيها إلى أحزاب سياسية، تجعل من الحياة التقليدية الرتيبة أمرًا غريبًا. كان البيت يزدحم بأناس متعددي المشارب والتوجهات، يرددون عبارات لم أكن أفهمها، ما جعلني أتجه إلى البحث عن قصص الخيال خفية. وهكذا تعرفت في خلفية بلكونة المطبخ في أريحا على قصص \”ألف ليلة وليلة\”، التي شابهت قصص وخرافيات \”أساطير بالفلسطينية\” أخوات جدتي. لم تكن أمي مديرة المدرسة لتسمح بمطالعة هذا الكتاب وأنا في الخامسة، لكنّي بطريقة ما حصلت عليه بسبب تعلمي القراءة باكرًا. وفي مرحلة المطاردة التي عشتها مع أمي وأبي قبل القبض عليه ليودع في السجن السياسي، وهرب أمي إلى دولة أخرى كلاجئة سياسية، أتيح لي التنقل المبكر بين بلدان عديدة وأنا في السابعة.

كل الأمكنة تركت عليّ ميسمها، ورسمت لقطات كاميرا داخلية ما زلت أحتفظ بها. وحتى حينما عشت في المنافي لأكثر من عقدين رجعت إلى القدس لأشاهد وأحس وأشم الروائح ذاتها، أو ربما هي تشابه الماضي الذي ترك وشومه على الجسد وفي الكتابة. نحن حينما ندخل إلى مكان نصطحبه معنا في عروقنا، مهما حدث بعدها.

(*) في \”نجوم أريحا\”، يشغل التاريخ حيزًا كبيرًا، ليس فقط من خلال تاريخ المكان، وإنّما أيضًا من ذاكرة الناس وقلقهم وهواجسهم. إلى أيّ حد يُمكن الحديث عن التقاطع والتلاقي، بين الواقعي والتخييلي في سيرة نصّ \”نجوم أريحا\”؟
عندما كتبت \”نجوم أريحا\” كنت ما أزال في المنفى خارج فلسطين. وأنا في غاية التأكد من أنني لم أكن لأكتبها بهذه الطريقة لو أنني كنت في بلدي حينها. عايشت بلادنا تغييرات حادّة أدّت إلى تضرّر الأراضي، وهجرة قطاعات حيوية خارج المكان بسبب الفقر والبطالة الناتجة عن العقوبات وقيود الحركة التي وضعها الاحتلال. في \”نجوم أريحا\” رسمت الوطن ـ الفردوس تلك الجنة الذهبية التي عشت فيها قبل الاحتلال. حين لم يكن الناس رغم كارثة اللجوء والنكبة الأولى قد تعرضوا إلى كل هذه العقوبات اليومية والرعب المتواصل من الحياة تحت الاحتلال. لم تكن التصاريح التي لا يمكن للمرء التحرك من مكان إلى مكان موجودة حينها، ولا الاعتقال الإداري الذي يجيز احتجاز الأشخاص إلى فترة لانهائية من دون محاكمة، ولم يكن هنالك ذلك الكره الدفين الذي نما بين الأفراد بعدها بسبب حياة تحت الاحتلال الممتلئة بالمرارة والشكوك والاتهامات الظالمة، أو المسيئة.
كتبت عن أريحا المتوهجة بتاريخها الذي جعلها المدينة الأولى التي عرفها التاريخ البشري، وعن خصوبة تربتها والتماع بساتينها، وهو على النقيض مما هي عليه الآن بعد هجرة المخيمات الفلسطينية المحيطة بها عام 1967. وكتبت عن عائلاتها وذاكرتها الدائرية. هذا لأني كنت قد قمت بأبحاث عديدة حولها قبل هذا. قرأت كتب العديد من الجغرافيين العرب القدامى، وظللت أفكر في الشكل الذي يتيح لي الكتابة عن مدينة لم أعد فيها منذ زمن طويل. وفي ما بعد استطعت الوصول إلى أنْ الشكل التاريخي الدائري الذي وجدته في ذاكرة الكتب التراثية هو الأنسب. وهو ما نجده أيضًا في \”ألف ليلة وليلة\”. هكذا أتيح لي أنْ أقفز عن الغياب، وأنْ أرسم مدينة لعبت دورها في تكويني.
وللحق، فإنّني سليلة ثلاث مدن: الأولى القدس، حيث ولدت وعشت، والثانية هي أريحا مدينة الألوان والبساتين التي ضربها الجفاف حاليًا، والثالثة هي الخليل، مدينة والدي وعائلته، حيث الحكايات والأساطير. لذلك يمكن أنْ نعتبر \”نجوم أريحا\” استعادة للتاريخ الشخصي للقدس والخليل أيضًا. وهي رواية لا تنتهي، لأنّها لا تنتهي إلاّ لتبدأ من جديد.

*ضفة ثالثة