قراءات ودراسات

كثير من الضوء كي أقرأ الجعفري

محسن البلاسي

( ماذا ستفعل المومس الذابلة وقد أكسدوها
وأفسدوا أذواق زبائنها
ستتلو صلاتها المفضوحة بالفرنسية طبعا :
يا أيها الإنسان العابر شارع سانت دينيز
تأتي من شرق المتوسط لا تحفل بي
أنا _ دعك من الماضي فقد كنت وكنت _
وأنا فصل من فقه جروحك
وأنا كفهارس فرحك
_ هل كان لفرحك يا إنسان الشرق كتاب ؟؟؟
ثم أطبقت جفنيها وتنهدت …
فانطلقت منها أفراخ من طير غريب على سمواتنا الخفيضة
لها أجنحة مهيضة مثل ابتساماتي وانتصاراتي المتراكمة
بعدها
جذبتني من ياقة الفضول الصعيدي عندي وقالت :
قضت زميلتي هنا وهي تتلو صلاة …. )

وكأنها قصاصات نثر محملة ببراكين شعرية تخبط عقولنا ومشاعرنا جائتنا هاربة من عمل روائي طويل ، هي قصائد الشاعر القدير أحمد الجعفري في ديوانه قليل من النور كي أحب البنات ، قصائد هربت من عمل روائي طويل تشوش عن عمد التطور المنطقي للسرد بتخطيط وصفي بارع وماكر يرسخ لاستقلالية كل قصيدة على حدى كقالب أدبي قائم بذاته ، فالجعفري ينتزع شاعريته الخاصة من كثافة تراكيبه الموضوعية ، فتجد أن كل جملة منحصرة في ذاتها كشكلا وكموضوعا بتماهي إيقاعي منفتح الأبواب ، فيهبط الإيقاع ويستقيم ويتكسر ثم يعود سردا إلى أن ينقلب شعرا خالصا وهكذا ، فينحت الجعفري قارئه ليصبح بحرا من التوقعات المفتوحة حول ماهية كاتب العمل الفكرية والأيدلوجية ، فيعود الجعفري ليوجه لقارئه مرة أخرى لطمات لاسعة من الإنعطافات الدلالية ومرة أخرى يباغته بنهايات مفاجأة وصادمة ومفتوحة على كل الاحتمالات و لا تحمل أي حقيقة واضحة ، فيعلق القارئ في سماوات من الشك ، وهو ما يتماهى مع صورة غلاف الديوان حيث صورة فوتوغرافية لوجه أحمد الجعفري الشاعر الماكر يغطيها ظل فيجعل وجهه بحرا يحتمل عدد لا نهائي من الاحتمالات والشكوك ،
أما عن العمود الفقري للديوان فيقوم على تشريح عين الشاعر الصعيدي المتصوفة مع بيئتها للعالم وتناقضاته الإجتماعية ، فيصبح الصعيد بطلا للديوان حيث يؤدي الصعيد دورا بارزا في الدينامية الإنسانية ممثلا المنطلق الرئيسي لتشريح الشاعر للعالم بتشبعه برؤى الصعيدي الإنسانية منذ تكوينه الأول حتى منعطفه الأخير في الحياة عبر دوائر شاسعة من الرؤى الأيدلوجية محملة بالتوترات الشعرية ومسترسلة إلى حد يكاد يستحيل حصره فالصعيد هو الوسط الأصلي للجعفري الحامل لجميع تمثلاته والذي يجد لكل قضايا الكون فيه محلا وموضعا ، وفي المسافة الواقعة ما بين الرحم الصعيدي وما يحمله من لحظات التكون الأيدولوجي وأماكن بعيدة عنه ثقافيا واجتماعيا يبوح الجعفري بقصائده موحدا بين كل تفاصيل الأمكنة المتباعدة التي تفصل بينها مسافات شاسعة

مثلا في قصيدته قلوب المدن يقول الجعفري :
( الدموع واحدة ،
واللهفة واحدة ،
والفقد واحد
ولا يعرف العاشق من التاجر سوى نزيل الفنادق في قلوبها .
لقد صرت من كثرة الأسفار فندقا !!
نزلائي شعراء صعايدة …
فقراء تمكنت منهم قلوب المدن ….
لكنهم ماتوا على أطرافها !!
صرت فندقا …
وما زلت في رحلتي كي أصير المدن !!! ) ،
ايضا الجعفري دائم السفر في ترحال صوفي يبحث عن ذاته الصعيدية التي تمثل له نبع الحياة فهو يحول الأنا جزئه المغترب في أعماق الذات إلى وحدة التماهي مع (الكون _الوجود_الله _ الموت _ الحب _ الجمادات التي تشعر _ الإنسان بكل أعراقه وألوانه وأشكاله وعقائده (

فالله عند الجعفري هو الحياة الأزلية والحب اللامتناهي والروح والوعي والطبيعة الحية والزمان والمكان والجوهر الإنساني باختلافه  وهو يبحث دائما عن الشرق وخصوصا صعيد مصر عبر التنقيب والحفر في الذوات الغربية عبر أسفاره ، فيقوم بثورة أنطلوجية داخل ذاته ، ثورة قلب وعقل تتسع لكل البشر والجمادات بضعفهم وجبروتهم ومروقهم وأنينهم ، فنراه دائم التمرد على أحلام الشعراء الصعايدة محاولا الفكاك منها لكن ليس في قدرته السيطرة عليها أو فهمها ، ، فمنذ بدء الديوان حتى منتهاه يخوض الجعفري باحثا ومتأملا ومكتشفا لماهية الشعر ومدفوعا بذلك الوعي الشعري إلى إعادة تشكيل الاشياء بعد تفكيكها وصياغتها بما قد يخالف ماهيتها الأيدلوجية وطابعها المألوف ، حيث يخرج كل هذا من طموح معرفي يتجاوز حدود موضوعه وطموح نحو معرفة الذات وتحقيق بعض ممكنات تلك الذات التي تحول حتميات الواقع دون تحقيقها، فعلى سبيل المثال يقول في قصيدته “لكي تكتب قصيدة ” : ( ولكي تكتب قصيدة ، عليك أن تجيد استخداما مغايرا للغة
فمثلا …
لا تدع الريح ريحا والسلام ….
تثير التراب ، وتكشف ستائر الغرف ….
ادعها فتاة وصيفة
أو جارة سمراء كاللواتي في الأفلام القديمة ، وأنت تبثها شوقك لصاحبتها ، وهي تحمل مكتوبا _منك إليها _ وضعته في حمالة صدرها ،
ولأنها ريح في أصلها غير المجازي …
فقد طار المكتوب )

وتتشبع هذه القصيدة بالاستعارات الحية التي تقدم للمتلقي فيض من العلاقات المتبادلة لمقاصد الكلمات وعلاقاتها المتجددة بين أطرافها المتباعدة بمنظور متجدد وحي لمفهوم حرية نحت اللغة في عوالم الشعر ، فتصير كلمات الجعفري حبلى بأنهار حية من المعاني حتى وان كانت بعيدة عن الكلمة المكتوبة ، فتظهر لغة الجعفري بنحوها وسننها الخاصة المختلفة عن سنن الواقع اليومي في نظام مستتر يربط بين الجمل الخاطفة ، فيأخذ المتلقي في اغواء مارق من الدهشة حول قدرة الشعراء الخارقة على إعادة خلق لغات ولغات بداخل اللغة الواحدة ، خالقا حداثة شعرية محملة بلغة محررة من المتطلبات المعتادة ،إنه يبتعد بمفهومه عن الشعر عن رومانسية الأنا الشاعرة ، لتتلاشى الأنا الشاعرة خلف بحر من الدلالات فيحدث جذبا ثم تنافرا إغوائيا عند القارئ يجذبه تارة إلى غرضية الشعر الإجتماعية وتارة أخرى إلى عدم قدرة الشعر على تلبية أي مطلب تقريري عند القارئ ، ليعود الشعر مادة حسية خالصة ومفتوحة المعاني ، يسبح بين الكلمة التي تعمل كذات إيقاعية مجردة ، وبين الكلمة التي تحمل أفكارا وافكارا مارقة وماكرة ، بإيقاع يخدع المتلقي حيث يثير بداخله تدريجيا أسئلة بديهية سرعان ما تتحول أسئلة معقدة وواسعة فتتوسل بالمتوقع وصولا للا متوقع ، حيث يقذف المعنى من مرماه القريب المتوقع إلى مرامي بعيدة غير متوقعة حيث فضاءات فياضة وكثيفة بقدرة تصويرية كثيفة ، أما عن إيقاعات قصائد الجعفري فأستطيع أن اقول أنه ينسج قصائده مستخدما ما أسميه بالإيقاعات المضادة حيث يقصي بفنية وحرفية عالية الإيقاعات السائدة في قصيدة النثر المعاصرة خالقا إيقاعات تخص قلمه وحده حيث يخالف دائما توقعات الأذن الحسية للمتلقي منفتحا على إيقاعات قد تستوعب أجناسا أدبية أخرى مثل السرد القصصي المرن ، فكل شئ في ديوان قليلا من النور كي أحب البنات أجده مختلفا عن قصيدة النثر المعاصرة بأسلوب الجعفري المكثف بهندسة دقيقة ، والطريقة التي يفتتح ويغلق بها كل قصيدة فاتحا أبوابا لأمكانيات جديدة لخلق صدمات وتوترات شعرية لم نعتادها في قصيدة النثر المعاصرة ، فهي كقفص يأسر عدد لا محدود من الموجودات القابلة لتأويلات لا نهائية متخذا من اللغة أرضا فسيحة بين الانكشاف والاحتجاب فينعقد الزمن في اللحظة الشعرية ويتجليان في صورة نصوص مكثفة تبتكر حقيقتها الفنية الفريدة كما تبتكر حقيقة أشيائها الخاصة، فيقول :

( آالآن وقد ترهلت الدموع ، وغلبت عليها النثرية ؟
بينما السرطان موقعا يحفظني بحره البسيط الثاني …
دون مجزوء له أو هنة .
ترهلت أيضا غابة الغربة التي التقمتني مع هذا القط المنزلي الجبان …..

أنا اللبؤة التي مات نصف ضحاياها دون ابتسامة
ودون ختق للرجاء بلبدة صاحبي
اكتب لي قصيدة …
رمم بها عرشك المرتعش في سدرة آلامي …..
فأنا آخر الخارجين
من يقينك الذي بذلت لأجله سهرة تثبته على الهاتف
وما وفيت لريه بموعد في شقة صديقتي كي يحيا …… )

ومن الملفت أن الشاعر كثيرا ما يستخدم تقنية التأليف بين الأصوات داخل القصيدة فتارة تجده بصوت يعبر ويبوح عن ما بداخل بحفية ممثل فوق مسرح عريق ثم يضفر به صوتا آخر يعبر به عن ما بداخل الآخر سواء أنثى أو مجتمع بأكمله بضميره ونواحهه وأحيانا صدأ مفاهيمه وكأن هذا الصوت الآخر هو الجوقة التي تضبط إيقاع صوته الخاص ، وبذلك يكبح ظهور الصوت الذاتي كواجهة للقصائد بتمازج سلس وخفي يشبه تمازج واختلاف الأنغام والأصوات في التأليف الموسيقي الطويل وكأنه بداخل القصائد يجمع بين شخصية الشاعر والمؤلف الموسيقي والممثل الملحمي، أما عن الأنثى في شعر أحمد الجعفري فهي الجسر للتوحد مع الكون وملاقاة النفس فيقرنها بكل الموجودات وتناقضاتها المادية والحسية، ويعكس فيها بؤس الشعراء ومعاناتهم ويستحضر فيها ماضيه الصعيدي ويستحضر فيها كل التناقضات الإجتماعية التي لاقاها في رحلته الحياتية عاشقا ومغتربا ومتأملا ، ففي أغلب النصوص بالموازاة مع البوح الداخلي للشاعر نجد الحضور للأنثى في صيغتيها الإنسانية البحتة والمقدسة المشبعة بالغموض متخذة من الحب دواء شافيا لكل مشاكل الوجود وصراعاته فهي المصدر الذي لا ينضب للنور والخصوبة واستمرار الحياة . إن حب المرأة عند أحمد الجعفري لهو مناسبة للتعبير عن انفعالات عقلية ، إن المرأة في نظره هي إلهة رقيقة الإنفعالات تعيش لتتلقى الصفعات المجتمعية والصفعات الحسية ،
وفي النهاية أود أن أقول بأن أحمد الجعفري الشاعر الماكر يشبه بالتمام كل حرف كتب في هذا الديوان الملئ بالصرخات الإنسانية الصادقة والخالصة والمتعرية من كل إطار يحجمها أو يقيدها بقالب جامد.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “كثير من الضوء كي أقرأ الجعفري”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق