ثقافة السرد

الصراصير

أسعد العزوني

صفة الإهمال وعدم الإكتراث بالنتائج أصبحت ملازمة لي في كل تصرفاتي ،ولا أدري هل جاءت هذه الصفة جراء إطلاقها من قبل الجميع عليّ منذ أن بلغت الرابعة من عمري، أو أنها من كثرة المشاكل التي مررت بها وتركت بصماتها على جوانب شخصيتي، لا أريد أن أسترسل في هذا الموضوع كثيراً لأن ذلك سوف يحتاج مني إلى كتابة مجلدات كثيرة، ولكن لابد من تبيان ذلك بسبب ما حدث لي مؤخراً.
سافرت زوجتي لقضاء إجازة الصيف ،وأوصتني من ضمن توصياتها أن أنتبه كثيراً من الصراصير ،وأحرص على خلو البيت منها وبينت لي كيفية إتقاء شر هذه المخلوقات العجيبة المؤذية، وكعادة الأزواج قلت لها حاضر توكلي على الله واتركي أمر الصراصير لي.
مضى اليوم الاول والثاني وحتى الثالث ولم أر صرصاراً واحداً فقلت لنفسي، يا لأمر زوجتي كم هو غريب، لقد أتعبت نفسها على لا شيء، أين هذا العدو الذي أوصتني بأخذ الحيطة والحذر منه ؟وبعد ذلك نسيت تماماً ما أوصتني زوجتي عليه، ونمت قرير العين.
وفي صباح اليوم التالي وبينما أنا أبحث عن بعض الأوراق عثرت على صرصار واحد، كان هذا الصرصار صغيراً، ولذلك أهملته ولم أطبق نظريات زوجتي الحربية في مجال محاربة الصراصير، فلا استعملت المبيد الخاص بقتل الحشرات، ولا حتى كلفت نفسي بقتله بأية وسلة بل تركته يسرح ويمرح في البيت وقلت لنفسي إنه صغير ولا يؤذي.
مضى يومان أو ثلاثة لا أذكر على وجه التحديد، حتى رأيت صرصاراً آخر ولكنه أكبر بقليل من الصرصار الذي رأيته أول مرة، وكعادتي لم أعره انتباهاً، وقلت لنفسي عندما تأتي زوجتي من السفر تتولى هي بنفسها إدارة المعركة مع هذين الصرصارين وسوف تنتصر عليهما بإذن الله.
تكررت مصادفتي للصراصير ولأني مهمل وإتكالي لم أحرك ساكناً، وهذه المرة طلعت بتبرير بيني وبين نفسي وهو أن الرجل مختص بالأشياء الكبيرة كالأفاعي مثلاً، أما الصراصير الصغيرة فهذه من اختصاص النساء.
كبرت الصراصير ولأنها أمنت شري أخذت تسرح وتمرح في البيت وكأنه لا يوجد فيه رجل بشنب يستطيع سحقها بقدمه إذا لم يرغب باستعمال المبيدات الحشرية.
كان تجمع هذه الصراصير في المطبخ حيث المواد الغذائية وفي الخزانة التي يوجد بها كتب وأوراق صغيرة ولهذا فقد شهدت هاتان الساحتان عمليات التخريب المدمرة.
كانت بصمات هذه الصراصير ظاهرة على كل أغراض البيت فأواني السكر والأرز وغيرها قد شهدت ذلك، إضافة إلى أطراف الأبواب السفلى حيث الثقوب بدأت تظره ولأول مرة.
لم أعر كل ذلك انتباهاً وأقنعت نفسي بأن مثل هذه الأمور إنما هي من اختصاص النساء، وتمنيت أن أرى أفعى بأجراس في البيت لأقوم بقتلها وحفظها حتى تأتي زوجتي لتعرف مدى قوتي واقتداري.
ذات يوم وعندما كنت جالساً أمام التلفاز استمع إلى نشرة الأخبار وإذا بصرصار ضخم يسير باتجاهي شاهراً قرني الاستشعار التي يملكهما، ولما اصبح على بعد خطوات قليلة مني توقف ونظر إلي نظرة غريبة، فقلت لنفسي: ليس من المعقول أن أعتدي على صرصار مثل هذا وأدرت عيني عنه لأتابع النظر إلى شاشة التلفاز، لكنه حرك قرني الاستشعار بحركة أثارتني كثيراً وكأنه فهم ما قلته لنفسي.
حاولت أن أخيفه كي يغادر الغرفة ويذهب من حيث أتى، ولكن هيهات لمن تربى في مكان وأمن شر أهله ان يشعر بالخوف، لم يتحرك وتابع تحريك قرني الاستشعار وكأنه يقول لي ما أغباك أيها الإنسان! لقد تركتني عندما كنت صغيراً والآن بعد أن اشتد عودي تحاول طردي! سوف لن يحصل ذلك فقد اصبحنا عائلة كبيرة نعيش في بيتك ونتغذى منه، إننا نحن الذين سنطردك من البيت! وغادر الغرفة ليس خوفاً مني بل إثارة لي كي ألحقه ويريني استعراض عضلات عائلته ولكني لم أفعل.
انتهت إجازة زوجتي المحددة، وما أن دخلت البيت حتى أحست بغريزة المرأة التي تعرف بيتها جيداً أن هناك ضيوفاً من نوع خاص يشاركونني البيت، وبدون جدال أو نقاش قلت لها أن الأمر لا يتعدى بضعة صراصير فقط.
لم تثر كعادتها كما توقعت كونها تحب النظافة أولاً ولأنها أوصتني أخذ الحيطة والحذر في هذا الموضوع بالذات ثانيا!
صمتت قليلاً ثم قالت:
– لقد اوصيتك أن تنتبه، ولكن لا فائدة إنك لن تتغير أبداً.
وعلى الفور دخلت المطبخ وأجرت عملية استكشاف سريعة وحددت أماكن تواجد الصراصير التي زين لها أن تقوم بمناورة استعراضية امام زوجتي ،وكأنها تريد ان تقول لها إن زوجك لم يفعل أي شيء للقضاء علينا، فماذا تريدين أن تفعلي انت أيتها المرأة التي تخاف من النملة؟
بعد عملية الاستكشاف التي قامت بها زوجتي في المطبخ قررت أن تعلن الحرب على الصراصير، وكان أول أسلحتها المبيدات الحشرية، الموجودة في البيت إذ أفرغت عبوة كاملة في أماكن تواجد الصراصير، وقالت في الصباح سوف نجدها وقد فارقت الحياة جميعها بفعل هذا المبيد.
في الصباح استيقظت زوجتي مبكراً وكلها أمل بجمع جثث الصراصير وإلقائها في أكياس القمامة.
دخلت المطبخ، بحثت بعينيها في اماكن تواجد الأعداء علها تجد ولو جثة واحدة، بحثت هنا وهناك، أفرغت بعض الخزائن، لا شيء، لا جثث للصراصير، ولا أثر للقضاء على آثار العدوان ثم أيقظتني من النوم وقالت بنبرة حادة تصرف يا أستاذ هذا ما سببه إهمالك للبيت.
نهضت من السرير على عجل وحسبت أن شيئاً ما قد جد في البيت، وأخبرتني أن السلاح الذي استعملتها في حربها مع الصراصير ليلة الأمس لم يأت بنتيجة، نظرت إليها، ضحكت، وقلت:
– تماماً كالسلاح الذي أرسله الملك فاروق عام 1948 لمحاربة اليهود.
كان التأثر بادياً على وجه زوجتي، إنه الفشل وهي من عادتها أن لا تفشل في شيء تقدم عليه ،ولكنها لم تفصح أمامي خشية التشفي، آثرت الصمت ولكن طرقات جارتنا قطعت عليها صمتها بل وأنقذتها من شماتتي.
ذهبت زوجتي لترى ماذا تريد الجارة هذا الصباح، وغابت عدة دقائق ورجعت وفي عينيها الكثير مما تود أن تقوله ولكن لا أدري ما الذي منعها من ذلك.
لم أحاول معرفة ماذا أرادت الجارة، بل آثرت الصمت كي أدعها هي بنفسها تكشف السر.
إنها الصراصير يا عزيزي، لقد وجدت لها مكاناً في بيت الجيران وعليك أن تجد طريقة للقضاء عليها لانك انت السبب.
كانت الصراصير قد وزعت تواجدها في بيت الجيران، وكأنها قد اتخذت مكاناً احتياطياً أو خط دفاع ثان حسب اللغة العسكرية.
تدارسنا الأمر خاصة بعد أن بطل مفعول المبيدات الحشرية في قتل الصراصير.. ما العمل؟
اقترحت اشعال نار في المطبخ لإحداث سحب من الدخان علّ هذه الطريقة تعمل على قتل الصراصير وتريحنا منها، وما هي إلا دقائق حتى أصبح المطبخ بركاناً يقذف الحمم الدخانية.
جلسنا بعيداً حتى ينتهي الدخان من أداء عمله وبدلاً من أن تسقط الصراصير جثثاً هامدة رأيتها تخرج من بين سحب الدخان كالجراد – يا إلهي إنها تطير، إن لها أجنحة، قالت زوجتي وهي ترمقني بنظرات ملؤها الغضب، لم أحاول إثارتها، بل اكتفيت بإلقاء التهم على صانعي المبيد الحشري وعلى الدخان الذي لم يستطع قتل ولو صرصار واحد.
وفي محاولة لإنقاذ الموقف اقترحت على جارنا الاتصال بإدارة مكافحة القوارض وأن نخبرهم بالأمر حتى يبعثوا لنا فريقاً من الخبراء في هذا المجال مع معداتهم.
أعطيتهم العنوان وانتظرت مجيئهم على أحر من الجمر، ولم تمض نصف ساعة حتى قرع الجرس وفتحت الباب ودخلت مجموعة من الرجال الذين خلت أنهم قد دعوا لحضور حفلة ساهرة، حيث الأناقة المميزة في ملابسهم، والهدوء البادي على وجوههم! لم أعلق على ذلك وبادرتهم بشرح مفصل لكيفية تواجد الصراصير والطرق التي اتبعناها لمكافحتها.
لم يعلق أحد من الخبراء على ما قلته، فقد اكتفى الرئيس بابتسامة صفراء، وأمر رجاله بإعداد الخليط الخاص بالصراصير.
قبل أن تبدأ عملية الرش أخبرنا رئيس المجموعة بأن نغادر البيت لمدة أربع وعشرين ساعة حتى يأخذ المبيد مجراه وبعد ذلك تتم عملية جمع الجثث وترجع الأمور كما كانت.
لم أمانع في ذلك ما دامت الصراصير سوف تقضي نحبها وتريحنا من شرها، وتتم إزالة آثار العدوان! بدأت عملية المكافحة وأصبح السائل الأبيض المنطلق من أجهزة الرش كالرذاذ يتساقط هنا وهناك، شعرت بالراحة وانتظرت حتى ينتهي فريق الخبراء من مهمته لإغلاق الباب ومغادرة البيت ليوم واحد.
وبعد ساعة كاملة انتهت العملية، وغادر فريق الخبراء بعد أن شكرته لجهده الجبار الذي قام به، وانصرفنا.
قضينا ذلك اليوم خارج البيت والصراصير لم تفارق مخيلتنا ولو لحظة واحدة، ولكن الأمل الكبير بفعل عملية المكافحة التي قام بها فريق الخبراء كان يحدونا ويخفف عنا.
وفي اليوم التالي رجعنا إلى البيت وكانت الصدمة، لم نعثر على جثة أي من الصراصير، وأصبت بالذهول، ما هي نوعية هذه الصراصير؟ أهي ضد المبيد العادي؟ ضد الدخان؟ ضد مبيد إدارة مكافحة القوارض؟
نظرت هنا وهناك علّي أجد جثة صرصار واحد لكني لم أفلح حاولت استكشاف السر خاصة بعد عملية فريق الخبراء، كانت الصدمة كبيرة حيث كان السائل ماء وحليباً وطحيناً!!
لقد كان فريق الخبراء أجنبياً ومن أنصار جمعية الرفق بالصراصير.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق