ثقافة المقال

بقايا الواقع تغرق في الخيال

دريسي رفيقة*

وسط هذا الزخم و التنوع في التكنولوجيات المعاصرة، و في ظل فجوة رقمية تزداد اتساعا يوما بعد يوم بين دول الشمال والجنوب، ونظرا لعدم ارتباط مجريات الواقع بهذه الكلمة (الواقع) ولا حتى بمشتقاتها!؟ بسبب كل ما نراه اليوم مع علمنا أن ما خفي كان أعظم حق لنا التساؤل: هل يمكن اعتبار شباب هذا الجيل من أصحاب الحظ السيئ، أم أنه محظوظ إلى درجة كبيرة لحصوله على تأشيرة مجانية سمحت له وبكل حرية دخول عالم الخيال من بابه الواسع. الخيال في مفهومه البسيط هو الحل البديل عن الواقع أو الفضاء الذي يتسع لكل الشباب من كل أنحاء العالم باختلاف جنسياتهم، دون تمييز بينهم سواء بسبب اللغة أو المذاهب الدينية أو المعتقدات الفكرية أو حتى الطبقات الاجتماعية،  فيه تلغى كل الحواجز والحدود ويتم التخلي عن البروتوكولات التي تلعب دور المواد الحافظة في علب الأطعمة المصبرة المستهلكة بكثرة هذه الأيام!!

يومياتنا بما فيها من صعاب وكل ما نعيشه من مشاكل اجتماعية بالدرجة الأولى، وما يرافق هذا من سخط وغضب سببه الأوضاع الراهنة في ظل التزييف الإعلامي للحقائق والوقائع، وذلك بتصوير العالم الغربي على أنه جنة الله في أرضه وكذا ممارسة تهويل الأمور والدخول فيما يسمى بالحرب النفسية ضد عدو مجهول، وكل ما انجر عن هذا وذاك من نتائج وتبعات حولت الشباب العربي إلى محترفين وهواة في جذب الأنظار ولفت الانتباه، بحثا عن حلول لمشاكلهم وليس المهم عندهم الوسيلة بقدر ما تهمهم الغاية وراء ذلك؛ فهم ممن يقرون بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة. ولأن غايتهم أسمى من النظر في شرعية الوسائل تقمص الشباب أدوار البطولة لبعض الروايات البوليسية وذهب بعيدا في خيال أجاثا كريستي وأمثالها. أو تاه في الأحلام الوردية للقصص العاطفية في محاولة يائسة منه للفرار من واقعه الروتيني، فيما يفضل البعض ممن لم يحالفهم الحظ على أرض الواقع الغوص في أعماق الخيال والإبحار في عالم الانترنت بحثا عن غرف الدردشة أو تبادل الأفكار وحتى تفسير الأحلام!

فئة أخرى فضلت الغوص عميقا والإبحار بحثا عن الأحلام الضائعة والمثل والأخلاق في المدينة الفاضلة، هو ليس إبحار في الشبكة العنكبوتية، وإنما غوص في الواقع بحثا عن الخيال أو دخول في مغامرة قد يصلون بعدها إلى ما وراء البحار، هذه الفئة من الشباب أصبحوا في حالة خطيرة و متقدمة من الضياع، لهذا فضلوا المجازفة بحياتهم (التي لم تعد تعني لهم شيئا) وبالتالي وضعوا أرواحهم فوق أي شيء يطفو على سطح الماء، لتبدأ الرحلة من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى والاستمتاع بالحياة المثالية، دون علمهم أنهم في الحقيقة اتجهوا نحو المجهول.

يقال أن كل الطرق تؤدي إلى روما، كما أن الموت واحد وإن تعددت الأسباب. للأسف هذا ما يحصل اليوم فالشباب الذي يعتقد أنه سلم من الوقوع في شبكة العنكبوت والإدمان على الانترنت، وقع في إدمان أخطر وأعظم فأصبحت الانترنت أرحم بالنسبة له، ومن يعتقد نفسه نجا من الموت غرقا في مياه البحر هو دون شك من ضحايا الكحول و المخدرات والموت لا محالا لكن ببطء .

ما حصل اليوم هو أن الواقع أغلق أبوابه في وجه الشباب، مخلفا وراءه عشرات الضحايا هم بقايا أفعال لم تنفذ على أرض الواقع وشتات كلمات لن تكوِن (حتى وإن اجتمعت ) جملة مفيدة، فكيف يعتمد عليها في إنجاز مشاريع مفيدة و بميزانيات ضخمة ؟!  عموما هذه من المفارقات العجيبة والنادرة التي قلما نجدها في المجتمعات. شباب اليوم أو ضحايا الواقع على حد تعبير البعض، هم في الحقيقة ضحايا للخيال وبكل ما تحمل الكلمة من معاني وأبعاد. ضحايا الخيال هم المجرمون والضحايا في نفس الوقت وهم الجناة والمجني عليهم. وهذا ليس شيء غريب بما أنه لا وجود للمستحيل وبما أننا في زمن المفارقات.

*طالبة في قسم علوم الإعلام والاتصال.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق