المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

من عناكب التراث! (قراءة في بنية العقليَّة الاتِّباعيَّة)

 أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

-1-

أشرنا في المقال السابق إلى أنَّ في تراثنا القديم الكثير من الهَرْف بغير عِلم، ومن الاستخفاف بالعقول، بل من فقدان العقل النقدي الفِطري، وعدم التساؤل عن مصادر المعلومات. فكثيرًا ما تَجِد الراوي يتعالم بما شاء، ثمَّ لا يضع بين يديك شيئًا تركن إليه، من عزوٍ، أو إسنادٍ، سِوَى سرد العنعنات الفارغة. واللافت أن يأتي هذا في تفسير «القرآن الكريم»، الذي هو في غنًى عن بعض التفاسير؛ ليصبح ما يُدلِـي به المفسِّر أحرى بالتفسير من النصِّ المفسَّر نفسه. ومن ثَمَّ يتحوَّل كتاب التفسير إلى معرض رواياتٍ متضاربة، و«سوالف» خياليَّة غريبة، وأقاصيص شعبيَّة متوارثة، ما أنزل الله بها من سلطان. وربما عُتِّقت أيضًا، وكثيرًا ما تعتَّق، بروايات إضافيَّة، وأقاصيص أخرى عن أهل الكِتاب، في إسرائيليَّات شتَّى، يُنظَر إليها على أنها نبع النور الَّدُنِّيِّ، وأنَّ فيها من الأسرار ما لا غِنى عنه للمفسِّر. ليتمخَّض هذا كلُّه عن ركامٍ عجيب، ينمُّ عن فطناتٍ مغيَّبة، وعن منهجيَّاتٍ صِفريَّة؛ فإذا هذه القافلة تمتدُّ فينا وتستشري عبر الأجيال، تلقِّيًا، وتسليمًا، وترديدًا، وأحاديث خرافة. 

ولقد حاول (ابن كثير)، مثلًا، نقد الروايات عن عُمْر (نُوح)، التي ناقشناها في المقال السابق، وهو ما يُحسَب له. لولا أنه بدوره قد وقع في ميلٍ عاطفي، لا أساس موضوعيًا له؛ إذ رجَّح ما رُوِي عن (ابن عبَّاس)؛ لا لشيء، سوى أنها رواية عن الموصوف بـ«حَبْر هذه الأُمَّة»! ولئن كان حَبْرًا، فهو ليس بنبيٍّ، يُوحَى إليه ما لم يَرِد في كتابٍ ولا جاء في أثر! فقال بعد أن استغرب الأقوال المشار إليها: «وقول ابن عباس أقرب»! لماذا هو أقرب، يا ابن كثير؟ أ لأنه الأقل مبالغة في الإشارة إلى عُمر نُوح؟ أم لأنه عن ابن عباس، لا أكثر؟ 

أمَّا القول المطابق لما ورد في «القرآن» وفي «التناخ»، أو ما يُسمَّى «العهد القديم»، فهو ما جاء عن (قتادة)، الذي قال: «يقال: إنَّ عُمْره كلَّه كان ألف سنةٍ إلَّا خمسين عامًا ، لَبِث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة، ودعاهم ثلاث مئة، ولَبِث بعد الطُّوْفان ثلاث مئة وخمسين سنة.» (1) فهو هنا لم يَعْدُ النصَّ، وإنْ أضاف التفصيل حول تقسيم عُمْره، إلى: ما قبل الدعوة، وبعد الدعوة، وبعد الطُّوْفان. صحيح أنه اجتهادٌ تفصيليٌّ لا أصل له، سِوَى التخمين، ولا قيمة معرفيَّة فيه، غير أنَّ هذا كان الأحرى بالترجيح. 

ولئن لم يكن للمؤمن من سبيلٍ غير التسليم بما نُصَّ عليه في الكتب المقدَّسة، فلقد نجد أن هذا الضرب من التخيُّل حول أعمار القدماء، وأنَّها كانت تمتدُّ إلى قرونٍ، قد ظلَّ ساريًا في الثقافة الإسلاميَّة! من شواهد ذلك ما زُعِم حول عُمْر (سلمان الفارسي)، على سبيل المثال. جاء لدَى (ابن حجر العسقلاني)(2): «يقال: إنَّه أدرك (عيسى بن مريم)! وقيل: بل أدرك وصيَّ عيسى!» فيُصدَم القارئ حين يقرأ هذا، ظانًّا، أوَّل وهلة، أنَّ في النصِّ لبسًا، قبل أن يتبيَّن أنَّ عقل ابن حجر لم يكن ببعيدٍ عن تصديق هذا: أنَّ سلمان الفارسي أدرك المسيح أو وصيَّه! ولذا لم يُعجِبه تعقُّلُ (الذهبي) في هذه المسألة، فتعقَّبه ليردَّه على عقبيه إلى الخرافة التي يؤمن بها هو، فقال: 

«قال الذهبي: وجدتُ الأقوال في سِنِّه كلَّها دالةً على أنه جاوز المئتين وخمسين، والاختلاف إنما هو في الزائد، قال: ثمَّ رجعتُ عن ذلك، وظهرَ لي أنه ما زاد على الثمانين. قلتُ: لم يَذكُر مستنده في ذلك، وأظنُّه أخذه من شهود سلمان الفتوح بعد النبيِّ، صلى الله عليه وسلَّم، وتزوُّجِه امرأة من كندة، وغير ذلك ممَّا يدلُّ على بقاء بعض النشاط، لكن إنْ ثبت ما ذكروه، يكون ذلك من خوارق العادات في حقِّه. وما المانع من ذلك؟ فقد روى أبو الشيخ في «طبقات الأصبهانيين»، من طريق العباس بن يزيد، قال: أهل العِلم يقولون: عاش سلمان ثلاث مئة وخمسين سنة، فأمَّا مِئتان وخمسون، فلا يشكُّون»! 

قلتُ: بل إنَّ (ابن حجر) نفسه لم يَذكُر مستنده في أنَّ سلمان عاش ثلاث مئة وخمسين سنة، أو مئتين وخمسين، غير ثقته العمياء بما رواه «أبو الشيخ في «طبقات الأصبهانيين»، من طريق العباس بن يزيد، قال: أهل العِلم يقولون:….»! إنْ هو، إذن، إلَّا اتِّباع الظَّن، في الوقت الذي عاب على (الذهبي) أنَّه لم يَذكُر مستنده. وإنَّما مستند الذهبي، في رجوعه عن تلك المبالغات، العقلُ، ثمَّ أخبار (سلمان) الواقعيَّة، التي لا ترقى قبل الإسلام إلَّا إلى بضعة عقود من السنين، لا إلى قرون! وما خوارق العادات تلك في حقِّ سلمان التي اختصَّه الله بها؟! ليعيش مدرِكًا (المسيح) و(محمَّدًا)، هكذا دون العالمين! إنَّ المانع من تصديق ذلك لا يحتاج إلى جدال مع (ابن حجر). وما جاء تصديق هذه الخوارق، أوَّلًا، إلَّا من قبيل تبجيل سلمان الفارسي، ما جعله يتقبَّل خارقة عُمْرٍ استثنائيٍّ طويل، لم يَقُل بمثله قائل، لا في جاهليةٍ ولا في إسلام. والسبب الآخر، في ما يبدو، ما ورد في أخبار سلمان قبل الإسلام من أنَّه- في رحلته الطويلة للبحث عن الدِّين الحق- قد التقى بعددٍ من أحبار النصارى، وصَحِبَهم، معتنقًا ديانتهم. فقفز الخيال بالقافزين لتَصوُّر أنَّ الرَّجل قد أدرك المسيح نفسه، أو أدرك وصيَّه! 

وهكذا يتضح لنا كم في كتب التراث من عناكب الأباطيل، الحريَّة بالمكافحة، عبر التحقيق والنقد، حفاظًا على سويَّة العقل والعِلم! بيد أنَّ محقِّقي التراث المحدثين ودارسيه قلَّما يولون هذا الجانب اهتمامهم، هذا إنْ لم يكونوا عنه أصلًا غافلين، أو كانوا به مسلِّمين تابعين، كأسلافهم.

-2-

أمَّا ما سُمِّي «الكتاب المقدَّس»، بعهدَيه القديم والجديد- الذي كثيرًا ما نجد تسرُّب ما ورد فيه إلى كتب التاريخ الإسلاميَّة والتفسير- فلم يجتمع بين دفَّتَي كتاب قبل منتصف القرن الرابع الميلادي، أي بعد أكثر من 300 سنة من قِصَّة صلب (المسيح)! وهي نسخة «كودكس فاتيكانوس»، الموجودة في (الفاتيكان). وما تزال تُكتَشف الأناجيل- عدا الأربعة: (متَّى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا)- حتى اليوم، في رسائل، ورؤى، وروايات شتَّى، يَقبلون منها ويرفضون، يُثبِتون وينفون. لعلَّ من آخِرها (إنجيل توما)، المكتشَف في (مِصْر)، لدَى منتصف القرن العشرين. وهي، في ما يظهر، مرويَّات قصصيَّة متعدِّدة، تدور حول السِّيرة الذاتية للمسيح، من خلال نُسَخٍ متناثرةٍ متضاربة، لأتباع مجهولين أو معروفين، ممثِّلةً ما ثقفوه، أو سمعوه، أو وعوه، أو حتى تخيَّلوه فاختلقوه، على أزمان وأماكن متباعدة، من المستحيل تحقيق مرجعيَّة ما يصحُّ منها إلى عصر المسيح، على نحوٍ عِلميٍّ يُعتدُّ به؛ ليس لانقطاع الأسانيد فحسب، كما يقال في عِلم الحديث، ولكن للجهل بها أصلًا، أو عدم وجودها أساسًا. على أنَّ نسبة ذلك إلى المسيح نفسه منتفٍ موضوعيًّا، فالأناجيل إنما تحكي في معظمها عن المسيح، وتروي عن سيرته وأخباره، من قِبَل آخَرين- بطبيعة الحال- لا من قِبَله هو، ثمَّ تُورِد خلال السَّرد شواهد واقتباسات من مواعظه وكلامه. ويظلُّ الإشكال في توثيق المخطوط أكبر من الإشكال في توثيق المرويِّ شفويًّا، لا كما يُتصوَّر عادة؛ لأن المرويَّ الشفويَّ يكون مشهورًا غالبًا، ويتوارد من أكثر من طريق، ممَّا يرجِّع صِحَّة نسبته إلى قائله، بخلاف مخطوطٍ مجهولٍ يُعثَر عليه في بلدٍ ما بعد مئات السنين، لا سبيل إلى التوثُّق من صحَّته، ما لم يكن متداوَلًا مشهورًا متفَّقًا على صحَّته، أو وقفتَ في نصِّه على ما يمكن، بنقدٍ نصيٍّ داخليٍّ وقرائن تاريخيَّة، الاطمئنان إلى عَزْوِه. وهي مجاهل لا أوَّل لها ولا آخِر، كما ترى. وكذا لم ينشأ الخلاف بين أتباع المسيح حول ماهيَّة المسيح، أهو بشرٌ أم إله، إلَّا في وقتٍ متأخِّر، وذلك في القرن الثالث الميلادي، فانقسموا على أنفسهم: منهم من عدَّه: (الله)، لا غير! ومنهم من تنازل، فعَدَّه: (ابن الله)! ومنهم من رفض هذا وذاك، واعتقد أنه بَشَرٌ رسولٌ جاء بالبشارة. وقد صنَّفت الكنيسةُ الأرثوذوكسيَّة، بعد حين، هؤلاء الأخيرين، الذين لا يؤلِّهون المسيح، على أنهم «كَفَرَة فَجَرَة»، أو محض هراطقة، وليسوا على شيء!

(3) وما في هذا من طعنٍ أو تخرُّص، بل هو ما يقرِّره علماء الكتاب أنفسهم، ومؤرِّخوه، وهم من أتباعه، وما من إنسانٍ يملك إثبات خلافه.(4) غير أنَّ ما يعترفون به في خاصَّتهم درجوا عادةً على أن لا يصرِّحوا به لعامَّتهم، وإنْ كان الخَرْق المعرفيُّ اليوم قد اتسع على الراقع اللاهوتي، وما كان قديمًا يتسنَّى جعله في قَراطيسَ، يبديها أصحابها ويُخفون كثيرًا، ما عادت القراطيس اليوم تُخفي منه شيئًا، هذا إنْ بقيت القراطيس وعاء معلوماتٍ أصلًا في عصرنا هذا! ولكن لكي يتمَّ الذَّبُّ عن ذلك الواقع، الذي لم يَعُد في الوُسع ردُّه أو ترقيعه، لا بدَّ من الاحتيال، وبأيِّ ثمن، والهجوم، كما يقال، خير وسيلةٍ للدِّفاع، فلتُنسَب، إذن، إلى نصِّ «القرآن» شُبهات من الخَلل، بالغلط، أو التحريف- ذلك الكتاب الذي سبق الباحثين المحدثين إلى تشخيص الحالة التي يعاني منها نَصَّا التَّوراة والإنجيل بسبب تحريف الكَلِم عن مواضعه- وواحدة بواحدة.. وكما تَدين تُدان!

– تَدين أم تُدين؟ [سألتُ مولانا ذا القُروح].

– سؤال غير مهمٍّ هاهنا! ولكن سوف نناقشه لك في المقال المقبل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن كثير، (1999)، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي بن محمَّد السلامة، (الرياض: دار طيبة)، 6: 268. 

(2) (1995)، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: عادل أحمد عبدالموجود وعلي محمَّد معوَّض، (بيروت: دار الكُتب العلميَّة)، 3: 119. 

(3) حول هذه النقطة، يمكن العودة مثلًا إلى: (زيدان، يوسف، (2010)، اللَّاهوت العَرَبي وأصول العُنف الدِّيني، (القاهرة: دار الشروق)، 73- 76، وغيرها).

(4) يُنظَر مثلًا: عزيز، (القس) فهيم، (1980)، المدخل إلى العهد الجديد، (القاهرة: دار الثقافة المسيحيَّة)، 111- 112.