ثقافة المقال

العقل العربي ومآلاته -10-

الشيخ عبدالغني العمري الحسني*

العقل زمن العباسيين

ليس العصر العباسي إلا تتمة للعصر الأموي، لذلك سيعرف زمن العباسيين استكمالا لما سبق، من انحراف عقلي لدى الأمويين، وإن كان يبدو في عين العقل القاصر نهضة علمية، لا زال البعض يتغنون بها إلى اليوم. وإن أهم ما تمكن ملاحظته بهذا الخصوص، ما يلي:

1. توسع البلاد الإسلامية، ودخول الشوائب العقلية التي كانت سابقة من حيث الوجود على الأرض، على العقل العربي الذي قد بدأ هو نفسه ينقطع -ولو جزئيا- عما دل عليه الوحي.

2. طغيان العقل الفقهي على العقل بالمعنى الكامل، وهو ما سيجعل الجانب “القانوني” يغلب الجانب المعرفي لدى الأمة. وهذا اختزال مخل للدين لديها؛ وإن بقي الأمر على حاله لدى أفراد معدودين.

3. تولُّد العقل المتفلسف الديني (الكلامي) عن العقل الفقهي من جهة، والعقل المجرد الفلسفي من جهة أخرى. وهذا العقل، وإن كان ضعاف العقول يعتبرونه رائدا، إلا أنه قد أصاب التدين في مقتل. وذلك لأن الدين في أصله طريق موصل إلى معرفة الله (الحقيقة)؛ ولما صار العقل مرجعا لنفسه في طريقة التوصل إلى المعارف عند النظر في النص، فإنه قد قطع الدين عن أصله وغايته، وإن بقيت الصورة الخارجية موهمة ببقاء الأمر على أصله. وهكذا فلن يعقل العقل إلا نفسه وحدها؛ نعني صورته العلمية. وهذا بالتأكيد هو العقم العقلي، وإن توهم أصحابه -لطول الطريق- غير ذلك!…

ولما كان الاعتزال هو التفلسف من داخل الدين، فإنه قد استهوى جل العقول المؤهلة، للنظر في التوحيد وفي الصفات الإلهية، بحسب ما يمكن أن يكون برهنة على كل ذلك، برهنة كلامية قد لا تكون منطقية دائما. ولقد وقعت المعتزلة في غلط منهجي، لم يزل عاملا لدى مَن بعدها من العقلانيين إلى اليوم؛ وهو روْم تحكيم العقل (المخلوق) على الله (الخالق)، في انعكاس لما هو الأمر عليه، غير خاف. ولقد بلغ الاستبداد العقلي مداه، عندما تحول استبدادا سياسيا في عهد المأمون العباسي. ولم يشعر الناس، أنهم بالمبالغة في تحكيم العقل (عقل مخصوص)، قد خرجوا عن أصول الدين…

ولقد أثر الاعتزال في العقائد العقلية لدى المسلمين جميعا، إما بكيفية طردية، وإما عكسية؛ فكان ذلك من أسباب ظهور العقائد الشيعية والسنية على السواء، كما هي في تفاصيلها. ورغم أن العقيدة الأشعرية والماتريدية، جاءت لترد على انحرافات المعتزلة بحسب القصد الأول، إلا أنها لم تخرج عن منهاجها العقلي في تأسيس العقائد؛ وهو ما سيجعلها متولدة عن الاعتزال ومتممة لمساره في النهاية. ويكفي دليلا على ما نقول، أن العقيدة صارت عند المسلمين منذ ذلك الوقت إلى الآن عقلية، من دون أن يسأل سائل نفسه: هل كان الصحابة رضي الله عنهم، على مثل ذلك؟!…

إن العودة إلى تحكيم العقل، قد نزلت بالأمة في عمومها من مرتبة العقل الرباني، إلى عقل بين منزلتي المتدين والمجرد. ومما زاد في انبهام الأمر على من لا علم له، استصحاب هذا النكوص العقلي لازدهار غير جلي، في مجالات العلوم الكونية، الذي يُعطي انطباعا بالتقدم والرقي، بحسب ما يحكم العقل المعاشي والعقل المجرد. ولم يتفطن عموم المسلمين، وهم من ضعاف العقول، إلى أن الأمر ليس منوطا بالدنيا وحدها؛ وإنما هو أبدي وشامل. وهذا الانحراف سيبقى مستمرا في الأمة، إلى أن تنضاف إليه في أزمنة متأخرة حركات عقلية مادية، تروم القضاء على الدين قضاء مبرما؛ وإن كان هذا لن يتم أبدا، بسبب السند الوجودي الذي للدين، والذي لا دخل لسلطة العقل فيه.

وفي الوقت الذي كان العقل العام، يمضي بعيدا عن أصول الدين، بقي العقل الصوفي الذي يعتمد التلقي عن الله في ترقيه، على الأصل الذي كان عليه خواص الصحابة. وهكذا سيستمر الاستمداد الخاص من العقل الأكمل صلى الله عليه وآله وسلم، وسيظهر عقل الجنيد دالا على هذا الطريق، ومؤسسا رسميا للتصوف، بما هو ربانية مستمرة، وإن جحدها شطر كبير من علماء الدين (الفقهاء والمتكلمون). وفي الحقيقة، قد وقع لهذه الأمة ما وقع للأمم السابقة من انحراف، وإن كان في حق هذه الأمة أخف وألطف، لشرفها وعناية الله بها.

نحن لا نريد أن نفتح الباب لكل تصوف سيظهر في الأمة بكلامنا؛ لأن منه من هو أشد انحرافا من انحراف الفقهاء؛ ولكننا نريد إعادة الاعتبار لطريق أصيل في التدين، بدأ مع الصحابة، وسيستمر إلى قيام الساعة. نعم، إن تمييز التصوف المعرفي السليم، قد يتطلب مجهودا، بسبب كثرة الصور الشائهة عنه؛ ولكن الأمر يستحق أن يُبذل في سبيل تحقيقه كل الجهد.

إن المرحلة التي ستأتي بعد العصر العباسي، ستعرف انتصارا للعقل المتلقي على العقل المفكر ولو نظريا؛ وسيكون أبو حامد الغزالي رضي الله عنه أبرز محددي معالمها بتصانيفه. إن الغزالي الذي تصوف بعد أن اشتغل بالفلسفة والكلام، قد دل على الأصل بالحجة والبرهان؛ حتى أفحم الخصوم وقطعهم. وإن كان بعض المتأخرين، يعدون الغزالي مغتالا للعقل العربي، ومؤذنا بدخول الأمة في عصر “الانحطاط”، فإننا نرى أنه -رضي الله عنه وجزاه خيرا- قد أنقذ العقل العربي المسلم، من موت مؤكد، يعود به إلى التجرد التام عن الدين.

لكن لا بد من ذكر أن الدلالة الغزالية، لم تفلح في العودة بالفقهاء الذين ألفوا استغلال سلطة لا تقل عن سلطة الحكام، إلى الجادة. وهكذا سيكون الانحطاط العام الذي طبع ما بعد العصر العباسي في الحقيقة راجعا إلى التخلف الفقهي السياسي، الذي مهد لمرحلة الاستعمار المباشر فيما بعد؛ وكأن الأمة على دين باطل، أو على غير دين (سبب إلهي)!…

إن فضح الغزالي لتهافت الفلاسفة، الذي هو سمة لهم عبر العصور، لم يستفد منه عبدة العقل إلى يومنا هذا، لشدة ظلمتهم، ولعدم إدراكهم ردود الغزالي التي لم تكن تخلو من نور. وهذا يدخل ضمن معرفة طريق الفكر بالكشف، التي لم نر من يعتني بها من الدارسين، رغم وجود نماذج لها في كل زمان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*رئيس الطريقة العمرية في المغرب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق