ثقافة المقال

أوريد يكشف المستور عبر روايته رباط المتنبي

أتريد حياة سهلة ؟ ابق إذا في القطيع .. وانس نفسك في القطيع
– نيتشه

حمزة الذهبي- المغرب

ما إن فتحت رواية رباط المتنبي للكاتب المغربي حسن أوريد الصادرة حديثا عن المركز الثقافي العربي، حتى جرتني إليها جرا، لأجد نفسي غارقا في بحرها الذي تمتزج فيه الأزمنة، وتختلط فيه الأمكنة، ويصعب فيه التمييز والتفريق بين الحقيقة والوهم، الجنون والعقل، الخيال والواقع. الماضي والحاضر . كيف لا، والمتنبي قد إنبعث من مرقده، وطاف العصور، ليحل في عصرنا هذا، بالضبط في مدينة الرباط عند الأستاذ التي تجاوزت سنوات عمره الخمسين . والسبب ؟
كي يتحدث المتنبي ، هذا الشاعر الفذ، من خلال الأستاذ إلى الجموع المُكبة على وجوهها من غير هدى (ص15).
بيد أننا ونحن نبحث عن ما أراد قوله هذا الشاعر، مالئ الدنيا وشاغل الناس، سرعان ما نكتشف أن الأمر معاكس لهذا تماما فليس المتنبي هو الذي يستخذم الأستاذ بل الأستاذ هو الذي استحضر المتنبي، بعته من مرقده وسكنه واستخدمه ليعبرعن واقعه الذي لم يتغير عن واقع المتنبي فالعرب لا زالوا كما كانوا ، قبائل تتناحر، الجهل مستشر وغاية الدين أن يحف المسلمون شواربهم. لم يعد أحد يأبه بهم أو يأخذهم مأخذ الجد، فالعرب توقفوا عن النمو في لحظة زمنية معينة إن صح القول، وأي حديث عن التقدم، التطور، النمو، تغير في العقلية العربية، ليس إلا حلم لا نريد أن نستيقظ منه إذ لو استيقظنا لوجدنا أنفسنا زمن المتنبي (ص220). فالبنية الذهنية داتها، يطبعها التفكير الميتافيزيقي، والمقاربة الإنشطارية من علاقات ثنائية بين حاكم آمر ومحكوم خانع ، وليست عقدا، المرأة بضاعة، والأطفال تحت الحجر، ولا مكان إلا للرجال (ص 217) ومهما ثاروا على أنظمتهم لن يتغير شيء ، لأن أرضهم قاحلة لم تنبت مونتسكيو ولا فولتير ولا هولباخ ..

سينتقلون من نظام قديم إلى نظام أقدم منه ، ومن قرون وسطى إلى أخرى .. مع روتشات بسيطة..(ص 241 )
مما دفع الناس إلى نبذ الأستاذ والحُكم عليه أن يقبع في مصحة بوسيجور في جناح الأمراض النفسية مع زمرة المجانين .
هذا الأمر ذكرني بكهف أفلاطون
قأفلاطون في الكتاب السابع من جمهوريته يطلب منا أن نتخيل رجال سُجنوا منذ نعومة أظافرهم في مسكن تحت الأرض على شكل كهف، مقيدين بالأغلال، بحيث لا يستطيعون الإلتفات ورؤية ما يقع خلفهم، يستطيعون رؤية فقط ما يقع أمامهم في مؤخرة الكهف ، وخلف هؤلاء السجناء توجد نار، وبين النار والسجناء يمر أناس يتجاذبون فيما بينهم أطراف الحديث بينما يحملون أشكال بشرية وحيوانية من خشب أو الحجر، فترتسم ظلال هذه الأشكال على جدران الكهف. وبما أن السجناء لم يخرجوا قط، فكل ما يعرفونه هي هذه الظلال المهتزة التي ترتسم على جدران الكهف ، ويخيل إليهم أن صدى المارة هو صوت الظلال. ثم يطل منا أن نتخيل أنه حدث في أحد الأيام أن تحرر أحد هؤلاء السجناء، فحمل نفسه وخرج من الكهف، هنا إكتشف الحقيقة ، حقيقة الكهف وظلاله. ولما عاد عند أصحابه وأخبرهم بالحقيقة المخفية عنهم، سخروا منه وإتهموه بالجنون !!
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن تغيير الأفكار والقناعات أمر صعب ولا بد من ضريبة يدفعها أولائك ستثنائيون الذين خالفوا الآراء السائدة وأناروا فكر البشرية ، أشهرهم على سبيل الذكر سقراط شهيد الفلسفة الأول .
عود على بدء
يقول صاحب المحاكمة، كافكا، الغني عن البيان، أن على المرأ ألا يقرأ إلا تلك الكتب التي تعضه وتوخزه ورواية حسن أوريد رباط المتنبي من بين هذه الكتب التي توخز المرء. إنها مستفزة، تهشم البحر المتجمد فينا، تزيح الغبار المتراكم أمام أبصارنا، تكشف ما خفي، تعري ماهو مستور، تفضح الزيف، تسبر التاريخ ، تحفر عميقا عميقا في جسدنا العربي الأمازيغي حد الألم . إنها صرخة أسمع رجع صداها مع كل ورقة أقلبها ، صرخة يأس ، صرخة غضب، صرخة ضياع، صرخة ميت يطلب الحياة، صرخة شخص فضل وضع مجنون على تصور جامد في قالب جاهز.. فالعالم أرحب من تصورنا  والحياة أوسع من رؤانا والتاريخ أخصب من خيالنا (ص 340 )
في الختام إنها ليست رواية، هي أكثر من ذلك!!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “أوريد يكشف المستور عبر روايته رباط المتنبي”

  1. حقا متشوق للاطلاع على هدا العمل الفني الروائي ما اقتبسته عنها يثير ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق