قراءات ودراسات

الهجرة في الأدب العربي المعاصر

سعيد بوخليط*

I- أصدر الباحث والمفكر التونسي عمر الشارني، أستاذ الفلسفة بالجامعة التونسية وكذا جامعةClermont –Ferrand الفرنسية، كتابا باللغة الفرنسية تحت عنوان:

Figures de L’émigration dans la littérature arabe contemporaine : le moi assiégé.

تناول فيه تداول تيمة الهجرة داخل بعض نصوص الأدب العربي الحديث من خلال ثلاثة نماذج هي: توفيق الحكيم / الطيب صالح / أحلام مستغانمي. و لاشك أن هذا  العمل، سيشكل إضافة كمية ونوعية داخل الخزانة العربية. وبالأخص الكتابات الفرنسية التي تناولت بعض قضايا أدبنا العربي الحديث والمعاصر. مع العلم، أن الدراسات التي جاءت بلغات أجنبية بهذا الخصوص قليلة جدا، ومعدودة على رؤوس الأصابع. نتيجة  ذلك بطبيعة الحال،جهل القارئ الأوروبي بالإشتغالات الراهنة لمفكرينا وأدبائنا، وشعرائنا.

وإذا كان تقليد خلق مؤسسات ثقافية، تهتم بالترجمة لا زال ضعيفا إن لم يكن منعدما في البلاد العربية من أجل التعريف بالثقافة العربية. مع العلم أن الرهان على المعرفة، يزداد حجمه يوما بعد يوم ي عالمنا المعاصر. فإن الأمر يبقى داخل سياقنا الثقافي مقتصرا على كتابات واشتغالات ومبادرات فردية لمبدعين أخذوا على عاتقهم تقديم نماذج من تفكيرنا إلى الغرب.

يدخل كتاب الأستاذ الشارني، في  هذه الخانة متوخيا بلغة فرنسية راقية وعلى درجة عالية من الأكاديمية، ترجمة وتحليل ومقارنة وكذا تأويل، تجارب إبداعية جاءت أصلا باللغة العربية.ينطوي هذا العمل في رأيي على موقفين أساسين:

1-هناك الحمولة الإيديولوجية، باعتبار الأستاذ الشارني مثقف عربي تقدمي، يؤمن بمبادئ الحداثة الكونية. ويدافع عن القيم الإنسانية الكبرى.

2-خطاب نقد الأدب، وهو في حقيقة الأمر لا ينطلق من ترسانة نظرية جاهزة وقبلية لمقاربة النصوص. لأن  الأستاذ الشارني، قبل كل شيء يشتغل على الفلسفة والإبستمولوجيا وتاريخ العلم. وليس بالناقد الأدبي المتخصص. وإن كنت شخصيا لا أتفق مع هذه التصنيفات المؤسساتية. و لا أومن بتاتا بحدود للمعرفة أو بين حقول هذه المعرفة. إضافة إلى أن من يملك خطابا فلسفيا مبدعا، فإنه يستحوذ حتما على كل مفاتيح العلم والعالم السرية منها والجلية، وبالتالي  يصبح سيد  الأشياء.

الأستاذ الشارني بالأساس عاشق للأدب، يمارس لعبة الحلم هاته بامتياز وعنفوان كما هو الحال في حواراته الحالية مع الحكيم والطيب صالح وكذا أحلام مستغانمي. مؤكدا بأن دراسته لروايات الهجرة هاته، لا تحيل على وضع الرجل المتخصص، بل تحمل بالأساس هوى وولع وعشق للأدب، متوخيا تقديم هذه النصوص إلى القارئ غير العربي، وبالتالي سعى إلى أن يكون أمينا قدر الإمكان ملتصقا بها.

لكن ما معنى  أن يكتب اليوم مثقف عربي مؤلفا بلغة أجنبية، عن جزء يهم بامتياز الثقافة العربية؟وليكن الأدب.

أعتقد بأنه من الأمور الزائفة في بعض النقاشات التي سادت الثقافة العربية، هو النقاش المغلوط أساسا المرتبط بمسألة الكتابة بلغة أجنبية؟ ما دام أن الأمر، حسب هذا الرأي يتعلق بمظهر استعماري يسعى إلى تغليب لغة أجنبية (الفرنسية، والإنجليزية بالخصوص) على حساب اللغة العربية، لأن ذلك يمس “بهيبة”  “وقيمة” العربية في مضمار تصارعها مع اللغات الأخرى، وانطلاقا كذلك من التصور الذي يؤكد بأن اللغة تعكس الفكر، وبالتالي فالاشتغال بلغة أجنبية يعبر  عن رؤية أهل تلك اللغة للعالم، ومحاولة عكس طريقة تفكيرهم  على ثقافتنا مما يؤدي إلى زعزعة مرجعيتنا الفكرية وثوابت عقيدتنا… ! ! !

تحوير النقاش في هذا الاتجاه عبر ويعبر عن رؤية لا تاريخية، ويعكس نزعة دوغماطيقية ضيقة. استهلك ذلك كثيرا الفكر العربي ، كما أنه أثر عكسيا على اللغة العربية، حيث حال بينها وبين التطور التاريخي السليم. كان من الممكن أن يتأتى من هذا التمازج والاختلاط والتلاقح بينها وبين اللغات الأخرى. لذلك تجب الإشارة إلى المسائل التالية:

*لا تحمل مسألة اللغة قيمة في ذاتها، بل ماهيتها تقوم بالأساس على مدى قدرتنا على تطوير لعبة تخصيب دلالاتها الإيحائية ومدى إبداعيتنا على تكثيف مرآويتها فيما يخص اللحظة التي تسعى إلى تكثيفها مجازيا في متواليات لغوية.

*اختيار اللغة المستعملة، متروك بالدرجة الأولى لحرية المبدع واللغة التي يتقنها أكثر ويرتاح للكتابة بها. وبالتالي ليس قدرا أن يكتب بالعربية إن كان عربيا، أو الفرنسية  إن كان فرنسيا…. المهم في رأيي أن يدافع عن القيم التنويرية التي ناضلت الإنسانية من أجلها.

*مصير كل ثقافية هو الكونية والعالمية، وبالتالي على المثقف أن يبحث قدر المستطاع، لكي يتموضع فوق الأمواج التي تنكسر على شاطئ الكونية. صحيح أن المثقف العربي، لا يزال بعيدا كل البعد عن هذا الأفق. مسألة يختلط فيها بالتأكيد الذاتي بالموضوعي. صحيح أيضا، أن الشروط السوسيو-اقتصادية وكذا المعرفية التي تحكم هذا المثقف غير ملائمة كليا من أجل تفعيل اشتغال فكري متين. لكن كذلك عطالة هذا المثقف وسلبياته،تلعب في كثير من الأحيان دورا فاعلا بهذا الخصوص.

* إن قوة أية لغة، ترتبط فقط بالإمتداد الاقتصادي والسياسي لأصحابها،وبالتالي فاللغات المنتشرة الآن في العالم،تدل بجلاء عن القوة  المالية والسياسية لتلك الأمم المسيطرة. غير ذلك، يدخل في باب الأساطير.

*يقاس حضور أية لغة بدرجة الإشعاع الثقافي والفكري الذي تمارسه على المستوى الكوني، وحجم مساهمتها في التحقق اليومي لسيرورة الحضارة.  لذا يمكننا أن نتساءل في هذا السياق على الشكل التالي: كم عدد الأفكار التي تنتج هذه اللغة يوميا؟ وكم من الكتب تصدر؟ ما درجة تداولها في المؤسسات الفكرية والأكاديمية؟ ما هو عدد القارئين الذين تطويهم في جسدها؟ ثم مقدار العلماء والفلاسفة الذين يلجؤون إليها؟…

*تحولت اللغة –بل كان الأمر دائما كذلك- إلى برنامج سياسي، تدخل ضمن الاستراتيجيات والمشاريع والمخططات السياسية للدول والهيئات والأحزاب والجمعيات…، وبالتالي فإن قدرة هذه اللغة على اختراق الكونية، يرجع إلى مدى  تفعيل هذا البرنامج، وتحويله إلى قوة واقعية ملموسة. فالقرار السياسي وإجرائيته جوهري في هذا المقام.

*يجب تجاوز الرؤية التاريخية  الضيقة التي غلفت الأفق الفكري لمجموعة من المفكرين. والتحلي بنظرة واسعة فيما يخص هذا التحاور اللغوي. العربية  أو الفرنسية أو الإنجليزية…، لا يهم. ليس من الضروري، أن نربط هذه اللغة أو تلك بخلفيات سياسية غير بريئة، وبأن الفرنسية تعبر ثقافيا عن توسع استعماري للفرنسيين، وكون الإنجليزية تنطوي على نزعة تستهدف أمركة العالم ونشر القيم الانجلوساكسونية…. أنا شخصيا، أحلم بإتقان كل اللغات ولا مشكلة لدي مع أي منها…

II-المنحى الايديولوجي لكتاب أشكال الهجرة:

لماذا نهاجر؟ ونركب قطار  الرحيل؟ كيف يمكننا أن نترك  بسهولة تلك القطعة الجغرافية والمكان  الحميمي، لكي نمتطي أحلام الاجتثاث؟.لا شك أن مفهوم الهجرة، لا يتوقف فقط على لعبة المكان، ولكنه يتجاوز ذلك إلى أبعاد فلسفية عميقة تتجاوز الذات والمكان والزمان والناس.

كل واحد منا يهاجر! نهاجر داخل اللغة والجسد والسؤال والآخر والأفكار والآفاق والقناعات  والمبادئ والاختيارات: ببساطة الإنسان قضية رحيل دائم.

بين الحياة والموت هجرة، ومن الحياة إلى الحياة هجرة، وداخل مساحة الموت والميتات هجرة. قد نهاجر و لا نترك أثرا، وبالتالي يتحول التاريخ إلى ضجيج، بل فراغ خواء.

الهجرة قضية، إنها مادة للأفكار. مضمونها التراجيدي في معظم الأحيان جعل منها سبيلا وأفقا للمغايرة الوجودية. ولا شك أنها محور للغة عبثية قد تأخذنا من أو إلى أنفسنا والعالم والآخر. يكون هذا الآخر دائما سياقا للهجرة. الآخر      “جحيم” قبل الرحيل، و “جحيم” كذلك عند الاستوطان، الذي سيتحول بدوره إلى رحيل ثان، وهكذا دواليك.

الوطن والمرأة والمواقف والهويات… ،هجرة. أي انفلاتات داخل تأسيسات. مفهوم فلسفي عميق، ربما يفكك شئنا أم أبينا ثنائية صارمة ظلت منغلقة، لا تنفصم  أواصرها منذ أن سقط آدم خطأ أي: هجرة الوطن.

ما هو الوطن؟ يكون في البدء  مصيرا قدريا، تجده يلاحقك في نفس اللحظة التي ترتبط بها حتميا باسمك أو لونك أو ملامحك أوآبائك أو أجدادك أو عشيرتك… إلخ. بعد ذلك، يأخذ هذا الوطن لعبة مفهومية أو صورة شعرية بل وحتى هلوسة. تفكيك وتكسير متواصل لأي إطار، ربما ذلك ما يمكن من إيجاد تصالح مع ذواتنا.

ينطلق الأستاذ الشارني،من مفهوم للوطن يقوم على تصور وموقف أساسه علاقة نفسية حميمية  وارتباط غير مفسرين، في أغلب الأحيان بين الذات وحيز ما.

الباحث هنا نفسه مهاجر –أستاذ تونسي للفلسفة في جامعة فرنسية- لذلك فشهادته صادقة. يسقط كل مشاعره ، بحواس حية تشتغل بذكاء. حينما يتحدث إذن عن الهجرة، فإنه لا مجال في ذلك لمسافة بين الذات والموضوع. يكون الموقف هنا، حيا ومدويا ومعبرا وبليغا، يختلط فيه الذاتي بالموضوعي، العقلاني بالمجازي، المفهومي بالشاعري. مما يحول هذا العمل إلى وثيقة دالة بامتياز وشهادة مشتعلة.

ثلاثة نماذج:توفيق الحكيم، الطيب صالح، أحلام مستغانمي.

لماذا بالضبط نصوص هؤلاء؟ أي شيء يجمع الحكيم والطيب صالح بأحلام مستغانمي؟ هل كان الاختيار اعتباطيا؟ أم حاول الأستاذ الشارني بالفعل الاستناد على استراتيجية تم تدبيرها قبليا !

أعتقد بأن الأمر سواء أخذ هذا الوجه أو ذلك، فإنه لم يخرج عن بناء معماري مرسوم بطريقة جيدة في سياق لغوي ومفهومي غني جدا.

الحكيم في الهجرة من أجل الدراسة، قد يدخل  في إطار التجارب الكلاسيكية البسيطة، التي  لا تتجاوز لعبة حزم الحقائب. التوجه إلى الهناك، لا يعني بأي معنى من المعاني، تعديم ونفي للهنا.

أما الهجرة عند الطيب صالح ومستغانمي، فإن حيزها الإشكالي اكثر إثارة وتتأسس على أبعاد وخلفيات انطولوجية في المقام الأول ثم سياسية واجتماعية واقتصادية.

مصطفى سعيد بطل “موسم الهجرة إلى الشمال”، يحمل في ذاته مجموعة من المآزق الوجودية، مجسدا بذلك حقيقة كيفية ونوعية ودرجة وعي متقدمة جدا، داخل واقع مجتمعي نمطي محكوم ببنيات تقليدية بل شائخة ومترهلة.وهي بالتالي هجرة للمفهوم والنظرية أكثر منها هجرة للجسد، مادام أن هذا الأخير في حقيقة الأمر مبرر ويعثر باستمرار على سياقاته بشكل منسجم.

قد نعيش بجسد واحد، لكن تخترقنا  عشرات الأفكار. يجد الجسد ضالته في لحظة إشباع تامة، لكن الاختلاف يظل الشرطية التي تحكم أفق هذا الجسد وسير ورته. مما يحدث هذا الانفلات بين جسد في جسده، وجسد لجسده.

شكلت الهجرة في كل الآداب العالمية، تيمة وموضوعا أساسيا للكتابة، محكومة خاصة  بالبعد التراجيدي المأساوي. لا أعرف لماذا؟ربما لأن الهجرة تحيل على كل معاني الرحيل، وما يستتبع ذلك  عند الذات من صور مجازية تحيل على: الاجتثاث واللا-تجذر و اللا-ستوطان…، والعدم.

يتحول المكان في لا وعي المهاجر من طوبوغرافيا الخطوط والمتوازيات والمنحرفات والمربعات…،إلى قطعة مكثفة لغويا وإيحائيا ثم شعريا.

نرتبط بالمكان سيكولوجيا،  لأنه كنظام مفهومي يؤسس بمعنى من المعاني خطابا  مقابلا  لكل ما يحيل على الموت: المكان هو اللاعدم.

وبالتالي الاستمرار السرمدي على مستوى الوعي وكذا الارتباط النوستالجي بما يسمى مجازا “وطن” يدخل في إطار كل ما يؤسس للا-نسيان باعتباره سلبا للوجود.

بالتأكيد حين نكتب، نمطط العالم على بياض الورق.  نفترض أن شيئا ما قد يحدث على هامش مساحة الكتابة هاته؟ يتحدث الثوريون على أن الكتابة احتجاج! أي نفي! لأننا نتوخى أساسا من خلالها لحظة إنسانية ثانية. ولأن هناك أشياء كثيرة لم تحدث بعد، يتحتم بالتالي وقوعها قبل أن ينهي المصير قصته الرديئة والبليدة والمتسلطة.

حينما نكتب، فإننا نحول هذا المصير إلى قضية. كما يحلو للإيديولوجيين تسمية ذلك.

لماذا نكتب عن الهجرة؟ قد نسقط أفكارنا على الهجرة ونقاربها بنفس المعنى الذي نلامس فيه الموت. وبالتالي الأستاذ الشارني،نفسه لم يخرج عن هذا المنحى التراجيدي ، فقد عبر مرارا وعلى امتداد طبقات هذا العمل بأنه يفتقد كثيرا وطنه وانتماؤه العربي، حتى ولو كان عمله هذا يشكل في حقيقة الأمر صرخة احتجاج ضد المؤسسات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية…، التي تهيكل مجموعة الوطن العربي، وتعريته لواقع عربي سلطوي توتاليتاري محكوم بمجموعة من البنيات اللاتاريخية على جميع المسويات.

ذلك أن المثقف حسب الأستاذ الشارني ليس من مهمة له إلا: ” “شعبه ووطنه: هنا مكانه الطبيعي” وقدره. هنا يرسم طريق حياته المجيدة: هنا يجب أن يحفر بأياديه قبره الخاص ! ولكن بقدر ما عليه الارتباط بوطنه، والانخراط في قيمه والانصهار في حب بواديه ومدنه ورجاله ونسائه، إنجازاته واخفاقاته بقدر ما يكون كذلك  العين اليقظة والثاقبة التي تحكم وتراقب، تفحص وتحكم ثم تزمجر وتضجر”[1].

سيوظف الأستاذ الشارني إذن نماذج روائية، تعبر في رأيه أكثر من غيرها على طبيعة المواقف والرؤى النقدية التي يتوخى صياغتها في قالب مفهومي ونظري.

صحيح أن لحظة مستغانمي وقبلها الطيب صالح متقدمة نظريا أكثر ومعبرة على مستوى الحمولة النظرية والمفهومية. فالخلفية التاريخية للهجرة في هذين النموذجين، أعمق بكثير من نمط توفيق الحكيم. لكن يبقى الوطن دائما،الحلقة المفقودة والخليط الناظم لحكاياتهم.

لا يوظف الوطن هنا نوستالجيا، لكي يعيد ربط الكتاب ببلده الأصلي تونس، ولكنه في حقيقة الأمر يشغل مجازيا قطعة جغرافية تمتد على مستوى الوطن العربي كله. حيث نلامس عند الأستاذ  الشارني نزعة قومية صادقة ربما تعيدنا بشكل كبير إلى سنوات الستينات السبعينات لحظة المد الإيديولوجي القومي والناصري وكذا التنظيمات اليسارية والتقدمية العربية. يقول الأستاذ الشارني في هذا السياق: “لم يكن لدينا أفضل المفكرين غير التنظيمات  الفلسطينية واليسار العربي والذين صاحوا بصراحة وقوة على امتداد سنوات الستينات. أن الطريق إلى القدس يمر من عمان والرياض ودمشق والقاهرة إلخ.  نلاحظ اليوم كما كانت هذه المواقف صحيحة”[2]. وما رافق ذلك من متن نظري وإيديولوجي كبير، جسد هذا النزوع السيكولوجي بالدرجة الأولى، والوحدة العضوية وكذا التاريخية التي تحكم هذه المجموعة البشرية التي يطلق عليها اسم: العرب.

لقد عبر  الأستاذ الشارني في حوار أجريته معه[3]. بأنه كتب هذا العمل، وهو يشهد غزو واحتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق، القلب النابض للأمة العربية وتطلعاتها التقدمية. ولأنه أولا وأخيرا مثقف ومفكر، فإن سلاحه الأساسي يكمن في الكتابة.

ربما سنلمس أثناء قراءتنا لهذا الكتاب بأنه  يجسد ما يسميه الباحث نفسسه ب “جلد الذات”، أي أن اللحظة التاريخية الحالية التي نعيشها بإخفاقاتها وانكساراتها واحباطاتها وهزائمها… ، وسورياليتها . نتيجة في حقيقة الأمر لعوامل ذاتية اكثر منها موضوعية.

نظامنا التعليمي ضعيف جدا، بدائي وضحل لا يرقى إلى مستوى التطورات التاريخية. غياب الديموقراطية وتسلط الأنظمة السياسية، التي ينتفي معها أي تحقق محتمل لبوادر مجتمع مدني، منفتح،                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                             عصري، ديمقراطي وحداثي. قادر على مجابهة التحديات التاريخية الكبرى والآفاق الكونية الممكنة.  إضافة إلى الوهن الضعف الذي يلف جميع مؤسساتنا ومرافق حياتنا مما حولنا إلى أمة وكتلة بشرية هامدة كليا مصابة بالخواء، تعيش على هامش الحياة والتاريخ والإنسانية.

الهجرة دائما إلى الغرب أو الشمال أو أوربا. لا تمثل المطلق و لكنها تبقى النموذج الأول، والمعيار الحضاري للمقايسة.

تمثل أوربا  الحداثة والديمقراطية والانفتاح والعدالة الاجتماعية ثم النظام التعليمي المنفتح والمرتبط أساسا بالبنيات الاجتماعية، ينصت لحاجاتها. كما ان المجتمع يطرح بدوره أسئلة أخرى على التعليم. جدلية دائمة ومرنة تؤثت المجتمع، بمجموعة من القيم يمكن أن نختزلها قولا في:  الدينامية الإبداعية للحظة.

الإحباط نتيجة الاصطدام بواقع مجتمعي جامد لا يتحرك، يدفع ويحث للبحث عن النموذج الذي يمثل حقا مجالا حقيقيا لممارسة فعل الحياة بكل ثقله.

تقوم بالتأكيد باريس أو لندن أو برلين…، في المقابل  وعلى الطرف الثاني من نموذج آخر قد يكون الخرطوم اوالجزائر أوالقاهرة أو الرباط… وكل العواصم العربية الأخرى. و لاشك أن الإحساس بجحيم هذا القدر  السيئ قد يكبر ويتضاعف مع الذات المثقفة، النوعية منها أساسا. التي تدرك اكثر منها غيرها طبيعة الحقل والمجال الجهنمي الذي نتحرك  داخله على امتداد الوطن العربي.

للتعبير عن هذا الوضع، وظف الأستاذ الشارني صفة “الذات المحاصرة” و لا أعرف بالضبط، أإن كانت حقا ترجمة مناسبة لمصطلحه الفرنسي « Assiégé »أم لا ! لكن في حقيقة الأمر ومن خلال سياق الكتاب، فإن الأمر يبدو كذلك.

من الناحية الفنية، فإن كلمة “حصار” تفتقد لنوع من الإستتيقا الشعرية الإيحائية، فهي ترتبط وثوقا بقاموس السياسة. وبالتالي ربما تصلح أكثر لبيانات الهيئات وكذا الأحزاب والتنظيمات التقدمية، من وصف مقاربة حالمة لمجموعة من النصوص الإبداعية الجميلة على مستوى الرؤية ومساحة اللغة.

لكن ما يبرر ذلك، هو أن كلمة “حصار” تدوولت بشكل كبير في العالم العربي، وتحولت ربما إلى مفتاح سري نتمثل به واقعا، لا يتوقف عن تسويغ وتبرير معاني السقوط والهزيمة.

كتاب الأستاذ الشارني هو في حقيقة الأمر بيان وصرخة من قبل مثقف وأستاذ للفلسفة تقدمي، يعرف جيدا قيمة الأفكار التنويرية والحداثية التي جاءت بها النصوص الفلسفية الكبرى. وبحكم تواجده في أوربا، فإنه يعاين عن  قرب وبشكل يومي القيمة التاريخية والإنسانية لما يمكن تسميته  بدولة المؤسسات الحيوية التي تظهرها سياسيا وثقافيا واقتصاديا، عكس ما يحدث داخل العالم العربي.

يفضح إذن هذا العمل فنيا لعبة الحصار التي تمارس علينا سواء من الداخل أو الخارج، ارتباطا بعوامل تبقى داخلية وذاتية بالأساس.

القيمة الإيديولوجية حاضرة بامتياز، ورؤية المثقف الملتزم تقوم كذلك بكثافة. باعتبارها قيمة وجودية أكثر من كونها معطا سياسيا مباشرا انطلاقا من انتماء أ وقناعة لحظية. ولكن المسألة تتجاوز ذلك بكثير، إنها دعوة إنسانية  تعانق القيم التاريخية الحضارية: الديموقراطية، التعليم الجيد والبناء، الاقتصاد المبادر المتين والقوي، المؤسسات الاجتماعية المبدعة، والمواطن الحر….

مفاهيم وأخرى جاءت عند الأستاذ الشارني مباشرة أو من خلال نصوص وشخصيات الأعمال الروائية المنتقاة. ويصبح الأدب أكثر إيحاء للتعبير عن المشاعر الإنسانية الراقية، من كل التحليلات والتنظيرات المجردة في بنية مجتمعية لا تستسيغ قط ولا تتحمل التجريد، وداخل سياق مجتمعي رتيب جدا لا يتحرك إلا بشق الأنفس….

لقد عبر المؤلف ودائما من خلال حوارنا السابق[4] أن كتابه هذا عن أشكال الهجرة والذات المحاصرة ارتبط بالغزو الهمجي البربري الأمريكي على العراق، وكذا بحالة سيكولوجية سوداوية نتيجة مرضه وبعده عن بلده تونس. مما ضاعف من عوامل الكآبة والحزن عنده والإحساس بالضياع والتيه. بقدر كذلك  ما شكلت الرواية هنا ترياقا وأفيونا،بعد البوح والتصريح بهذه الهزائم التي تحولت إلى شعلة عند مدخل مدينة العرب، يستدل بها كل من حاول معرفة هذه الأسطورة التي أتخمتنا بزمن سابق للفاتحين. والحال هزيمة وهزيمة ثم هزائم…. ليفقدوا: “ليس فقط ممتلكاتهم ولكن كذلك روحهم. أي ليس الأبنية الاقتصادية هي  التي دمرت ، ولكن كذلك  بناءاتها الإيديولوجية والأخلاقية”[5].

1-أهم الأطروحات التي دافع عنها الأستاذ الشارني في مقدمة عمله:

يؤكد الباحث بأنه يسعى بأطروحاته، تجاوز النقاش الزائف الذي محور الثقافة العربية في حلقة مفرغة، ونقصد بذلك الصراع بين: المستشرقين والمثقفين الوطنيين.

جدال لم ينفع في أي شيء الثقافة العربية، بل على العكس جعلها تدور في نقاشات تتكرر وتعيد نفسها بشكل اجتراري، لتظل الشعوب العربية الخاسر الأكبر في هذه الدوامة العبثية.

لقد شكل ذلك  حسب الأستاذ الشارني “فخا” للمفكرين العرب، وأثر سلبا على الثقافة العربية. سواء على المستوى الميتودولوجي المنهجي أو  من  خلال اشتغال المفهوم.

على ضوء الملاحظة الأولى، فإن الدراسات العربية أصبحت ضحية وحبيسة هذه الخطاطة والترسيمة. ذلك أن المستشرق يستفز بأسئلته، وبالتالي يكون “المثقف الوطني” مضطرا ويحس بإلزامية ومسؤولية الرد والإجابة على تلك الأسئلة. حيث يتم النظر إلى ذلك باعتباره” تهديدات خارجية”.

من الناحية المعرفية، فإن هذا الصراع النفسي أثر على مقاربتنا للأشياء من خلال انتفاء وغياب الرؤية الموضوعية المحددة عقلانيا ومنهجيا تسندها الشروط الإبيستيمولوجبة للفكر العلمي السليم. وهكذا عوض أن ندرك الأشياء في ذاتها، يتحول الأمر إلى كون أحكام الآخر هي التي تحدد مواقفنا. إنها نفس اللعبة التي كشف عنها فوكو حينما تحدث عن “تأسيس خطاب حول الخطاب”.

النتيجة المنطقية لذلك هو إصابة الذات العربية بخلل عضوي وسيكولوجي على مستوى حضورها في العالم وعلاقتها بالأشياء والآخر. يؤكد الأستاذ الشارني: “إن مرضا للذات يمكن أن يؤدي بها إلى غاية التعملق والتضخيم. إلى حد يحجب عنها ذلك العالم في بعده الحقيقي. مما يحدث ما نسميه ب ” الهرب إلى الأمام” كنوع من الحمى، تحمل الذات دائما إتجاه مستقبل مشرق  ويحول ذلك بينها وبين أن تعيش الحاضر بأفراحه وأحزانه، ممكناته وحدوده. تقودها الباتولوجيا العكسية، إلى الهزال والسقم، ثم تتوغل في النكوص، وترتهن إلى  ماض بعيد وأسطوري أكثر فأكثر. من البديهي انبثاق الوضعيتان عن نفس الرحم، نقص في العلاقة الدياليكتيكية”[6].ذلك  أن: “الذات الاجتماعية،وبعيدا عن كونها مجرد دعوى ميتافيزقية، فإنها ليست إلا بناء تاريخيا.الأفراد ينتجون ذاتهم، ويصنعون وعيهم، وهم يبدعون حياتهم اليومية. هنا، وأكثر من أي موضع آخر، فإن الماهية معطى للوجود والكائن أكثر من أي وقت صيرورة. حيث نخلص من ذلك، إلا أنه تكون يعني أن تعمل وتؤثر،أن تحقق وتتحقق كذلك. إننا لسنا إلا ما نصنعه كل يوم وبأيادينا الخاصة”[7].

نجد إذن الخطاب العربي، سجين هذا الآخر وأفق هذا الآخر. وعوض أن يقرأ مباشرة “كتاب الطبيعة” يتحول إلى قارئ بالوساطة لكتب كتبت حول الطبيعة.

باختصار، الآخر هو الذي يحدد الأسئلة والمنطلقات النظرية . وبما أن النية والقصد كانوا مبيتين، فقد غابت عنهما أدنى درجات الصدق. مسألة في رأيي، منسجمة مع ذاتها وطبيعية،لأن منطق الصراع التاريخي يفرض ذلك.

لقد وضعت الإشكاليات بطريقة ماكرة ومدروسة، حتى تقود إلى أجوبة مغلوطة، وبالتالي خلق وعي زائف لدى المثقف العربي.

ظلت الأسئلة ذات طابع اجتراري لا تقود إلى أية نتيجة، وشكل ذلك عائقا كبيرا للثقافة العربية، صراع مجاني بيننا وبين الآخر أغوانا عن طبيعة النقاش الحقيقي والصميمي، الذي كان من المكن  أن يطبع هذه الثقافة ضمن مسار إبيستيمولوجي مبدع.

يحيل الأستاذ الشارني بهذا الصدد على الرؤى النقدية الرصينة للمفكر المغربي ” عبد الله العروي”. حيث تبقى كتاباته أول وأهم الدراسات التي: ” حللت ظاهرة إسقاط الذات على منظور  الآخرية إلى درجة أنه لا يمكنها ضبط ذاتها إلا عبر هذا الآخر[8]“.

يقع هناك خلط فظيع بين المنهج والموضوع، ويغيب عنا السياق السوسيو-ثقافي لأي منهج، بمعنى ثان “رؤية العالم” التي تموضع أي منهج. عدم تملك المنهج، يعطي قيمة إضافية للموضوع، أو بالأصح ينتفي التوازن بين المنهج والموضوع. بالتأكيد اختلال يكون لصالح  الموضوع تفتقد معه الذات قوتها وتماسكها.

لاشك أن النظرية هي بمعنى من المعاني وفي أبسط تعريف لها، صياغة للعالم، والمنهج يشكل قنوات لهذه الصياغة. وبين النظرية والمنهج تتأتى التجربة أو الوقائعية. تتحول النظرية إلى منهج، فيقوم التاريخ. يكون المنهج دائما نظرية، وحينما تغيب النظرية عن المنهج، يأخذ ذلك صيغة ديماغوجية. أما منهج بدون نظرية، فهو تكرار وحشو لغوي ليس إلا.

من الخطأ في التقدير، تفويت الفرصة على أحدهما مقابل الأخر. زمان النظرية هو نفس لحظة المنهج.  ولقد تحدث كثير من النقاد عن لعبة استيراد  المناهج وإسقاطها على واقع عربي  لا يتحمل جسده السياقات المفهومية للرؤية التي تحكم هذه المناهج.مؤكدين في هذا الصدد، بأننا اختزلنا في مائة سنة كأقصى تقدير ما عاشته أوربا لقرون.

تحدثنا عن التاريخية والواقعية والبنيوية والماركسية والوضعية والتفكيكية وما بعد  البنيوية والحداثة وما بعد الحداثة…، مختزلين  بشكل مبتذل زمنا معرفيا من التجادل والتفاعل المستمرين بين الواقع والنظرية، إلى مواقف فكرية مجرة ومعزولة عن سياقها السوسيو-ثقافي ويتم اختبارها على واقع ذو  بنيات مادية وفكرية هشة جدا.

هناك إذن بمعنى من المعاني تضخيم نظري وإيديولوجي. ناهيك على حدود ومستويات قراءاتنا لهذه المناهج، وطبيعة التأويل ثم ما يدخل في إطار ذلك من حيثيات اللغة والترجمة والفهم والاستيعاب والتأويل…، والذاتية والإسقاط واللاوعي.

غياب هذه الجدلية بين النظرية والواقع في الفكر العربي، أدى بالتأكيد إلى غياب وانتفاء كلي للرؤية التاريخية في تقييم العرب لذواتهم ولماضيهم وعلاقاتهم بالأشياء والعالم والآخر.

وما يترتب عن ذلك من مواقف نفسية غير سوية في أفق صياغة علاقة موضوعية بالوجود. ذلك أن مرض الذات، يحجب عنها إدراكا حقيقيا للأشياء في أبعادها المحتملة والممكنة.

موقف كهذا، غابت معه الرؤية العقلانية التي تتجاوز في أبسط تعريف كل حمولة وجدانية تؤدي إلى تغليب هذا النزوع أو ذاك ، وتجاوز هذا الحس العصابي الذي يتراوح حسب الأستاذ الشارني بين: “تدليل – الذات على طريقة عنترة، أو تحقيرها على طريقة الحطيئة، بين الفخر والهجاء ولا سيما هجاء  النفس. تتأرجح الذات العربية في الفراغ بشكل لا نهائي، مثل بندول Pendule.”[9]

وحده العقل، يبقى الفيصل الأساسي والجوهري، داخل مساحات التفكير في  واقع مترهل وشائخ كما هو الحال مع الواقع العربي.

لم يتم لحد الآن التفكير بشكل عقلاني في ثلاث معطيات مصيرية. يتعلق الأمر ب :

1-الهوية والإختلاف.

2-المسؤولية التاريخية.

3-المستقبل المشترك.

بلغة أخرى، سؤال الذات والواقع والآخر. الثالوث المفهومي الأساسي، والقانون السري لأي مجموعة إنسانية، تبتغي لذاتها مصيرا مقبولا ومستساغا حسب المعادلات التي تحكم التاريخ.

لقد وقف الأستاذ الشارني فعلا، بشكل دقيق على حدود هذه العلاقة. ولا شك أن كل متأمل، سيعرف أنه لا مناص لتأسيس مشروع مجتمعي  من التفكير في قضايا الهوية(يات) والتاريخ والمستقبل.

وسنلاحظ بأن كل هذه الحدود تعكس بعضها البعض الآخر. لا مستقبل بدون هوية(يات) ، ولا هوية(يات)  بدون تاريخ، ولا تاريخ بدون مستقبل. كما أن التاريخ يؤسس للمستقبل، والمستقبل يبحث عن معنى للهوية(يات) . في حين أن الهوية(يات)  تحتم وتفترض  مسؤولية تاريخية.

لكن شريطة البحث في هذه المفاهيم بمنطق تعددي منفتح، يتجاوز قطعيا أسس ميتافيزقيا الوحدة القائمة على الحصر والاختزال، التي أتعبت الفكر العربي مجانا، وجعلت من أسئلته على امتداد سنوات تحصيل حاصل واستدلالات بدون نتيجة، لأن المنطلقات النظرية المغلوطة تدمن نفس نقطة البداية. حيث فهمت الهوية والتاريخ والمستقبل بنوع من الاختزالية الدوغماطيقية. وبالأحرى، فالهوية هويات  أي اختلاف وتعدد والتاريخ لا نهائي بدون بداية أو نهاية في حين أن المستقبل كوني.

الخطاب حول الهجرة، لا بد وأن يستفز ويخلخل الأسئلة الثلاث: سؤال الهوية والتاريخ والمستقبل، أو كذلك الذات والآخر والواقع.

لعبة المغايرة والاختلاف، تصطدم بشكل أو آخر مرجعيات التماثل والامتلاء بالمفهوم الميتافيزيقي لذلك، حيث يعاد طرح  الأسئلة من جديد. ذلك أن صدمة، “الهناك” ببنياته السياسة والاقتصادية والاجتماعية  والثقافية والفكرية…، خلفت لنا ولاشك  مساحة أخرى لإعادة التفكير في شروط وجودنا.

تاريخيا، ابتدأ  الوعي العربي نتيجة  المجابهة الاستعمارية. ثم تبلور  نقاش حول الوجود العربي ومصيره. وإن كان الأستاذ الشارني يشير إلى أن طبيعة هذا الجدال لم يأخذ الوجهة المعرفية التي كان من الممكن أن تؤدي إلى أسئلة سليمة وأجوبة مبدعة.

ما الذي يحدد اليوم شيئا اسمه “هويةعربية”؟ ما دام أن الإجابة عن هذا  السؤال قد تأخذ مرة من التاريخ ومرة من الجغرافيا وكثيرا من الايديولوجيا. أما السياسيون، فإنهم يتحدثون عن المصير المشترك.

لكن المسألة المثيرة حقا، هو أن تتم ملامسة هذه الهوية باعتبارها سيرورة ثابتة، محددة قبليا وبمعطيات مطلقة. ويتم الاعتقاد بأن هناك اتفاق حاصل حول المفهوم. في حين أن الهوية، تظل لعبة ملتبسة ومنفلتة باستمرار. وبالتالي ما كان يشكل ويمثل “هوية عربية” في لحظة تاريخية محددة، قد لا يحافظ على نفس الحمولة النظرية في اللحظة المعاصرة مثلا. ليس هناك من ” جوهر”  في ذاته، وحده الزمان يلعب لعبته وبمكر.

وضع الذات في سياق التاريخ، وتحويلها إلى معطى  واقعي، يمزق بقوة ستار التراكمات الفكرية المحكومة  بتصورات كليانية، أخذت سواء من الدين أو الرؤى التاريخية المغلوطة، والتي كما أشرنا تستقي أصولها من ميتافيزيقا الوحدة. وبالتالي التخلص من كل الآليات النفسية التي تحول بيننا وبين الحرية.

لقد ظل المثقف العرب يصارع “طواحين الهواء”. الأسئلة الزائفة والخاطئة  والموجهة بشكل ديماغوجي، لن تؤدي طبيعيا إلا لتشكيل وعي زائف عن طبيعة القضايا التي يتحتم فعليا مواجهتها للدخول إلى العصر،  وفهم منطقه إي تمكين المجتمع من أسس الحداثة. وبالتالي، سجن الفكر العربي ذاته ضمن رؤيتين مغلوطتين. إحداهما خارجية والأخرى داخلية، علاقتنا بالآخر وتمثلنا لذاتنا.

على ضوء ما سبق، يحدد الأستاذ الشارني طبيعة المفكر الذي يتوخاه، فهم لا يخرج عن المقدمات النظرية التي وضعها  الباحث لعمله، ثم قناعاته الذاتية وكذا الحمولة الايديولوجية التي استند عليها من خلال توجيه نقد بل وفضح واقع عربي يعيش في مستنقع التاريخ، بمؤسسات ينخرها الموت طولا وعرضا. وانسجاما حتى مع النصوص الأدبية والنماذج التي جاء بها الأستاذ الشارني للحديث عن الهجرة. إنه بكل بساطة: المثقف الكوني التقدمي الملتزم بقضايا وطنه وشعبه: “إن مفكرا هو دائما مسؤول أمام شعبه وقياسا إلى وطنه. وما يحدث لهذا الشعب من خير أوشر، لأنه الوحيد الذي بإمكانه ان يحتضن بنظرة خاطفة زمانه وكذا زمان الآخرين، ثم ثقافته وثقافة الآخرين.”[10]

تتغير المفاهيم اليوم بسرعة أنفاسنا، العالم يتقلص في كل لحظة. الأجناس المعرفية تذوب بعضها في البعض الآخر، الحدود تنهار. كيف يمكن إذن إقامة منظومة فكرية حداثية ” جامعة”؟ قادرة على التماهي مع هذه السياقات الجديدة. الأمر بسيط: أن نتكلم لغة العصر. فرضيات  لا تأخذ كامل ممكناتها وأقصى احتمالاتها إلا بتحطيم أصنام الدوغما وأصول العقائدية العمياء. التي لا تؤدي إلا لمزيد من الإرتكاس والتراجع.

نحن ذات تاريخية، والتاريخ يفترض الاحتراس واليقضة وأخذ زمام المبادرة بالخصوص. وبالتالي، فإن كل عطالة أو جمود أو استكانة تقود إلى التلاشي. وفي أحسن الأحوال إلى الأوهام وهي  كثيرة في ثقافتنا العربية.

يؤكد الأستاذ الشارني،  بأن النصوص  الروائية  التي وظفها في عمله هذا تمثل مرحلة متقدمة وعميقة، فيما يخص قضية إدراك علاقة الذات بذاتها وكذا الآخر. التطور الذي حصل داخل  وعي بعض الأدباء العرب، هو ما سعى إلى التقاطه والوقوف عليه. إلا أنه من الصعب الإجابة أو معرفة التأثير الذي يمكن أن يحدثه عمق هذه النصوص على الواقع  العربي.

لكن لماذا الأدب بالضبط وجنس الرواية بالخصوص؟ يقول الأستاذ الشارني: “الأدب هو أجمل تعبير عن هذه الحرية والرواية زهرته. بقدر  ما يكون المسرح حبيس ديكور ومشهد ووحدة المكان والزمان. وبقدر ما تكون القصيدة نشيد عندليب في الغسق. وبقدر ما يكون الرسم تثبيتا متخلفا ومخادعا للحظة شاردة وغير تامة  أبدا. فإن الرواية تصنع  وتفكك عالما يمكن الروح من أن تعيش بكل هناء، وأن يشاركها ويخلصها كذلك من آلامها وأحزانها. إنه في الآن ذاته فضاء للتأمل والسعادة، وكذا التعلم والتمتع.فضاء  للصحبة أو  العزلة. إنه النظري الذي تحول إلى التطبيقي بعد أن خلصه من خبائثه وقصاصاته. يأخذه ويتسامى به إلى درجة عالية من الشفافية والنقاء. الفن الروائي هو هذا الفن الذي  يرتكز على أن يقارب في الحياة المشاهد المألوفة أكثر والوقائع الأكثر اعتيادا، ولكنه يعمق فيها الخصيصات النوعية إلى حد  أن يجعل منها لوحة رائعة”.[11]

الكتابة الروائية حسب الأستاذ الشارني تجمع وتوحد بين القصيدة والرسم والمسرح ثم الموسيقى، كل ذلك في حركة واحدة.وبالتالي، يتم الرهان عليها هنا من أجل إيصال الرسالة الحضارية والتاريخية التي يتوخاها  الباحث.

روايات الهجرة التي يحللها في مؤلفه هذا. تضيف  إلى الخصائص الإستتيقية للرواية، مجموعة من المعطيات النظرية الأخرى، تعكس الأطروحة المركزية التي قامت عليها الفكر والثقافة العربيتين، أي حدود العلاقة بين الأنا والآخر ومن خلالها علاقة العرب بذواتهم.

لقد أخذت الهجرة إلى أوربا أشكالا اقتصادية وثقافية وسياسية.وإذا ارتبطت الأولى  بحاجة أوربا إلى يد عاملة في لحظة تاريخية ما من أجل تشغيل دواليب اقتصادها. فإن الثانية والثالثة تبقيا ذات أهمية قصوى ليس فقط ارتباطا بطبيعة الوعي الذي أحدثته ولكن خاصة من خلال عينة الذوات التي كانت موضوعا لهذه  الهجرة.

أكثر  الذوات إحساسا بالحياة، هي التي توجهت إلى أوربا لأنها أصطدمت بخيبة أمل في هذا الواقع العربي. وبالتالي وجدت في أوربا فضاء رحبا وواسعا من أجل بلورة أفكارها بالخصوص.

أوربا بمؤسساتها الثقافية وجامعاتها الراقية، ومعاهد ومراكز البحث…، ثم المناخ الملائم الذي تخلقه أجواء اللبيرالية والحرية… . كل ذلك، جعل  منها ملجأ حقيقيا لكثير من المثقفين العرب، الذين اختنقوا بالأجواء السائدة داخل مجتمعاتهم. وتجب الإشارة، إلى أن كثيرا من هؤلاء المثقفين تحولوا إلى أسماء دولية بفعل ظروف الإشتغال والبحث التي وفرتها لهم أوربا.

تبقى الهجرة إذن ظاهرة سوسيو- تاريخية، تحكمها مجموعة من الحيثيات التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية. لا تقتصر في حقيقة الأمر علىالمجتمعات العربية بل تشمل كل المجتمعات الإنسانية، مما يعطيها بعدا إنسانيا. الاختلاف فقط يمكن في نسبية المعطيات التي تحكم الظاهرة وتختلف من مجتمع إلى آخر. إضافة إلى الموقف والبعد المفهومي إن صح التعبير الذي يمكن أن تأخذه الهجرة وكذا مستويات الموقف وردود الفعل الذاتية من قبل الشخص المهاجر.

لا شك أن الأستاذ الشارني اختار نماذجه الروائية: الحكيم /  الطيب صالح / أحلام مستغانمي وهي تتباعد زمانيا. وربما كل نموذج يجسد حقيقة زمانية بكل تطلعاتها وأحلامها  وإحباطاتها.

توفيق الحكيم، نموذج للمثقف العربي الذي هاجر إلى باريس في بداية هذا القرن من أجل العلم والمعرفة. وبالتالي سنقف في هذه الحكاية على نوع من الصراع الفكري والإيديولوجي  بين الشرق والغرب، أي بدية تشكل ملامح “صراع” حضارتين مختلفتين من ناحية الأسس والغايات والقيم والمفاهيم.

هذه المرحلة أعطاها الأستاذ الشارني تسمية  ” الوعي  النرجيسي” حيث جسد ” الحكيم” هذا الإحساس المفرط والمرضى بالذات في مواجهتها للآخر الأوروبي. لأنه: ” ظل لصيق ذاته، مكتفيا بالحكم على حياة يرفض معرفتها أو فهمها.”[12] فهي” ذات مكبوحة ملتفتة إلى ما سلف. ذات تبقى سجينة ذاتها وأوهامها وهلوساتها. ثم ترفض أي شكل من المواجهة مع الحاضر.”[13]

في حين مصطفى سعيد مع “موسم الهجرة إلى الشمال” يمثل مرحلة تاريخية تعود إلى سنوات السبعينات، وهجرة أستاذ سوداني قصد التدريس في الجامعة البريطانية. وهو على العكس من محسن عند توفيق الحكيم، فإن البطل هنا: ” يقيم استعلاءه على خضوعه، ويتقدم إلى  بوابة الواقع، أي بوابة التاريخ”[14]

بينما تدخل “ذاكرة الجسد” لأحلام مستغلانمي، ضمن  نموذج آخر سعى من خلاله الأستاذ الشارني،  فحص واختبار مفهوم الهجرة السياسية مع لجوء أحد المقاومين  الجزائريين القدماء إلى باريس. نوع من المنفى الاختياري، احتجاجا على واقع قد لا يتحمل حتى ذاته. ليستبدل هذا العمل تاريخنا الميت بمفهوم آخر يؤسس: ” لذاكرة متوحشة وثائرة، تأخذ كل أهميتها  التراجيدية من خلال مجابهة الوعي لذاته. العنصر الجديد في هذا الشأن، هو أن الأمر لا يتعلق بتاريخ عبء ولكن تاريخ –قوة. قوة  حية لا تقهر، تسكننا وتوجهنا وتضغط بثقل على أفكارنا وأفعالنا، لم يتم وضعها داخل خزانات الزمان. هي تاريخ تراجيدي، لأنها لازالت رهان حاضر يرتجف ويهتز حياة وعنفا.”[15]

كل واحدة من هذه المسارات تمثل لحظة وعي مختلفة ومتميزة داخل الوعي العربي هناك: 1-النرجيسية 2- الثورة 3- النقد الذاتي.

إذا تأملنا التمرحل، سنلاحظ بأن الوعي العربي يتطور وينمو تصاعديا داخل هذه النماذج الإبداعية. فالنرجيسية لا يمكنها في جميع الأحوال إلا  التعبير عن حالة مرضية باثولوجية. تظهر عجز الذات عن التفاعل بشكل موضوعي مع المحيط والأشياء. تمركز جنوني حول الذات، يحتكم إلى موقف طفولي وساذج.

أما ثورة مصطفى سعيد الانطولوجية، فإنها تشكل بداية أسس وعي نقدي. أي ملامسة الذات في نسبيتها وجدلياتها وتوتراتها، سواء عبر تاريخها أو علاقتها بالعالم ومكوناته.

إنه تطور حضاري راق جدا، يعكس مستوى نضج كبير عند ذات شجاعة وجريئة. ما دام، أن الموقف يفترض في حقيقة الأمر  مواجهة حقيقية وحساسة تمس الاختيارات الكبرى للذات والتي تتوزع بين إحساسيين نفسيين يتأرجحان بين النجاح أو الإخفاق. ولاشك أن النتيجة الثانية لا تكون دائما مضمونة النتائج.

لذلك، إذا دل النقد الذاتي عن شيء فإنما يدل على قدرة الذات بفاعلية لمواجهة العالم، وأن تعيد بشكل دائم  ومستمر صياغة ممكناتها، وبأن جوهرها منفتح باستمرار لا يمكنه الارتهان إلى احتمال بعينه. إنها تحس بالحياة، وبالتالي فهي ذات تاريخية وسوية  من الناحية النفسية…. أشياء ظلت تفتقدها الذات العربية.

السياق العام للكتاب وأطروحته التاوية وكذا الظاهرة، يفكران في مدى  قدرتنا على القيام برؤية جذرية بخصوص قضايانا السياسية والفكرية والثقافية والاقتصادية. والتخلص من هذه النرجيسية الفارغة التي شكلت مأساة العرب ولاتستند على أي منطق تاريخي أو مبررات سيكولوجية.

لقد ظلوا  عند حدود التغني بماض ” مجيد” يمدحونه في كل لحظة وآن. شاهد  الماضي هو الحاضر، والحاضر لا يمكننا موقعته إلا بتملك المستقبل. فالعلاقة متداخلة ومترابطة بشكل كلي، بحيث يصعب تفكيك خيوطها.

الوقوف عند الماضي وامتداحه بل  استشرافه عاطفيا ولغويا إن صح هذا التعبير، يفلت منا حتى هذا الماضي نفسه، وهو في أبسط تعريف ليس ماضينا فقط بل إرث تقتسمه الإنسانية جمعاء.

مثلما أن الحضارة الفرعونية ملك لكل إنسان أينما وجد حتى وإن كانت جنسيتها مصرية. فإن المنطق ذاته ينطبق على الإرث الفكري اليوناني أو النظام السياسي الروماني وحضارة بلاد الرافدين. ابن رشد يتقن كل اللغات، والمتنبي يزرع الحياة في جميع الأنفس الحالمة، مثلما أن سقراط أستاذ للكل….

يجب أخذ الأشياء بحس ووعي تاريخيين، حتى  نتجاوز هذا التمركز  المرضي حول الذات، وكذا مجموع العقد السيكولوجية التي ترتبت عن ذلك وبالتالي حاصرت بشكل واع أو لاواع الذات العربية.

ف: ” le moi assiégé ” عليها القيام بمجموعة من الثورات، وعلى واجهات كثيرة ومتعددة حتى تتحول إلى “أنا” مسؤولة بنضح وحرة، قادرة على مواجهة التحديات في زمان يتغير بسرعة قياسية.

اختيار الأستاذ الشارني لنصوصه. كان ذكيا وموجها، يستند على خلفية سياسية ومعرفية إنسانية بالدرجة الأولى. تلاحق تطور ونمو الوعي العربي من النرجيسية إلى  الثورة و النقد الذاتي. يقول محددا الخاصية الفكرية والنظرية للأعمال المنتقاة للحديث عن الذات المحاصرة: ” هناك نفس جديد وغير معروف في الأدب العربي: إدراك النقد الذاتي، ليس كذنب ذاتي فردي يسلب الأنا حتميا. ولكن كانفصال للذات باعتبارها  تمزق أو تقطع لأنا متأهبة، حيث تتبادلان الاتهامات فيما بينها. لكن كذلك يقر أحدهما الآخر كليا في هذا التعارض: الواحدة تسكن الأخرى وتتنكر  لذاتها. الأخرى تسكن ذاتها وتهرب من الآخر. يمكننا  أن نقول في الواقع، بأن رواية مستغانمي تمثل نمطا جديدا في الأدب العربي، حيث ينزاح الوعي عن مركزه، ويتخلى عن نرجسيته الطفولية، ويتجازو تمزقه التراجيدي المميت لكي يقبل ويتحمل الآخرية بثقة ونضج. تظهر الهجرة كما يجب أن تكون، أي كحيز للابتعاد  والتوسط. ما دام أن  وظيفتها بالضبط تكمن في تباعد  الذات عن ذاتها. إنها ليست بمرآة تحيلها إلى ذاتها كما هو الحال مع الحكيم، ولا بصحراء تجذبها وتذهب بها إلى تحققها الكلي، كما هو الحال مع الطيب صالح. بل هي على العكس من ذلك، مجال للسكينة والصفاء تكتسبها الذات من خلال وصولها  إلى سن النضج أي  العقل”.[16]

لاشك أن هذه الأعمال وبهذا العمق النظري والمفهومي، وكذا مستوى التغير الكيفي في رؤية العالم، تمثل مسارا جديدا في تراكم إنتاجات الأدب العربي المعاصر. مما يفترض كذلك مقاربة نقدية جديدة، من أجل تمثل أفق هذا الوعي  الذي يتجاوز بشكل جذري بنيات واقع اقتصادي وسياسي وثقافي متخلف ومتأخر  تاريخيا. هناك مسألتان أساسيتان بهذا الصدد:

1-إن الوعي الاقتصادي العربي عليه استثمار هذا التطور من أجل بلورة وعي نقدي متقدم على مستوى البنيات  الاقتصادية والاجتماعية. مما يعيد طرح معادلة كون البنيات المادية وإن كانت تلعب دورا  أساسيا في تأسيس الوعي، إلا أن العلاقة ليست حتمية أو ميكانيكية بل هي جدلية ونسبية كذلك. وقد تكون البنيات السوسيو-اقتصادية متأخرة لكنها تحقق عطاءات أدبية وفنية راقية جدا. والأمثلة كثيرة في هذا الصدد يكفينا الاستشهاد بروسيا القرن  19. وكذا أدب أمريكا اللاتنية.

2-المسالة الثانية، تحيل على الدور الكبير  للهجرة في  زعزعة اليقينيات الجامدة  لمجموعة بشرية ما. ذلك أن العامل  الخارجي وتسلل عنصر  الآخر إلى منظومة ثقافية ثانية، ومن خلال عنصر المغايرة والاختلاف.  يؤدي إلى إعادة النظر في مجموعة  من الثوابت والبديهيات . وبالتأكيد، فإن  المثقفين الليبراليين هم أول من دعا إلى ذلك في  تاريخنا العربي.

مع هذه التجارب الروائية، تتحمل الذات  مسؤولية إختياراتها، لتعيش مصيرها بكل حرية. تخرج من شرنقة التصورات الميتاقيزيقية الممزوجة بأبعاد أسطورية عن الذات  والقدر والمصير والاختيار والجبر….

التخلص من ذلك، يكمن في موضعة  الذات داخل  التاريخ،  ونقل وعيها الزائف القائم على مجموعة من  المحددات السيكولوجية والعصابية المرضية، إلى وعي ناضج ومبدع يخلق مسافة موضوعية وعقلانية بين الذات والآخر والعالم. لكي يحصل الوعي العربي على حريته ويتجاوز المناحي والروافد الدينية واللاهوتية التي تحاصره وتعمل على تسييجه، ثم يدخل في علاقة واقعية ومباشرة مع التاريخ. يصنع البشر مصائرهم، مسؤولون عن اختياراتهم وعليهم اقتحام الأشياء بكل جرأة وشجاعة. فالإحساس بالضعف والهزيمة يتأتى من غياب  الذات على مسرح التاريخ.

يفسر الأستاذ الشارني مفهومه للحصار بقول مضمونه أن الذات “المحاصرة” تعني أن كل مبدع من  المبدعين الثلاثة محاصر نفسيا وتاريخيا بل ووجوديا من خلال وضعية تعمل على كبحه وإيقاف اندفاعه وكدا انطلاقته.

العوائق هي: 1- النرجيسية 2- القدر والمصير 3- الذاكرة.

فالحكيم أو الطبيب  صالح أو أحلام مستغانمي، ومن خلال الصورة التي يجسدها كل واحد  من هؤلاء:1- صورة الطائرة في قفصه 2-صورة بطل حبيس وسجين مصير مرفوض،3- ثم صورة “المونشو”  الواقع تحت سيطرة العزلة والذاكرة.

صورة أو صور في بعدها المجازي تعكس كليا وضع العالم العربي المحاصر في ماضيه وحاضره وكذا مستقبله.ويشمل كل المظاهر الممكنة للحياة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية.

كيف السبيل إذن للخروج من هذه الوضعية؟الجواب على هذا السؤال في الحقيقة لا يتأتى لفرد  واحد كالشارني أو أي مثقف  تقدمي آخر.  بل هو خيار جماعي ومشروع تاريخي مرتبط بمصير أمة وكتلة من البشر، موجودة في بقعة جغرافية ما ويتحتم عليها الالتقاء بمجموعات إنسانية أخرى،  لأنها لا تعيش في جزيرة منعزلة. كما أن التاريخ يصنع آلياته ويديرها في غنى عنا وعلى الرغم من تطلعاتنا وطموحاتنا. لذلك يجب التوفر على سرعة البديهة وقوة الحدس وذكاء  الحواس لفهم ألغازه.

II-بين التاريخ والجسد

1-توفيق الحكيم: عصفور  من الشرق.

تجسد هذه الرواية نموذجا شبه كاريكاتوري لتلك” النفس السعيدة” الغارقة في نرجيسيتها والمتمحورة على ذاتها بشكل مرضي، لكي تجعل منها مركزا للعالم ومصدرا وحيدا لكل التصورات والاحتمالات الممكنة حوله.

لقد مثل” محسن” حقا  هذا النزوع النرجيسي،  من  خلال دفاعه المستميت على امتداد الرواية، على  الأطروحة  التاريخية المغلوطة التي تؤكد  تفوق المشرق على الغرب، انطلاقا من كون المشرق منبع لقيم روحية سامية. في حين أن الغرب مرتع لنزعات مادية إلحادية ولا أخلاقية، ستؤدي به حتما إلى الانحطاط.

ظل هذا  التصور مغلفا الوعي العربي، بل ولا يزال يتمظهر بشكل أو بآخر في مجموعة من الكتابات، تؤكد بأننا  الأقوى بقيمنا وعقيدتنا. في حين أن  الحضارة الأوروبية بفلسفتها الفكرية الوضعية ، تقود لا محالة الإنسانية إلى الانهيار!!! لذلك ظل محسن – بطل عصفور الشرق -ومن ورائه توفيق الحكيم، يشعر بأنه عليه القيام بمهمة: ” إعادة فتح سبل العالم الآخر أمام الأنفس الضائعة  ب “الحضارة المعاصرة”” [17]. وحيث يرتبط بعزم وقوة: ” بطريق السماء، مؤكدا بأنه قادر على تخطي كل العوائق. إذ يظهر بان كل تجربته في “مملكة الأرض” تشتغل  كتجربة مضادة  للكشف عن البطلان وبالتالي ضرورة الرجوع إلى السماء”[18] .

تمثل رواية “عصفور من الشرق” نموذج الهجرة التي كانت غايتها الدراسة وكسب العلم. طالب يحمل بين حقائبه تمثلا  نوستالجيا عن فضاءات وأمكنة الولادة. صور تشتغل سلبيا عن الذات الحاملة لها،مما يجعلها عاجزة وجوديا عن الاندماج الفعلي و الحقيقي في المجتمع الجديد.

فشل محسن في “عصفور من الشرق” في إدراك الواقع  الموضوعي للمؤسسات التي تشكل وتؤثث المحيط الجديد، تحول عنده إلى كبح وعجز نفسيين. تم التعويض عنهما بالهروب إلى الماضي أو إبداع وخلق صورة وهمية ومتوهمة عن هذا الواقع الجديد. وزائفة في تصورها المطلق لماض ” رائع” “ومثالي”. الشيء الذي يعكس عدم قدرة محسن – ومن خلاله الوعي العربي المعاصر- عن إمتلاك الحاضر وبالتالي الدخول  إلى التاريخ من بابه الواسع.

لقد انطلقت الرواية إذن من اعتقاد أساسي، مضمونه تفوق وتميز الشرق العربي عن الغرب الأوروبي. عناصر هذا الاعتقاد،  تفعله مجموعة من العلاقات الضدية والعكسية. تنصهر  في تقابلين كبيرين:

1-عنصر مكاني: حياة باريس الحديثة والعصرية.

2-عنصر زماني: زمان الماضي بإلهاماته التي ترتكز على مجموعة من القيم الروحية.

ينتقد محسن بشكل حاد  وعنيف مفهوم المكان / الحاضر  باريس.  من خلال بعض المظاهر وكذا التجليات الثقافية التي تتمظهر كذلك اقتصاديا: الفوارق بين الأغنياء والفقراء، اضمحلال القيم النبيلة، بداية الإمبريالية الجديدة وكذا تبلور أشكال أخرى للعبودية. ثم المكانة التي اصبح يحتلها  المال  في عقول الناس وأحاسيسهم مقابل كل  القيم الأخرى…. باختصار، فإن محسن يعبر بشكل من الأشكال  عن قيم الرفض  البروليتارية انطلاقا من احتكاكه المباشر  بالوضع الاجتماعي لأسرة عاملة استضافته أثناء هجرته لفرنسا.

وقد احتد شعوره هذا حين زيارته للمسرح والأوبرا، ووقوفه المباشر  على الفارق الطبقي الصارخ بين الغني والفقير في المجتمع الباريسي، مؤكدا في كل لحظة  على  ضرورة  العودة إلى “مملكة السماء” وبالتالي تمثل قيم الشرق الروحية باعتبارها ملاذنا وخلاصنا الوحيد.

فضح الواقع الأوروبي والكشف عن مأساته وانحلاله وكذا ضياعه تقابله في الجهة الأخرى حتمية ضرورة العودة إلى السماء لكي يتخلص الإنسان من العبودية والخضوع. لذلك، سنلاحظ  بأن كل  مكونات الأنا في  “عصفور من الشرق” تسير وفق استراتيجية  هذه الثنائية القطبية. وهو ما سيأخذ منحى آخر، في اللحظة  الثانية مع مصطفى سعيد في “موسم الهجرة إلى الشمال” من خلال تغير موقف الأنا حيال  العالم والآخر وكذا  الأشياء المحيطة بها. يقول الأستاذ الشارني معقبا: ” الاستعلاء والخضوع كثنائية قطبية، تظهر وتخفي بشكل تناوبي الإحساس بهذا الشعور أو ذاك. ولكنها  تقسمه بإنصاف بين الواقع والخيال. ثم بين “مملكة الأرض” و” مملكة السماء””[19].

يضع الأستاذ الشارني ترسيمة نظرية لرواية توفيق الحكيم، تقوم على ثلاثة حدود أساسية:

1-الإنسان المتخيل.

2- صلة الإنسان بالعالم.

3-الفلسفة التي تسند وتدعم هذه العلاقة.

تقوم اللحظة الأولى على سلسلة من التعارضات، تشتغل انطلاقا من تقابل جوهري بين الجسد والروح، الواقع والمتخيل، السعادة والحرمان: “كل واحد من هذه العناصر يتطور من خلال عنصر ساخر Ironique، ، يحمل مضمونه إلى مستوى مبالغ فيه، بحيث أنه يختزل وضعية مأساوية –هزلية”[20].

يرتدي محسن في هذه اللحظة جسدا بسيطا زاهدا متنسكا، خاصة وأنه قد تشبع منذ صغره بقيم:” التزهد، ولم يتخيل أبدا سعادة ، مثل سعادة السماء”[21] .

لقد اختزل هذا الجسد إلى مجرد كيان يتم تأمله من بعيد، ينظر دون أن يعطيه اسما أو هوية أو صوتا فهو مجرد جسد / شبح. روح منعزلة ملقاة إلى مملكة الأرض وفي عالم المادة، حيث:” تؤسس لتجربة الألم والحرمان كما لو أنها عوقبت بسبب مغادرتها السماء…،يعشق محسن –الفكر،  جسدا/ صنما! هذا هو عنصر السخرية”[22].

أما التعارض الثاني، فيتحدد انطلاقا من صلة الواقعي بالمتخيل. موقف وجودي يعكس إخفاق وخيبة  “محسن” في تجربته العاطفية وفشله في الحياة: “تتغدى اللذة بالحرمان والألم، مثل النقيض من نقيضه…، ولكن هذا الإشباع في الحرمان وبالحرمان يدعمه تعويض نرجيسي، والذي بالرغم من الفشل وفقدان الشيء، فإنه يبرز الذات ويسموبها أمام أعين الآخر. هكذا يتحول الإستمتاع من الشيء المفتقد إلى صورته كما تنعكس في المحيط والإشعاع الذي يبرز منها. المأساوي- الهزلي، في أوجه ما دام من جهة تعترف الذات بفشلها وشقائها. وإن كانت تضلل ذلك بآلية دفاعية. ومن جهة ثانية، تعوضه بالشفقة والعطف”.[23]

في حين يشتغل التعارض الثالث على تقابلات السعادة والحزن، الفرح والمعاناة، الابتهاج والحرمان.

كل تلك الروافد ترسم بطريقة شبه تراجيدية الصورة / الأساس في “عصفور من الشرق”: ” الطائر في قفصه”.

لقد ظل محسن محتجزا في قفصه، بينما كانت باريس تشدو ألحان عصرها الذهبي. حيت سيأخذ القفص كل دلالته: ” كمعبد للحقيقة والحرية، ومحراب للفكر ثم “مملكة  للسماء”. كما يتهيأ من أجل تلقي النقاشات النظرية الكبرى” [24].

صورة الطائر في قفصه تحكم إذن،  بل تختزل كل علاقات محسن بالعالم. وهي لا تقوم فقط على إحساس ذاتي باطني، ولكن تساهم في صياغتها كذلك الصور التي يبعثها الآخرون. إنه أكثر حرية واعتباطا من كل هؤلاء الذي يعيشون خارج هذا القفص وينعمون بالحرية الفعلية.

يستوعب محسن العالم باكمله انطلاقا من هذا الفضاء الصغير، معطيا بذلك لكلمة ” شباك” كما توظفها اللغة العربية، كامل تعدديتها الدلالية، جاعلا من المسافة القائمة بين الوقعي واللاواقعي حيزا متميزا للحقيقة. بقول الأستاذ الشارني بهذا الخصوص: “يأخذ إذن القفص ثانية كل معناه، وهو يكشف عن خلفيته التاريخية الثقافية ومحيلا على هذه المجتمعات حيث زمان الحلم ينتشله من زمان “الواقع”. وحيث أفضل ما يمكن أن يصنعه لحياته هو استعمالها بصبر”[25].

لا شكل أن تأملات محسن، تحمل نزعة روحية إشراقية تعمل على خلق إطار من الأحكام والتقييمات، تفاضل بين المقولتين الكبيرتين المشكلتين لمحور الرواية أي التقابل بين الشرق والغرب. وبالتالي بين منظومتين فكريتين: الشرق وما يجسده، حسب محسن من تعال و سمو روحي. ثم أوربا وما تعكسه مؤسساتها السوسيو-ثقافية من قيم مادية تستند إلى فلسفة إلحادية.

المشرق في “عصفور من الشرق” هو الخلاص والملجأ وطوق النجاة. إنه الرحيل الأبدي للإنسانية إذا أرادت تجاوز “انهيارات” الغرب. لذا فإن محسن يستميت في الدفاع عن هذا المشرق والمشارقة، محولا هذا العشق الوهمي إلى نرجيسية مرضية تبرر الأشياء والسلوكات بطريقة لاعقلانية.

لا تمثل “مملكة الأرض” شيئا بالنسبة لمحسن، إنها سقطة وورطة. “نهر من الدموع” والأحزان، وبالتالي من الأفضل أن لا نرتبط بها كثيرا، وأن نتسامى بخيالنا ومشاعرنا نحو “مملكة السماء” لأنها حقيقتنا ومصيرنا الأبدي. وبالتأكيد فإن القفص يؤسس بامتياز هذا المكان / الحصن الذي يشكل حاجزا بين الذات والموبقات التي تسود العالم الخارجي وبالتالي من الضروري الاعتزاز والافتخار بهذا المكان البديل: ” سيتحول القفص الذهبي، ظرفيا إلى معبد للحقيقة والحرية”[26].

يحلم محسن كثيرا، وبالتالي يفرض الواقع معطيا أسبقية للمتخيل. يباعد بين:  “قوة الخيال المتيم بوجد ملتهب إلى جسد- شبح ثم الحرمان على أرض الواقع، بل وخلوه. يظهر هذا التباعد، التباين بين ذاتية زاخرة، وموضوعية مترنحة حيث تنجح بالكاد عناصرها في تغذية وتقوية الوهم”.[27].

تغييب محسن لمبدأ الواقع، ظل يشكل نواة مأساته،لأن ذلك يؤدي إلى تمزق وشرخ نفسيين خطيرين. لا يريد حتى ولو على مستوى السيكولوجي، الإقتناع بكون  الشرق كحقيقة إنسانية وثقافية تسري عليه نفس القوانين البيولوجية والتاريخية التي تحكم باقي الجغرافيات الأخرى. حقيقته لا تختلف في أي شيء عن أية بقعة ثانية .

هنا كذلك يولدون ويموتون، يفرحون ويحزنون، يفكرون وينفعلون، يخطئون ويصيبون…. باختصار، المشرق ليس كيانا إلهيا  يحلق في السماء بل هو أولا وأخيرا ماهية بشرية.

يمثل إذن توفيق الحكيم ومعه “محسن”، لحظة الوعي الأولى  في علاقة الذات العربية بالغرب، ذلك أن الاصطدام والمجابهة المباغثة أديا إلى ارتجاح في  التوازن النفسي لهذه الذات. وكان منطق رد الفعل لا عقليا بالتأكيد.

2-الطيب صالح: وموسم  الهجرة إلى الشمال.

هذه الرواية معروفة أكثر عند القارئ  العربي وهي ذات بناء تقني دقيق جدا ومهيأ بما فيه الكفاية.

بعد عودته من إنجلترا، حيث أنهى أطروحته الجامعية، وبعد لقائه بالمعارف القدامى، فإن الراوي سيتعرف على مصطفى سعيد وهو إنسان غريب الأطوار والمزاج، شخصية كيفية تميل أكثر إلى البوهيمية جاء إلى القرية وتزوج  من ابنة أحد السكان. وفي حقيقة الأمر، فالأمر يتعلق هنا بالبطل الحقيقي كذات تعشق المغامرات والرحيل واللا-ستقرار والأسفار الكبرى، يقول الأستاذ الشارني: “مثل كل العباقرة، فإن شخصية مصطفى سعيد متعددة الأشكال والمعاني: إنه لكل العوالم والمغامرات. ويؤثر  في محاوره “صديقه الوثيق” منذ أول لقاء، يسكنه ويلازمه في عزلته ولقاءاته”.[28].

يظهر مصطفى  سعيد كشخص منقطع عن جذوره، بلا ماض أو ذاكرة حاملا  شعار:  ” أنا أكذوبة”. بلا أم أو أب  يفتقد لأي نوع من الارتباطات الاجتماعية. كائن مختلف عن باقي الكائنات الآدمية الأخرى، بلا عواطف أو أحاسيس. إنه كتلة متجمدة من المشاعر التي تنتاب باقي البشر.

أول مشهد  تم التركيز عليه  في  الرواية، هو تواتر تيمة المدرسه في مجموعة من  مقاطعها. والمسألة ليست وليدة الصدفة أو الاعتباط.  ذلك  أن المدرسة تشكل- وظلت دائما كذلك -في برنامج المثقف الوطني التقدمى مشروعا مجتمعيا وحضاريا من أجل تحقيق التقدم وتجاوز التخلف.

إن تعميم تعليم منفتح ومتين كأولية ، كأولية في  قلب الاختيارات الاجتماعية،  يمثل ذلك  بلا شك مفتاح المجتمعات العربية من أجل الدخول إلى حلقة الأمم المتقدمة.

لقد سعت الديكتاتوريات السياسية دائما إلى إفشال بشتى الوسائل، العلاقة الإبداعية  التأسيسية الجدلية بين المدرسة والمجتمع. بل ظل رهانها قائما بالأساس على تفعيل شعارات دوغماطيقية جوفاء، وإفراغ المؤسسات التعليمية من أي مضمون أو محتوى تقدمي، بل ووضع البرامج الدراسية على مقياس ومنوال الطموحات  السياسية الاستبدادية لهذه الأنظمة. بالتالي كانت النتيجة مأساوية: نسبة أمية كبيرة تنخر وتستنزف جسد  الوطن العربي، والإحصائيات مخجلة  في هذا السياق، إضافة إلى ضعف هذا التعليم وضحالة مردوديته. أو عجزه الكلي عن النهوض بالمهام التاريخية المنتظرة منه.

يشكل مصطفى سعيد باكورة هذا العنف السياسي والعسكري والثقافي  الذي يمارس يوميا على المواطن العربي.  إنه بالأحرى عنف رمزي، يغتال تاريخه وحاضره وتطلعاته وأحاسيسه وأفراحه وأحزانه…. وينعكس بلا شك على توازنه النفسي.

عاش مصطفى سعيد هذا العنف في صورته التراجيدية والمأساوية  والتي وصفها على مستوى علاقاته الغرامية الكثيرة والمتعددة حيث أعطاها أقصى احتمالاتها  على مستوى التحقق،  وكانت علاقات عنيفة في أغلب الأحيان، لكنها في حقيقة الأمر تستند على رؤية فلسفية عميقة جدا. تظهر تطور الذات العربية  والوعي العربي في صياغة مفهومية جديدة  للعلاقة بالآخر والعالم.

ركز مصطفى سعيد كثيرا في مغامراته العاطفية هاته على ثقافة منظومة الجسد. باعتباره اللغة الحقيقة والطبيعية التي يمكن أن يتكلمها الجميع دون  اختلاف  في الفهم والتمثل: “هذا  الهاجس  بالجسد يشتغل  كحيز للحقيقة  المؤكدة. حيث ينتفي كل خداع  أو كذب لتظهر الحقيقة الإنسانية في عرائها  وصفائها.  كل شيء يقوم كما  لو أن العقول انخدعت،  ولم يتلق  للبشر اللغة سوى اللغة الطبيعية يقوم كما لو أن العقول انخدعت، ولم يتبق للبشر سوى  اللغة الطبيعية تلك التي  تربط بين الأجساد وتمكنها من التواصل في صمت أي في تركيبها  الخاص: لغة الحب  والموت”[29] كما أنه: ” فيما وراء  أكاذيب الثقافة والعوائق

والانشطارات والمصالح والأنانيات، ثم والحسابات الدنيئة وكذا الأنفس البئيسة. تبقى طريق  الطبيعة والجسد قادرة على أن تسو عند كل واحد منا وتجعله يدرك العلاقة مع الآخر”[30].

نستخلص بمعنى من المعاني دعوة لتجاوز لغة الإيديولوجييا والأفكار والتمركز على الجسد. لأنه اللغة الوحيدة التي توحد وتجمع بين الأفراد والشعوب، وتردم الهوات والاختلافات وتملؤ الثغرات التي تصنعها وكذا  التمايزات بين الأمم  والشعوب. باختصار، الجسد لغة يتكلمها ويفهمها  الجميع:” كل شيء يتم  في الواقع كما لو أن ثقافات الجسد، البسيطة  والوفية لإنسانيتها. تظهر اليوم كأفق للخلاص، وواحات للسلام ومرافئ للحب. وبإمكان البشرية أن تجد من خلال ذلك بعضا من شبابها. يبدو بأن ثقافات الجسد والشهوة تشتغل اليوم بالنسبة للعالم الصناعي  تقريبا مثل المجتمعات البدائية بخصوص ” المجتمعات البوليسية””[31].

ظل الأفق الفكرية للمجتمعات العربية، ينظر بنوع من الارتياب إلى الجسد:  مما جعل  التراكمات النظرية في هذا الإطار قليلة جدا. لأنه تم الربط دائما بين الجسد والخطيئة، كما أن الإيروس يحيل على الطابو والمحرم.

الحديث عن الجسد في الثقافة العربية  مبحوح ومحتشم بل مجروح.الجسد محاصر، لأنه الذات في فاعليتها المباشرة والآنية. وبما  أن الأنسقة  الكليانية، والمنظومات الدوغماطيقية تتوخى تحييد وقتل هذه الفاعلية. فإنه من الضروري ضبط العنصر الأساسي في هذا اللعبة وتحويله إلى مجرد هيكل.

كل تحرر للأجساد يمثل انطلاقة واندفاعة كبرى للتاريخ. ولذلك فإن ” رواية “موسم الهجرة إلى الشمال”  ،إضافة إلى نصوص أخرى رسخت رؤية ومنظور جديدين للمتن الروائي العربي.وكذا الحمولة المعرفية والمضمون الإيديولوجي لخطابه. وبالتالي،  إضافة إلى جدتها وروعتها على مستوى اللغة والررؤية الفنية ومضمون الوعي. فإنها، خاصة مقاربة جديدة ومبدعة للجسد، ارتفعت بهذا الكيان إلى درجة متميزة حضاريا.

لقد توقف على أن يكون خطيئة، أو مجرد أداة للإشباع الغرائزي بل استرجع وبامتياز قيمته الفلسفية. أن تكتب عن الجسد، معناه أن تكسر جدار وحاجز الصمت عن جزء كبير من الثقافة العربية بقي مهملا وهامشيا ومغيبا، في حين أنه يمثل تعبيرا كبيرا داخل الثقافة العربية.  لذلك من الحتمي، خلخلة ثوابت هذه القيمة المحظورة.

الجسد محظورعند السياسي ورجل الدين وأصحاب المعتقدات الجاهزة…. ولاشك أن “الذات المحاصرة” لا تخرج عن براثين هؤلاء، حيث نجد العلاقة عكسية وطردية بين الذات العربية ووجود هؤلاء.كلما ضعفت سلطة الكليانية إلا وتحررت الذات. أما حينما تتقلص  وترتد مدارات هذه الذات فإن لحظة السياسي المحافظ والمتدين الرجعي تصير محددة لما سواها.

يجب إذن القيام بعمليات أركيولوجية داخل الثقافة العربية القديمة منها والحديثة للتنقيب عن النصوص التي تستلهم هذه الروح الحداثية واستثمار ذلك لبناء هذا الأفق الجديد الذي نتوخاه لتقافتنا.

هناك تطوير في الرواية وصياغة جديدة لثقافة الجسد وكذا ثقافة الطبيعة. ذلك  أنه في الصحراء الشاسعة ذات الطبيعة القاسية والقاحلة، فإنه يتم التمركز بشكل كبير على التوظيف  الجسدي والقوة الفزيائية. حيث يلعب ذلك دورا محددا  وأساسيا في المجابهة المباشرة مع الطبيعة تتضاعف القيمة الحضورية والتأسيسية للجسد. يعقب الأستاذ الشارني على ذلك قائلا:”الثقافات المتواضعة أو  “الباردة” لم تعد بأي شيء: مع بقائها ملتصقة بتواضعها “وبرودها”. فإنها لم تترك أبدا مجالها: لقد بقيت دائما كما كانت ثقافات للجسد. مند البداية ينكرون الجسد، حتى  ولو كانوا في الغالب ضحيته الصامتة والمحددة. لقد جعلوا دائما من الجسد في الآن ذاته فضاءهم الرمزي وكذا ثروتهم النفسية: شيء تجب صيانته وإعادة إنتاجه، وموضوع يجب تقويته وكذا التسامي به. وسيلة نعيش بها  الطبيعة ونتمتع بها”[32] .

الاحتكاك بالطبيعة والقسوة التي تبديها،  ثم محاولة السيطرة على قواها هو ما يوحد الشعوب بأكملها، ويجعلها تواجه المصير نفسه.  من تم تتكلم لغة مشتركة  أي لغة الجسد. ففي صحراء شاسعة ومترامية الأطراف لا يمكن إلا الرهان على الجسد، لأنه وحده يكفل البقاء.

مصطفى سعيد والذي ظل يعرف نفسه كأكذوبة، نبي الصحراء الجديد . جاء كمنقذ للإنسانية ومبشر بثقافة وفلسفة بديلتين للجسد. لأنه في الحقيقة الأمر المقياس والمرجع الوحيد لكل ثقافة تسعى إعطاء الإنسان آدميته الحقيقية.

تحديد الذات باعتبارها أكذوبة- شيء غير قائم، مجرد عدم ومساحة لغوية تلوكها الألسن في حين لا مقابل لها على أرض الواقع – يمثل وعيا نقديا إيجابيا يقابل بشكل جذري الوعي النرجسي المرضي كما يحضر عند توفيق الحكيم.

أنا أكذوبة، وأن كانت تظهر نوعا من الدونية والعدمية، فإنها على المستوى النفسي تعكس شعورا صادقا وتاريخيا، يؤكد بأن هذه الذات حية جدا، ومشاعرها قائمة. تتفاعل جدليا وبشكل ذكي وجيد مع الأشياء والعالم. إنها لا تقتنع ولاترضى بتاريخها بل تطمح دائما إلى الممكن المنفتح الذي هو أفضل وأحسن.

أنا أكذوبة، انتقاد تاريخي وبلاغي من الناحية الانطولوجية لواقع يثير التقزز والغثيان عند نموذج إنساني كيفي ومتميز جدا كما هو الشأن مع مصطفى  سعيد.

أنا أكذوبة، إيمان يقيني بالمستقبل وخلق لانفتاحات لا نهائية  لكي تبلور الذات كل احتمالاتها. تكسير وتحطيم أصنام  نرجسية فارغة، منتفخة بأوهام وسذاجة اليقينيات والمعتقدات الزائفة. حالة صادمة لوعي يعتقد بأنه مكتمل ومطلق.

أنا أكذوبة، بداية وفاتحة عهد جديد للوعي العربي .لحظة تأسيسية بامتياز. فالإحساس بالعبث وللاجدوى يفصح عن وجود خلل في علاقة هذا الوعي مع نفسه والعالم. شعور بقدر ما ينفي ويلغي فإنه يؤسس ويبني ويبدع.

يقول الأستاذ الشارني مختزلا رؤيته المعرفية لمغامرات هذا العربي الجديد مصطفى سعيد في تجاوز جريء لانطوائية محسن:” بالموازاة نعاين لاتمركزا للذات، كتشهير ذاتي يأخذ شكل نقد ذاتي، ورد الاعتبار للآخر أو في جميع الأحوال تحييده كوجه غريب عن مأساة الأنا. ولكن يظهر بأن هذه المحاكمة تشير إلى نشوء تراجديا، نلاحظ بأنها تظهر وتنمو وتنحل حسب تمنهج وعي نقدي مستعد لمواجهة العالم وكذا مواجهة عالمه، وأن يبدو قويا في تحمل مصيره وأن يمتص ذاتيته.لم تكن الرواية الأولى إلا نشيد  ذاتية منذهلة بنفس سعيدة، راضية عن ذاتها وأسطورتها. ولكن مثل كل  نفس سعيدة. فإنها تفرغ العنصر الدرامي وتدفعه إلى ماوراء حدود ذاتيتها، والتي تظهر بأنها أسرها الحقيقي. إنها نفس تمتدح الغنى في لب فقرها، والحرية في صميم عبوديتها ثم المعرفة في جوهر جهلها.إنها أسير أوهام تجعل منها ديكورات متسامية لسجنها. لأن النفس  السعيدة كيان  تعويض، تبحث  على حجب  فرغها بأتاث من  قش وأن تبدد عتمتها العميقة بنيران زائلة. في هذه العلاقة مع ذاتها والعالم تندرج علاقتها مع الآخر، والذي يختفي هو كذلك في حقيقتها، ويظهر  في صورتها الوهمية. لهذا السبب،  فإن هذه العلاقة  لا تقوم لا على اتفاق أو اختلاف  ولا تعطي  حيزا لتحالف أو مجابهة. إنها مستوعبة كليا في نوع من العلاقة الانطوائية والنرجيسية حول الذات، حيث تحاصر الذات وتخفي عنها وجه العالم. بالمقابل، فإن الرواية الثانية تمثل لائحة سوداء عن عالم يتزحزح حيث يقوم الوعي الشقي بشكل مريح. هنا تصنع المأساة دخولها المجلجل إلى العالم الروائي العربي. تظهر الذات صراحة اضطرابها العميق وتعلن علانية وبقوة عن جرحها وتمزقها. مع ذلك، فإن الماساة تبقى حبيسة عنصر خارجي يبدو بأنها تعيشه كحتمية. كما هو الحال، مع اليونان فإن البطل بالتأكيد يتحرك بقوى داخلية، تفرض عليه من الخارج ولا يمكنه إلا الخضوع لها بشكل أعمى .إنه مشهد جميل في سواده ترسمه الروح العربية المستسلمة لقدرها والخاضعة لمصيرها، مصير ترسخ منذ الأزل. لكن مايثير الانتباه، هو أن العلاقة مع  الآخر  تندرج  ضمن منطق القدرية. بقدر ما تحمل الذات اضطرابها  وتصرخ تمزقها،  فإنها تنخرط في المجابهة والصراع مع الآخر. إنه صراع مفتوح وقوي،  يحدث  على جميع المستويات ولكنه ينتهي دائما بفشل الذات. لأنه  في حتمية القدر هاته التي تسلب البطل، فإن الفشل  عملة مهيمنة، بدونها فإن المأساة لا معنى لها. في شبكة القدر  هاته، يجب في الواقع أن يكون  الآخر مرتبطا بقوى الشر، مجسدا عنصر مؤامرة واسعة ضد الذات، تأخذ أحجاما كونية تقتضي من بين شروطها سقوط الذات.

مصطفى سعيد بطل حقيقي للتراجيديا العربية بذاتيته المضطربة وخضوعه للقدرية ثم فشله النهائي والمميت. لهذا  السبب ومثل بطل عند شكسبير فإنه  لا لايتوقف عن تعريف نفسه ك “شبح” ، “طيف” و أكذوبة”. إنه يمثل هذا الوجه السياسي والفني الذي لا زم  وأغرى في جماليته الروائية الوعي العربي الملغوم بهذه  التناقضات، والغارق في واد من الدموع يحتفظ بالكاد على القوة بأن يقول “النجدة””.[33]

3-أحلام مستغانمي: ذاكرة الجسد:

رواية أحلام مستغانمي، قصيدة مهداة إلى الهجرة والمنفى  والألم والحنين.

تصفية حساب مع التاريخ والذات، ومحاكمة  لما مارسناه  على هذا  التاريخ.

في حين كانت رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” نفسها إعادة تصفية حسابات  مع التاريخ بمعنى  من المعاني، لكن كمقولة كونية مجردة، ذات حمولة فلسفية عميقة. فإن عمل مستغانمي يحاكم ويمارس نقدا ذاتيا على تاريخ وقائعي وسياسي مباشر.

تأملات “الطيب صالح تحيل على تراجيديا إنسانية في صراعاتها النفسية والوجودية، تعيش تمزقا وانقساما بين إكراهات المصير المشترك المرتبط بوضع زماني ومكاني محددين ثم  طموحات شخصية لا نهائية.

بينما رواية أحلام مستغانمي تفضح وتكشف  عن فشل المشروع  السياسي للدولة الوطنية، وإحباط أجيال بأكملها نظرا للإخفاقات السياسية والاجتماعية الكبيرة التي تلث مباشرة ما سمي بتصفية الاستعمار، وإن كان من الضروري وضع ذلك بين مزدوجتين نظرا لأن خروج هذا الاستعمار  بقي في نهاية المطلق صوريا وشكليا  بعد أن وطد  طبقة إقطاعية هجينة، حتى ترعى  مصالحه الاقتصادية والعسكرية. وبالتالي، فالثورات التي خلفت آلاف الشهداء  والمناضلين – يكفي  أن نستحضر مثال الثورة الجزائرية  – ذهبت سدى وعبث ومع أدراج  الريح. كانت تضحيات هؤلاء مجرد  نباح كلاب، حيث سرعان ما عادت الأمور إلى طبيعتها الأولى. اشتغلت الأنظمة العسكرية والديكتاتوريات الفاسدة وفق الاستراتيجيات الاستعمارية لتبقى البنيات المجتمعية جامدة، وما نتح عن ذلك  من تراكمات  تحولت مع مرور الأيام إلى أزمات هيكلية وبنيوية تدفع  اليوم الشعوب الثمن غاليا بسببها.

لا تخوض رواية أحلام مستغانمي في تاريخ مثالي، ولكنها تقوم  على أحداث محددة ومعطيات واقعية. تاريخ يظهر كخلاصة سلبية. وتختلف عن عمل  الطيب صالح في كونها تقود  مشروع محاكمة مقصودة للذات والمجتمع، مع تبني طريقة الرواية  السياسية. لكنها  على  منوال “موسم الهجرة إلى الشمال”، فإن النص يقارب ويمارس لعبة لغوية عن تاريخ يختلط ويمتزج فيه  الحب بالموت. بطل “ذاكرة الجسد” يعيش سيكولوجيا  تمزقات وتشظيات كثيرة ومتعددة. فالمونشو الذي يقيم في باريس بعد أن فقد يده في الجبهة وترك الجزائر، يتأمل من منفاه الإختياري وبشكل ساخر مفارقة سوريالية. حيث مكر التاريخ واستهزاء القدر. ذلك أن أولئك الذين ظلوا يحاربون المستعمر الأوروبي هم الذين يلهتون اليوم إلى قنصليات هذا المستعمر في طوابير طويلة من أجل الحصول على جواز العبور. أوربا هي الملجأ والخلاص.

يعني ذلك بان التاريخ توقف عن  السريان كليا. لم نحقق أي شيء منذ خروج المستعمر عن الأرض العربية. وبالتالي فإن شعوب المنطقة تجد نفسها محاصرة بين مخالب واقع اقتصادي واجتماعي متردي جدا. مما يدفعها إلى هجرة أوطانها للبحث  عن حق في الحياة وشرط مقبول للوجود.

يخرج الوعي العربي هنا من تمركزه الذاتي ويترك نرجيسيته الطفولية. ثم يتجاوز تمزقه التراجيدي القاتل حيث يتعامل مع الآخر  بنوع من الموضوعية والنضج والحكمة. وتتحول الهجرة إلى فضاء للتأمل وخلق  المسافات. إنها ليست مرآة تحيله إلى ذاته كما هو الشأن مع الحكيم.

ولا صحراء تدفعه إلى تحققه الكلي أو  النقي المطلق كما يحدث مع الطيب صالح. بل على العكس تشكل الهجرة في ذاكرة الجسد مجالا للهدوء والسكينة والتفكير. كما أن الآخر يغير من وجهه، فهو ليس أخرية الذات، بل وجه ثان للذات نفسها في لحظة مجابهة: ” يغير الآخر من وجهه، إنه ليس قط الآخرية أو إفساد للذات، سلطة غربية عنها  بحيث يتواجدان في علاقة  مجابهة تاريخية، إنها الوجه الآخر للذات،  نصيبها الملعون وجزؤها الفاسد”[34]. تصور يسعى إلى رؤية جديدة للتاريخ تزيح عنه الحمولة التيولوجية و الإكلينيكية، لكي نلمس  تطوره الموضوعي العقلاني.

فأكبر سؤال يطرح اليوم على الوعي العربي – والأدب العربي بطبيعة الحال مكون أساسا لهذا الوعي- يتمحور حول التاريخ والزمان. والتفكير في ذلك، يعني محاولة القبض على المصير.

تشتت وتبعثرت إمكانات الذات في الزمان والتاريخ يحتم مسألة البحث في العلاقة التداخلية  والتفاعلية بين الزمان وهذه الإمكانات.

الزمان وحده يموضع هذه الإمكانات ويحدد  لها شروطها. وبالتالي يشكل التنظير للزمان مدخلا أساسيا ومفتاحا لكل تحقق فكري سليم.

افتقد الوعي العربي للزمان والجسد والتاريخ. أصبح يحاصر ممكناته باستمرار لأن الجسد حرية والزمان سيرورة  والتاريخ تبلور. أي علاقة بين الزمان والتاريخ؟ الزمان مقولة ميتافيزيقية والتاريخ مجال وقائعي الأول رؤية مفهومية والثاني تموضع تجريبي.

لقد ظل التاريخ العربي ملتصقا بمفهوم ثيولوجي .فالزمان  سيرورة إلهية والتاريخ لحظة مطلقة تكتمل في غياب أية مبادرة بشرية. فهم ستكسره رواية ذاكرة الجسد وقبلها موسم الهجرة إلى الشمال. حيث التاريخ وضعي يأخذ مساره الحقيقي باعتباره حصيلة مواقف واختيارات إنسانية محضة. لذلك يمكننا إعادة كتابته من جديد وتجاوز  صيغه الخاطئة.

الارتكاز على التاريخ باعتباره الحلقة المفقودة أو المغيبة من قبل أعداء التاريخ، أي أولئك الذين يتوخون بقاء المجتمعات العربية على  الهامش منه.  ننتقد تاريخنا السياسي ونسعى إلى تجاوز زيف وأغلوطات إرثنا الثقافي.

الشعوب لا تملك إلا تاريخها، وتكتب حكاية الوطن بعرقها ودمها: ” بينما آخرون يكتبونه في جدادات وكذا أرشيفات بوليس فظيع وجيوش  دموية ثم يوقعونها بختمهم الزجري” [35]

تم حقا اغتيل التاريخ العربي، وانحرف عن الدروب التي كان عليه أخذها من أجل أن يكون تاريخنا الحقيقي والفعلي. ممتلىء بالأكاذيب والديماغوجية.

وبالتالي فإن أسماء مثل “مصطفى سعيد” ” أو ” المونشو” وغيرهما في نماذج إبداعية أخرى، تمثل في حقيقة الأمر تراكمات كيفية في تطور هذا  الوعي. تؤكد على ضرورة محاكمة التاريخ بكل  نزاهة وموضوعية وتجرد من أجل الحاضر والمستقبل.

العودة إلى الماضي، تكون هنا نسبية محكومة برؤية تاريخية للوقائع والمعطيات وبالتالي لا تضخيم ولا تعديم. وإنما تأخذ الأحداث حسب شرطها وحجمها الواقعي.

لقد ظل التاريخ عقدتنا بامتياز، يخيفنا ونخشى من لعبة مكاشفته فتحدث عملية  الهروب  والمراوغة، كما نخلط بين التاريخ والتراث. يتم الحديث عن  أحدهما باسم صور الآخر، نسقط صورتنا  التقليدية للثرات على التاريخ. في حين تأخذ المعادلة الصيغ التالية: التاريخ تراث، وللتراث تاريخ.

التاريخ حكم بشري وقيمة انسانية، من الضرورة  إذن خضوعه لمنطق وضعي انطلاقا من عملية تقويم لانفعالات وعقلانيات تتأرجح بين جدلية السقوط  والتحقق.

التاريخ إذن هو محور الروايات الثلاث، لكن مع اختلاف الرؤية فيما يخص المقاربة. مع الحكيم بقي هذا  التاريخ غالبا ومسيطرا وقابعا داخل أقبية من ذهب. وفي  اللحظة الثانية مع الطيب صالح وأحلام  مستغانمي، فإنه سينزل من برجه لكي  يخضع للفحص  والتحليل والتمحيص والنقد ثم المحاكمة إيجابا أو سلبا.

يجب أن تحقق ثورة على مستوى الكتابة، تلامس أجسادنا وتاريخنا. حتى  نعيد لرؤيتنا حيال العالم شيئا من انتباهها ويقظتها.

مادام الجسد مغتصب والتاريخ مغيب أو مزيف فلا يمكنا  البتة التفكير في إمكانية خلق منظومة ثقافية عربية قادرة على التكلم بلغة العصر.

الأعمال الثلاثة صرخة ضد واقع عربي مترهل، تحركه مؤسسات ثقافية وسياسية واجتماعية شائخة وقروسطية. تقوم على نظرية ماضوية ونزعة تقليدانية. يقول الأستاذ الشارني وهو يتأمل الموقف: ” بالتأكيد فالتقليدانة سلوك ينحو إلى إعادة إنجاز حلول مستهلكة داخل مواقف جديدة. إنها تمثل بشكل عام نوعا من اليرقان التاريخي. يعيق بل يوقف أحيانا وبشكل جلي تطور الشعوب التي يصيبها…. لهذا السبب، فإن التقليدانية لم تكن أبدا واقعة كونية داخل مجتمع ما. إنها دائما موقف مجموعة إن لم تكن طبقة يجب دائما محاربتها”.[36]

خيانة الثورة والمبادئ الكبرى التي ذهب  ضحيتها آلاف الشهداء وذلك لتحقيق مجتمع عادل يقتسم ثروته وخيراته الجميع، وفشل المشروع السياسي الوطني. أديا إلى دخول المجتمعات العربية مرحلة ما قبل الكولونيالية  وإخضاع المواطن العربي إلى سيادة أنظمة كليانية لا تؤمن إلا بالحكم الفردي الأتوقراطي. عملت على تجميد  المسارات الطبيعية الممكنة لأي تقدم مجتمعي، فأقامت دولة داخل الدولة وعملت على اجتثاث كل ملامح ولبنات المجتمع المدني الذي تسيره مؤسسات حرة.

لقد تحدث المونشو في ذاكرة الجسد عن نوع من الاغتصاب الســياسي le viol politique لرسم الصورة التي حدثت مباشرة بعد الاستقلال بين حركات التحرر والأنظمة السياسية. الاغتصاب في مفهومه الجنسي يمثل ويعبر عن واقع حقيقي، تم فيه خطف واغتيال عذرية التاريخ أي تلك الأحلام العفوية والنبيلة لكل الناس وحقهم الطبيعي في حياة كريمة يقول الأستاذ  الشارني:” نلاحظ إذن قيام معادلة بين الصنف الجنسي للتملك المغتصب للوطن، والصنف السياسي للتملك العنيف، أي بالقوة ودون شرعية.”[37].

تطرح رواية “أحلام مستغانمي” إذن كخلاصة فشل  الأنظمة الوطنية في تحقيق استقلال فعلي وحقيقي، واستثماره من أجل بلورة اختيارات سياسية واقتصادية حقيقية، كان من الممكن أن تضعنا حقا في  قلب التاريخ.

لقد أخذوا البلاد واغتصبوها سياسا، بالمفهوم الجنسي للكلمة. لذلك فإن المونشو وضع في نفس المستوى، الاغتصاب السياسي والجنسي مادام أنهما يحيلان على المعنى ذاته. كما أن الوطن كالمرأة مشاعرهما زئبقية تعيشان أقصى تجلياتها.

قد يحتضنك الوطن ويضمك بقوة إلى صدره حتى  تكاد تنقطع  أنفاسك. كما قد يتحول إلى وحش  يلقي بك إلى أقصى غياهب الجحيم.

وربما الصيغة التي حضرت بها  المرأة عند مصطفى سعيد أو المونشو، كما كشف عنها الأستاذ الشارني بذكاء وبلاغة  يمكن أن نعكسها هنا على الوطن لنقول: ” يتم تقديم المرأة كغاية ومرة كوسيلة، ومرة كحاملة للحب والأمل”خصوبة” ومرة يتم ربطها بالحيل والمساومة والابتزاز. ومرة يتم تملقها ومداهنتها ومجاملتها واحترامها ومرة مكروهة ومرفوضة ومحتقرة وتباع بالجملة أو التقسيط”[38].

هو  الوطن كذلك، يتوارى أحيانا من مساحة  أحلامنا، حينما يتنكر لجوارحنا. لكننا رغم كل شيء نعشقه إلى النخاع مثل المرأة تماما.

*كاتب وباحث من المغرب



[1] Amor Cherni : iibid , page 16

[2]Amor Cherni : iibidem .

[3] للاطلاع على نص هذا الحوار أنظر: جريدة القدس (لندن)، العدد 4897، 23 فبراير 2005 وكذا العدد 8049، 23 شتنبر 2005 من فكر وإبداع الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي،( الدار البيضاء)

[4] جريدة القدس العدد 4897، وكذا جريدة الاتحاد الاشتراكي العدد 8049.

[5] Amor Cherni : figures de l’émigration . page 139

[6] Amor Cherni: figures  de l’émigration page 12

[7] Amor Cherni: iibid page 13/ 14

[8] Amor Cherni: iibid page 10

[9] Amor cherni : iibid Page 48/49

[10] Amor Cherni iibid :Page 16

[11] Amor Cherni : iibid page 19

[12] Amor Cherni : iibid page 31

[13] Amor Cherni : iibid page 32

[14]Amor Cherni : ibid page 37

[15] Amor Cherni : ibid. page 128/129

[16] Amor Cherni : ibid page 124-125

[17] Amor Cherni : ibid page 34

[18] Amor Cherni : ibid page 57

[19] Amor Cherni : ibid page 36

[20] Amor Cherni : ibid page 40

[21] Amor Cherni : ibid page 57

[22] Amor Cherni : ibid page 40

[23] Amor Cherni : ibid page 41

[24] Amor Cherni : ibid page 43

[25] Amor Cherni : ibid page 45

[26] Amor Cherni : ibid page 43

[27] Amor Cherni : ibid page 45

[28] Amor Cherni : ibid page 73

[29] Amor Cherni : ibid page 84

[30] Amor Cherni : ibid page 87

[31] Amor Cherni : ibid page 101/102

[32]Amor Cherni : ibid page 87

[33]Amor Cherni : ibid page23/ 24

[34] Amor Cherni : ibid page 125.

[35] Amor Cherni : ibid page 132

[36] Amor Cherni : ibid page 136

[37]Amor Cherni : ibid : page 152

[38] Amor Cherni : ibid :page 150

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق