ثقافة المقال

مالك بن اسماعيل.. أسرار تصوير فيلم “معركة الجزائر”

حميد عبد القادر

ظلت ظروف إنجاز فيلم “معركة الجزائر”، محفوفة بالسرية التامة، بالأخص بشأن الظروف السياسية التي رافقت العملية، من منطلق أن الإنتاج السينمائي في الجزائر بعد استعادة السيادة الوطنية سنة 1962، كانت له صلة وثيقة بالقرار السياسي على أعلى هرم السلطة. فكثير من الأفلام التي صنعت مجد السينما الجزائرية، ارتبطت بقرارات من الرئيسين أحمد بن بلة (1962 – 1965 )، وهواري بومدين (1965 – 1978)، على غرار فيلم “حسان طيرو”، الذي أخرجه محمد لخضر حامينا، سنة 1968، بطلب من الرئيس بومدين شخصيا. فالسينما في الجزائر ظلت مسألة سياسية، وضمن هذا السياق، يكشف الفيلم الوثائقي الذي أخرجه مالك بن اسماعيل، استنادا إلى شهادة المناضل والمؤرخ الجزائري محمد حربي، أن الرئيس أحمد بن بلة، هو من اتخذ قرار تمويل تصوير فيلم “معركة الجزائر”، ومنح مبلغ أربعمائة مليون سنتيم لشركة “القصبة فيلم” التي أنتجت العمل، والتي أسسها المجاهد ياسف سعدي لهذا الغرض. وأضاف حربي، المقرّب حينها من الرئيس بن بلة، أن هذا الأخير، كان يسعى لتقريب ياسف سعدي من محيطه السياسي، بعد أن وقف إلى جانبه في “الصراع العسكري على السلطة” في صيف 1962، وكان يفكر في إسناد منصب سامٍ إليه، بيد أن وزير الدفاع العقيد هواري بومدين أبدى رفضا قاطعا، الأمر الذي دفع بن بلة لإيجاد صيغة أخرى للتعامل إيجابا مع ياسف سعدي، بمنحه المال اللازم للشروع في تصوير فيلم “معركة الجزائر”.

“أسد ذهبي” للجزائر في “موسترا” البندقية

وعاد مالك بن اسماعيل، لظروف تصوير الفيلم الذي منح الجزائر جائزة “الأسد الذهبي”، في مهرجان “البندقية” السينمائي سنة 1966، من خلال فيلمه الوثائقي “معركة الجزائر.. فيلم في التاريخ”، بالحديث عن مجريات اللقاء الذي جرى في روما، بين المجاهد ياسف سعدي الذي قاد معركة الجزائر بين 1956 و1957 ضد الجنرال “ماسو”، من جهة، والمخرج الإيطالي الشهير “جيلو بونتيكورفو”، وكاتب السيناريو “فرونكو سوليناس”، من جهة أخرى. واستعاد عمله مختلف الأسرار والأحداث التي رافقت التصوير، بعد أكثر من خمسين سنة من إنجاز الفيلم، حيث التقى بعدد من العاملين في التصوير، على غرار المخرج الراحل يوسف بوشوشي، والمصور علي ماروك، ونور الدين براهيمي، والفنان أحمد بن يحيى، إضافة لتسجيلات للمخرج “بونتيكورفو” الذي صنع مجده السينمائي بفضل هذا الفيلم عقب حصوله على جائزة “الأسد الذهبي” في مهرجان “فينيسيا” الدولي للسينما في ديسمبر 1966، بعد أن تنافس مع مخرجين كبار أمثال “جان لوك غودار”، و”فرانسوا تروفو”. وساهمت واقعية الفيلم، وطرحه الموضوعي، في التصاق السينما بقضايا نقد الكولونيالية، التي أسست لاحقا لدراسات “ما بعد الكولونيالية”. علما أن “نوتيكورفو”، عاد لمسألة نقد الكولونيالية، في فيلم آخر بعنوان “كايمادا” (1969). ويصور الفيلم الذي أدى فيه الممثل الأميركي الشهير “مارلون براندو”، دور البطولة، ثورة “الكاريبي” في القرن التاسع عشر، ضد الوجود البرتغالي.

وورد في الفيلم، وهو إنتاج مشترك بين فرنسا والجزائر، أن وسائل الإعلام الفرنسية اعتبرت الفيلم مناهضا لفرنسا، فانسحبوا من المهرجان، وشنوا حملة شعواء، ضد الفيلم، وضد ياسف سعدي بالخصوص بصفته محارباً سابقا، وانتهت تلك الحملة بصدور قرار رسمي بمنع عرض الفيلم في قاعات السينما، بعد ضغوط كبيرة مارسها قدماء “الجزائر الفرنسية”، وتهديدات بتفجيرات بالقاعات التي تعرض الفيلم. وظل الأمر ساريا إلى غاية سنة 2004. علما أن الفيلم، الذي رشح مرتين لجائزة أوسكار أحسن فيلم أجنبي في 1967 و1969، حاز اهتماماً أميركياً عقب تفجيرات سبتمبر 2001، حيث تحول إلى فيلم مرجعي لمواجهة “الحرب الحضرية”.

“بونتيكورفو” … على خطى الواقعية الإيطالية

انطلق المخرج مالك بن اسماعيل، في تصوير أحداث فيلمه الوثائقي من لحظة لقاء ياسف سعدي بالمخرج “جيلو بونتيكورفو” في روما سنة 1965، بعد أن طاف عبر عدد من العواصم الأوروبية بحثا عن مخرج لفيلم كان يجول في خاطره منذ أن ألقي عليه القبض في سبتمبر/أيلول سنة 1957، فسُجن، وصدر في حقه حكم بالإعدام، كاد ينفذ لولا مساعي الباحثة الأنتروبولوجية الشهيرة “جيرمين تيلليون”. وعبر شهادته في الفيلم، يكشف ياسف سعدي أنه التقى بعدد من السينمائيين الإيطاليين المشهورين حينها على غرار “روبرتو روسيليني”(مخرج الفيلم الشهير “روما مدينة مفتوحة” سنة 1945)، لكنه أبدى رفضا قاطعا للعمل معه.

وتوقف بن اسماعيل، عند الظروف التي أحاطت “بونتيكورفو”، حينما التقى به ياسف سعدي. وكشف أن المخرج الإيطالي كان يستعد للشروع في تصوير فيلم حول مظليي الجنرال “ماسو”، وهم الجنود الفرنسيون المدججون بالسلاح الذين أرسلوا إلى الجزائر لقمع انتفاضة المدينة التي انطلقت في أواخر يناير/كانون الثاني 1957، بعد أن كانت حرب التحرير منتشرة في الأرياف والجبال منذ نوفمبر/تشرين الثاني 1954. وكان “بونتيكورفو”، قد وضع عنوانا لفيلمه، وهو “بارا” (مظلي) بعد الرواج الكبير التي حققته صورة المظلي الفرنسي في أوساط الشباب الإيطالي. ووصل به الأمر إلى التفكير في إسناد دور البطولة للممثل الأميركي الشهير “بول نيومان”، بيد أن لقاءه مع ياسف سعدي، جعله يتخلى عن “بارا”.

واستطاع سعدي، أن يقنع “بونتيكورفو” بإخراج الفيلم، وتحويل كتابه الصادر عن منشورات “جوليار” سنة 1962 بعنوان “ذكريات من معركة الجزائر”، لعمل سينمائي. وضمن هذا المنحى كشفت “ريتشي بونتسكورفو” زوجة المخرج الايطالي، أن زوجها الذي ساهم في مقاومة الفاشية خلال الحرب العالمية الثانية، كان يبدي ميولا للثورة الجزائرية بحكم انتمائه لليسار الإيطالي، وهو ما جعله يبدي رغبة في إخراج الفيلم، بالخصوص بعد أن تلقى ضمانات من قبل ياسف سعدي، الذي وقع له على شيك يتضمن ثمانين في المائة من المبلغ المطلوب لإخراج الفيلم.

وبخصوص تمويل الفيلم الذي بلغ أربعمائة مليون سنتيم، ذكر المناضل حسين زهوان، والمؤرخ محمد حربي، أن الرئيس بن بلة، هو من اتخذ قرار تمويل العمل، فأعطى ياسف سعدي، عبر الخزينة العمومية المبلغ اللازم. وفي هذا السياق، أوضح حربي، أن الظروف السياسية المحيطة بنظام الحكم آنذاك هي التي دفعت بن بلة إلى اتخاذ القرار. فبعد أن عجز عن تعيين ياسف سعدي في منصب سامٍ، بسبب معارضة العقيد بومدين، وجد صيغة أخرى لتقريبه منه، فكان تمويل فيلم “معركة الجزائر”.

وبعد حدوث الاتفاق بين ياسف سعدي، باسم شركة “قصبة فيلم”، والمخرج “جيلو بونتيكورفو”، انتقل هذا الأخير إلى الجزائر العاصمة رفقة كاتب السيناريو “فرونكو سوليناس”، وقضيا ثمانية أشهر بين سكان القصبة يحاوران أهلها عن ظروف المعركة التي عرفت مواجهة بين مظليي الجنرال ماسو، وفدائيي المجاهد ياسف سعدي، ضمن ما أصبح يسمى بـ”معركة الجزائر”، سعيا منهما لنقل الوقائع بكثير من الواقعية، من منطلق انتمائهما وتأثرهما بتيار الواقعية، والواقعية الجديدة التي كانت رائجة في السينما الإيطالية منذ الأربعينيات.

دبابات العقيد هواري بومدين في شوارع العاصمة

ويكشف الفيلم، أنه بمجرد شروع “بونتيكورفو” في التصوير، جرى انقلاب 19 يونيو/حزيران 1965 على الرئيس بن بلة، بقيادة العقيد بومدين. وهنا يتوقف المخرج، عند الالتباس الذي وقع في أذهان أهل العاصمة، الذين اعتقدوا أن “دبابات العقيد بومدين، كانت جزءاً من تصوير فيلم معركة الجزائر”. ويكشف العمل لأول مرة، ظروف اللقاء الذي جرى بين العقيد بومدين، وياسف سعدي، مبرزا مسألة التوافق التي حدثت بين الرجلين، حيث قرر بومدين دعم تصوير الفيلم، في وقت استنكرت فيه النخبة (مثقفون، تنظيمات طلابية، ومناضلون وطنيون انسحبوا سابقا من الحياة السياسية) على مستوى العاصمة انقلابه، مقابل الحصول على عدم تورط ياسف سعدي في موقف ضد الانقلاب، وضمان هدوء على مستوى العاصمة.

كما يستعرض ظروف اختيار الممثلين، حيث ذكرت “ريتشي بونتيكوروفو”، أن تمثيل ياسف سعدي لدوره في الفيلم فرض نفسه على المخرج، بينما جاء اختيار الممثل إبراهيم حجاج، لأداء دور “علي لا بوانت”، عن طريق الصدفة، ولعبت نظرته القاسية دورا كبيرا في اختياره، علما أنه مثل بعدها في فيلم “الغريب” المقتبس عن رواية “ألبير كامو” للمخرج الإيطالي “لوشينو فيسكونتي” سنة 1967، وفي فيلم “الأفيون والعصا” لأحمد راشدي، وفيلم “دورية نحو الشرق” للمرحوم عمار العسكري، وتوفي سنة 1996.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق