ثقافة المقال

قلبي قمر أحمر

عبد الرزاق بوكبة*

كتبتُ قبل ثلاث سنوات في أسبوعية “المحقق” رحمها الله، ثم نشرت ذلك في كتابي الأخير “عطش الساقية” المنشور في نهاية السنة الماضية: “الحركات الثورية التي لا تنتج فنا يرافق حركتها العسكرية حركات مغشوشة في المنشأ، منتهية في المستقبل، خذ “القاعدة” مثلا، لم يرافق وجودَها شاعرٌ أو كاتب أو مسرحي أو تشكيلي، حتى الأناشيد الدينية لم ترافقها، وهي بهذا حركة مفتعلة من أجل إحداث خلخلة ما، في منظومة ما، وستزول بزوال دواعيها السّياسية البراغماتية”.

وقلت على صفحتي في الفايسبوك يوم 7 فيفري 2011 إن الثورات العربية بما ستفرزه ستجعل أمريكا تعلن قريبا نهاية بن لادن لانتفاء حاجتها إليه من جهة، وها قد فعلتْ، ولاستغلال موته لصالحها من جهة ثانية، وستفعل، ومن الحمق القول إن موت بن لادن سيعود بالنفع على السيد أوباما فقط باعتباره يطمح إلى عهدة ثانية، ولكنه نفع سيصيب المصلحة الجماعية الأمريكية، لذلك لم يتوان الجمهوريون أيضا في التصفيق للحدث، وهذا هو الوعي الوطني الذي تفتقده المشاهد السياسية العربية.

من هذا المنظور أرى أنه من تضييع الوقت أن نسأل: هل ستنتهي القاعدة “برحيل” زعيمها؟، ذلك أن السؤال الذي يجب أن يُطرح: من الشخصية التي يجب أن ترحل أيضا، إذ لا بد أن ترحل وجوه معينة بعد موت “شيخ القاعدة” مثلما رحلت وجوه قبله، وهي كلها وجوه تشترك في كونها صنيعة أمريكية بامتياز، من أجل أهداف أمريكية بامتياز حتى يكتمل السيناريو؟، وهنا لا بد أن أقر بأنه سيناريو عبقري فعلا بغض النظر عن أبعاده الأخلاقية، علينا أن نقرأ أمريكا في إطار السياقات التي شكلتها ككيان براغماتي، ومن الحمق أن نطالبها بمراعاة الأخلاق بمفهومها الإنساني، وهي تخيط سينارهوهات وجودها، بمعنى: عوض أن نجرد المخبر الأمريكي من حقه في إعجابنا بعبقريته وفق مفهومه الخاص، علينا أن نتهكم على المخابر العربية والإسلامية التي صدقت اللعبة، وانخرطت في تنفيذها.

كنا صغارا في القرية، وكان يقال لنا: إذا رأيتم القمر قد احمرّ فاعلموا أنه سيموت شخص مهم جدا، يومها كان الشخص المهم في مخيالنا هو إمام الجامع، ومعلم القرآن العظيم، وكبير القرية، ويوم ضربني معلم القرآن لأنني لم أحفظ “سورة البلد” جيدا تمنيت أن يكون هو الميت، وقد رأيت القمر محمرّا، وها أنا أتساءل اليوم بعد تجاوز ذلك السياق: ما الذي جعل القمر الأمريكي الصناعي لا يحمر كل هذه السنوات حتى يموت شخص مهم مثل بن لادن؟، مهم بمعنى خطير وفق الخطاب الأمريكي المسوّق، طبعا أنا أدرك أن هناك فرقا بين قمر الله الذي كنت أراه يحمرّ في سماء “أولاد جحيش”، وقمر أمريكا الاصطناعي، لكني لا أدرك أو لا أريد أن أصارحكم بأني أدرك لماذا لا تحمر الأقمار العربية والإسلامية بالشكل الذي يجعل أمريكا تحسب لها حسابا، حتى أن باكستان قالت إنها لم تكن على علم بعملية الهجوم على المبنى الذي اتخذه شيخ القاعدة مأوى له على مدار خمس سنوات كاملة.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل ثارت الشعوب العربية مطلع هذه العشرية لأن أمريكا أرادت لها أن تثور؟، أم أن هذه الشعوب ثارت لأنها أدركت أن حكامها لا يحتكمون إلى “أقمار” بلدانهم التي إما أنها لا تملكها أصلا، وإما أنها مسخّرة لخدمة الخارج ببيع ملفات الداخل؟، شخصيا أرجّح هذه القراءة، لذلك علينا أن ننظر إلى هذه الثورات على أنها أفعال أصيلة، لكنها قابلة للتمييع والاستغلال مثلما يحدث في المشهد الليبي، وأكبر حسنة لهذه الثورات هي الصفعة التي وجّهتها للنخب التقليدية سياسيا وثقافيا وإعلاميا، وإحالتها على الهامش، لتتولى نخب جديدة  ـ لا يرتبط تفتحُها بالتواطؤ ـ رسمَ مستقبل العرب، وإن أقصى ما يمكن أن تفعله أمريكا حيال هذه النخب العربية هو استغلال استعدادها للسلام، لذلك سحبت خطاب المغالبة من خلال إنهاء مهمة بن لادن، وأعطت الضوء الأخضر لجماعة رام الله كي تحاور جماعة غزة، وما رفض جماعة تل أبيب لتصالح الطرفين إلا استراتيجية ذكية تجعلها تقايض فيما بعد قبولها بتنازل الطرف الفلسطيني عن بعض الحقوق.

خرجت أمي إلى شرفة البيت ثم عادت خائفة كأنها رأت غولا يحوم في الفضاء، سألتها عن سبب خوفها فقالت: إن القمر أحمر، ولست أدري أيَّ شخص مهمّ سيموت؟، ثم أردفت: أرجو أن يكون الميت هو معمّر القذافي، فقد أتعب شعبه،  لم أشأ أن أناقشها في عقيدتها التي ورثتها عن تربيتها القروية، ورحت أقلب في القمر الاصطناعي علني أجد قناة تلفزية لا تقتات على أخبار الموت، فلم أجد إلا الجزيرة الوثائقية، كانت تعرض منظرا لطبيعة رائعة.. نسيت بن لادن وأوباما وهنية وعباس وزرداري وعبد الله صالح وبشار الأسد والقذافي وسيفيه الميت منهما والحي وبن علي وغباغبو ووتارا وزلزال اليابان، وإذا بالشريط الوثائقي يظهر نمرا شرسا ينقضّ على حيوان آخر، الموت.. الموت.. الموت عند الإنسان والحيوان، من أشرس ممن؟.

أغلقت التلفزة، ورحت أقلب في الفايسبوك باحثا عن اليوم الذي قلت فيه قبل أسابيع: إن أمريكا ستعلن قريبا قتلها لبن لادن.

*روائي جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق