قراءات ودراسات

أثر الحضارة العربية والإسلامية في الحضارة الغربية

د . رضا العطار

يذكر ابن خلدون في مقدمته ان بغداد كانت المركز الثقافي لبلدان الشرق وسوقا تجاريا عالميا تتعامل مع نيسابور وبخارى وطاشقند والقاهرة والقيروان وقرطبة , وكانت بغداد السوق المالية المزدهرة متحكمة في دينارها الذهبي ودرهمها الفضي , وفي الوقت نفسه كانت انهار الثقافة تتدفق على بغداد من ينابيعها القديمة في مصر وبابل والشام لتفجر بركان الأبداع في عاصمة الإمبراطورية الإسلامية حتى غدت منارا للإشعاع الفكري ورائدة للنهضة الثقافية , فقد ادخل الخليفة العباسي المأمون الى بلاطه اساطين العلم والمعرفة من شتى الأرجاء لينشروا ما عندهم ويترجموا الكتب اليونانية واللاتينية والفارسية والسنسكريتية والهندية والسريانية الى اللغة العربية وبذلك اغنوا البلاد بعلمهم الوافر ومعرفتهم الواسعة وإبداعاتهم الخلاقة .

وبينما كانت اورويا تعيش في ظلام القرون الوسطى تعاني شعوبها منذ سقوط روما اقسى صنوف العذاب من الفقر والجهل والمرض لفترة جاوزت اكثر من الف عام، كانت العواصم في الوطن العربي الكبير كبغداد زمن العباسيين والقاهرة زمن الفاطميين وقرطبة زمن الأندلسيين تطفح بالازدهار الحضاري الزاهي ساطعة انوارها المعرفية لا على بلدان المنطقة فحسب بل جاوزتها الى البلدان الأوروبية ودخلت جامعاتها .

كان هؤلاء العلماء والكتاب والمبدعين من خلفيات مختلفة جمعتهم عالمية الإسلام , انهم كانوا طلاب علم لا طلاب فقه فحسب , فقد تجلت علومهم بالثورة الفكرية التي افرزت العصور الذهبية , انهم كانوا متنوعين في العرق واللغة والدين والمذهب لكن ربطتهم رؤية معرفية ولغة ثقافية واحدة , ألا وهي لغة القرآن الكريم التي كانوا يتحاورون بها ويؤلفون فيها وقد استفادوا من موقف الإسلام السمح في اندفاعاتهم نحو العلم اندفاعا لا يحفل بتعسفات الحكام او بمضايقات البيئة وكان العلم لديهم تكليفا حث على تحصيله كتاب الإسلام ورسوله الأعظم , قوله تعالى – قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون وقل هل يستوي الأعمى والبصير ام هل يستوي الظلمات والنور ؟

كان هؤلاء النخبة من الأعلام يمثلون جل العالم المتحضر على وجه الأرض كان منهم فلكيون وصيادلة وأطباء وفلاسفة وأدباء وعلماء طبيعة ورياضيون امثال الخوارزمي والكندي و المتنبي والرازي وابن يونس وابن رشد وسيبويه والخيام , وأما ابن الهيثم البصري المولد فقد وصفه الكاتب الأمريكي المعاصر ميشيل هاملتون مورغان بأنشتاين زمانه لأنه اكتشف نظريات علمية ساعدت كل من كوبرنيكوس ونيوتن من تحقيق اهدافهم العلمية بعد ستمائة سنة .

وكتاب القانون في الطب لأبن سينا الغني عن التعريف حيث اعتمد كمرجع اساسي لدراسة الطب في الجامعات الأوروبية طيلة خمسمائة سنه , اي. الى اواخر القرن الخامس عشر , ولا زالت اكثر جامعات العالم شهرة تحتفظ لحد اليوم بتماثيله وتسمي قاعاتها باسمه . فجامعة اكسفورد تزين مكتبتها بتمثال ابن سينا الى جانب ارسطو وأفلاطون اعترافا بقيمته العلمية .

يعلق المؤرخ جورج سارتن انه اذا ما انكر جاحد قيمة ما انتجه المسلمون والعرب من معارف في ذلك العصر فأذكر لهم اسماء هؤلاء الأعلام .

*** عندما زرت مدينة همدان الأيرانية مؤخرا كان قبر ابن سينا ضمن برنامجي السياحي فقصدته، كان المزار المتوج بمنارة اسلامية يحتوي على متحف يعرض نماذجا من الأعشاب الطبية التي اكتشفها العلامة ابن سينا في العصر العباسي الأول في بغداد كان من بينها نبات ورق الصفصاف , تشير الكتابة اليه انه يفيد في معالجة امراض البرد . تذكرت حينها سفرتي الاستطلاعية التي هيئتها الكلية الطبية لجامعة دوسلدورف الى معامل باير في المانيا عام 1954 , حيث شاهدت بأم عيني كيف ان مادة حامض السالسيك المستخرجة من هذا النبات تدخل في صنع اقراص اسبرين باير الذائعة الصيت . نعم … لقد كان الشرق الإسلامي لا يكتفي بتعليم ابناء اوروبا العلوم الطبية انما كان يجهزهم بموادها الأولية ايضا . بدأت علاقة العرب مع الغرب قديما عندما اجتاحت جيوش الأسكندر المقدوني بلدان المنطقة العربية في القرن الرابع قبل الميلاد، وبعد ظهور الأسلام بدأ التماس مع الغرب يتسم بالعلاقات التجارية التي تطورت تدريجيا وتوثقت مثلما توطدت مع ممالك العجم كالفرس والأفغان والترك بعد ان اصبحت بغداد مركزا للتعايش السلمي مع القوميات المتباينة، فلم يحاول الإسلام تغيير خصائص هذه القوميات انما سعى جاهدا الى بلورتها ودفعها في اتجاه التقدم الحضاري .

وبعد اتساع الإنتاج الزراعي والحرفي والثقافي في بلاد العرب وفي مقدمتها بلاد الرافدين، اخذت تباشير الحضارة الإسلامية تصل الى اورويا عبر بوابة اسبانيا ومن ثم جزيرة صقلية وأخيرا عن طريق الحروب الصليبية التي لعبت دورا كبيرا في نقل الحضارة العربية الى شعوب اورويا.

عندما عبر طارق ابن زياد بجيشه الصغير المضيق الى اسبانيا في العام الثمانين من الفتوحات الإسلامية , استقبله سكانها المحليون وساعدوه لتحريرهم من نير سلطة القوط البرابرة , فكانوا حقا شركاء في الفتح المبين. وقد تمكن هذا القائد الفذ من انشاء دولة ظلت اثار عظمتها في العلم والعمران , قائمة ومثيرة حتى هذه اللحظة.

كان الشعب الأسباني قديما محكوما من قبل الرومان , لكن بعد سقوط روما في القرن الخامس الميلادي هجم القوط المتوحشين عليه قادمين من الشمال بشكل مجموعات بشرية همجية بعضا منها وصفت بأنها كانت من اكلة لحوم البشر واستمر الحكم القوطي العسكري قرابة مائة عام حتى طردوا على ايدي المسلمين واخرجوا من اسبانيا .

يقول المؤرخ الشهير – غوستاف لوبون – كانت اسبانيا زمن القوط ذات رخاء قليل وثقافة واطئة , ولكن بعد ان دخلها العرب في القرن الثامن الميلادي بدأوا ينشرون فيها رسالة الحضارة , فاستطاعوا في اقل من مئة عام ان يحيوا خراب الأرض ويقيموا افخر المباني وينشطوا الحركة التجارية , بعدها تفرغوا الى دراسة العلوم والأداب وترجمة الكتب الأجنبية وتأسيس الجامعات التي كانت وحدها الملجأ الوحيد لثقافة اوروبا لزمن طويل – وقد نمت مدينة قرطبة بسرعة حتى زاد عدد سكانها على المليون نسمة وغدت الحياة فيها متسمة بالرفاه والنعيم .

بدأ المسلمون في تأسيس حضارة متفوقة جعلت من اسبانيا اجمل واغنى البلدان الأوروبية وانشأو مدن كبيرة مزدهرة لم يكن لها نظير على وجه الأرض , خططها مهندسون واسعو الإطلاع وشيدها بناؤون مهرة فغدت قرطبة عاصمة الأندلس مركز الثقافة لبلدان اروبا قاطبة . كانت شوارع العاصمة تزيد على عشرة اميال طولا وقد عبدت وتمت انارتها في الوقت الذي كانت فيه شوارع لندن وباريس ترابية وعرة وكان المواطنون يشقون طريقهم اثناء الليل في الظلام الحالك بصعوبة ويغوصون عميقا في الوحل بعد هطول الأمطار.

يقول المؤرخ الفرنسي دريبار – نحن الأروبيون مدينون للعرب بالحصول على اسباب الرفاه في حياتنا العامة , فالمسلمون علمونا كيف نحافظ على نظافة اجسادنا . انهم كانوا عكس الأوروبيين الذين لا يغيرون ثيابهم الا بعد ان تتسخ وتفوح منها روائح كريهة . فقد بدأنا نقلدهم في خلع ثيابنا وغسلها . كان المسلمون يلبسون الملابس النظيفة الزاهية حتى ان بعضهم كان يزينها بالأحجار الكريمة كالزمرد والياقوت والمرجان . وعرف عن قرطبة انها كانت تزخر بحماماتها الثلاثمائة بينما كانت كنائس اوروبا تنظر آنذاك الى الاستحمام كأمر منبوذ.

لقد ازدهرت العلوم والآداب والفنون تحت سماء الأندلس وتطور فن الشعر وغدا زاهيا , فتح لخيال الشعراء افاقا رحبة للعمل الخلاق وأصبح الأسلوب الشعري اكثر غنا ومتانة والأقدر على التعبير عن جمال المشاعر الإنسانية و رفاهة ورقة الأحاسيس .

ويضيف المؤرخ الفرنسي قائلا – عندما قدم المسلمون الى اسبانيا بدوا باستصلاح الأراضي بواسطة نظام سقاية متطور زرعوا قصب السكر والقطن والتوت والرز والموز , وكان اصحاب هذه الحرفة يجوبون الولايات لجمع المعلومات الزراعية ونقلها الى المزارعين من على منابر المساجد كفن السقاية واستثمار التربة وحفظ المنتوج. لقد اقام العرب المعالم العمرانية والمعرفية في كل مكان على عكس ملوك الأقاليم الأوروبية الذين كانوا غائصين في بحر جهالتهم غير مبالين لشؤون رعاياهم .

لقد بلغت العاصمة قرطبة ايام عز العرب درجة عالية من التقدم الثقافي فكان في كل مدينة رئيسية جامعة ومكتبة عامة , وزخرت البلاد بالمكتبات جلبت كتبها النفيسة من بغداد والإسكندرية ودمشق شملت مختلف مجالات العلم والمعرفة وكانت مكتبة العاصمة قرطبة تحوي على اكثر من نصف مليون كتاب , و نتيجة للاحتكاك الحضاري بين الشعوب انتشرت بين المجتمعات الأوروبية مفردات عربية كثيرة كالقطن والجبر والكحول والكيمياء . كما بلغت مسألة الفن عندهم حدا جعلت خليفة المسلمين يخرج بنفسه لاستقبال عالم موسيقي قدم الى البلاد زائرا .

كانت المعاهد الفنية تخرج كل عام اعدادا كبيرة من معلمي الموسيقى المهرة كدليل شغف المجتمع الأندلسي بالطرب والاستماع الى الغناء الجيد . وقد عرف عن اهل قرطبة تحليهم بالآداب العامة وبالسلوك المهذب من لطف ورقة واحترام كان طلاب العلم يتوافدون على معاهد الأندلس من قارة اسيا وإفريقيا وأوروبا ليرتشفوا من نهل الثقافات المتعددة وعندما كانوا يكملون دراستهم يعودون الى اوطانهم لينشروا ما تعلموه في بلاد المسلمين .

كانت دولة الإسلام في الأندلس ترعى العلوم والآداب والفنون فكانت تكثر من انشاء المعاهد , كانت في العاصمة وحدها ثلاثة الاف مدرسة تشمل مناهجها على مختلف العلوم كالرياضيات والفلك والزراعة والفقه والجغرافيا والطب . لقد برع العرب في علم الجغرافيا , ففي الوقت الذي كان فيه المعلمون في مدارس الأندلس يشرحون لتلامذتهم عن كروية الأرض ويصنع العالم العربي ابن يونس كرة جغرافية فضية يهديها الى روجر الثاني ملك صقلية كان الأوربيون لا يزالون يجهلون حقيقة كروية الأرض لحين اعلن الفلكي الايطالي غاليلو غاليلي عن اكتشافه كروية الأرض لكن بعد اكثر من خمسمائة عام .

كان العرب يجوبون بسفنهم الشراعية بحار الدنيا السبعة معتمدين على الرياح الموسمية وعلى ابرة القبلة – البوصلة – التي اخترعوها , مما جعلهم يتفوقون في فن الملاحة البحرية وصناعة السفن التجارية السريعة والأمينة كان يقودها ربان افذاذ جابوا بها ارجاء المعمورة ووصلوا الى مواني الدنيا بأسرها .

لقد كتب عرب اسبانيا عن قياس الوقت وصنعوا الساعة ذات الرقاص المستطيل وبنوا اولى المراصد في اروبا , كما نقلوا الى اسبانيا من بلاد المشرق العربي ابتكارات علمية مهمة كمفهوم الصفر الذي اقتبسوه من الهند والذي استعمله الخوارزمي في بغداد اثناء اكتشافه علم الجبر وأخيرا نقلوا صناعة الورق من الصين عبر سمرقند عام 712 ميلادية والتي لم تنتشر هذه الصناعة في اروبا الا بعد مرور خمسة قرون على التاريخ المذكور .

اما في مجال انتقال القيم الأخلاقية من المشرق الإسلامي الى الأمم الأوروبية بوسائل ثقافية , يخبرنا التاريخ ان مشاهير الفكر في فرنسا امثال فولتير وجان جاك روسو كانوا قد درسوا المعارف العربية المترجمة واستوعبوا مفاهيمها الروحية من قبيل : – وأمرهم شورى بينهم –

في حينها كان الشعب الفرنسي يدرك بفطنته الواعية مغزى النداءت التحريضية لهؤلاء الكتاب العظام قبل قيام الثورة الفرنسية بعقد واحد من الزمن .

لقد كثفت سلطة الخلافة في اسبانيا من رعايتها الصحية للمواطنين , فكان المسلم اذا ما مرض ذهب الى اقرب مركز طبي للعلاج بينما كان المواطن المسيحي يذهب الى الكنيسة عندما يمرض ينتظر الشفاء على يد الرهبان، اما بالنسبة الى حكام الأقاليم الأوروبية فإذا ما احتاج احدهم الى المعالجة الطبية فأنه كان يشد الرحال ويسافر الى العاصمة قرطبة ليكون تحت اشراف طبيب مسلم .

قبل دخول الإسلام الى اسبانيا كان عامة الناس لا يعرفون القراءة والكتابة وكانت الثقافة الأولية مقتصرة على الرهبان المتسلطين على جميع مرافق الحياة , وقد حرموا على الناس ثقافة العلوم المبنية على العقل والمنطق , فكانت الأمراض تفتك بالناس وتداوى بالصلوات , وكان محرما ان يدعى طبيب لمساعدة امرأة في المخاض بينما كان الكاهن هو من يجوز له التقرب منها .

وبعد قرنين من انتقال الحضارة الإسلامية الى اوروبا عبر الأندلس , كان هناك معبرا اخرا لانتقال الحضارة وهي جزيرة صقلية . ففي عهد الإمبراطور فردريك الثاني طاف كونستانتين عام 1060 بلاد الشرق الإسلامي وتعرف على بعض مراكزها العلمية وبعد رجوعه تأسست مدرسة لدراسة الطب في مدينة سالرنو في صقلية وأخرى للطبيعات في مدينة نابولي الأيطالية , وكان سنحارياس اول الأطباء المتخرجين على ايدي اساتذة مسلمين , الذي قام بترجمة كتاب لأمراض العيون لمؤلفه العربي جراف الى اللغة اللاتينية , وقد حث هذا الحكيم بني جنسه على تعلم اللغة العربية ليتسى لهم الأطلاع على علوم العرب . وعلى هذا النهج انشئ معهد لترجمة التراث العربي عام 1085 , ومدرسة للطب في مدينة مونت لير في فرنسا عام 1137 والتي تطورت فيما بعد الى جامعة . . اما خط التماس الثالث فقد تم عن طريق الحروب الصليبية التي دعا اليها البابا اريان الثاني مسيحي اروبا عام 1095 من كنيسة مونت لير في فرنسا للزحف بأتجاه بيت المقدس لأنقاذه من ايدي المسلمين , هكذا اعلن رسميا , لكن المؤرخ كلود كاهن ابدى شكوكه تجاه الأهداف الحقيقية لهذا التصريح، كون ان المنخرطين في هذه الحملات والذين زودتهم الكنيسة بصكوك الغفران لتدخلهم الجنة بعد موتهم، كانوا ينهبون ثروات المسلمين بعد قتلهم وحرق ممتلكاتهم بشكل منهجي

نعم لقد نقل المحاربون والمرافقون لهم جميع المنجزات العلمية والتقنية لدى المسلمين والعرب الى بلدانهم , كانت في مقدمتها صناعة الزجاج الملون التي نقلت الى جنوه في ايطاليا وكذلك فن صياغة الذهب والفضة من المدن السورية الى مدن اروبية كثيرة مثلما اقتبسوا صناعة طبع النقوش الفنية على الأنسجة بطريقة الكبس من الديار المصرية . نعم لقد انتهت الحروب الصليبية بعد زهاء قرنين من الزمن دون ان تحقق اهدافها المعلنة لكنها حققت اهدافا غير معلنة .

لقد توثقت العلاقات الثقافية في فترات الهدوء النسبي التي تخللتها سنوات الحرب الطويلة بين البلدان الأسلامية المتحضرة، المطلة على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط و بلدان اوروبا الجنوبية المتاخمة للجزء الغربي لهذا البحر، كانت اولى ثمراتها تأسيس جامعة باريس عام 1160 ثم جامعة اكسفورد كفرع لها , ثم جامعة كامبرج عام 1209 . والجدير بالذكر ان المناهج الدراسية لهذه الجامعات كانت هي نفسها التي تدرس في المعاهد الأسلامية دون تبديل او تجديد او تعديل . اما في مجال سياسة التسامح العقائدي في الأندلس فقد منح المسلمون العرب الحرية الكاملة لليهود والنصارى لممارسة طقوسهم الدينية وأصبح في مقدورهم مشاركة المسلمين في الحياة الأجتماعية والسياسية , فعاشوا حياة رغيدة مستقرة ظهر منهم اطباء ومهندسون وتجار بارزون , وكان لبعضهم مناصب في ادارة الدولة وفي الجيش , ولم يكن تزاوجهم مع المسلمين قليلا فأم الخليفة عبد الرحمن الثالث كانت نصرانية , كان النصارى مسرورين لسياسة الاعتدال التي اتبعها المسلمون حيالهم حتى انهم عقدوا مؤتمرهم عام 782 في العاصمة قرطبة وان احد القساوسة الذي تخرج من جامعة قرطبة الإسلامية قد وصل الى عرش البابوية .

وامتد التسامح الأسلامي ليشمل اليهود ايضا حيث برز الكثير منهم على الساحة العربية وحصلوا على مناصب حكومية مهمة مثل حسداي بن سيرون وزير الخليفة في قرطبة وصموئيل وزير سلطان غرناطة والفيلسوف سليمان بن جابيرول واللاهوتي يهودا هلفي ومن الشعراء مرسي بن ميمون , ويشهد التاريخ ان العصر الذهبي لليهود في اسبانيا قد حضي على فرصة التلاحم مع حضارة المسلمين , بدرجة انها كانت تفرز انضج الثمار واحلاها .

بقى اليهود منذ البدايات اوفياء لرسالة دينهم العالمية , ولم يتوقعوا يوما ما ان يفاجئوا في الصهيونية خيانة للعقيدة اليهودية وتنكرا لتقاليدها الروحية – فقد جاء في قرار المؤتمر العالمي الذي ختم اعماله في مدينة بال في سويسرا عام 1897 ليهود الأمريكيتين بدعوة الحاخام الأكبر – مايروايز – مايلي

( يستنكر اعضاء المؤتمر كل الاستنكار اية مبادرة ترمي الى اقامة دولة يهودية , ان اهداف الدين اليهودي ليست سياسية ولا قومية وانما هي اهداف ترمي الى نشر السلام والمحبة في ملكوت الله بين البشر ) , هذا ما يقوله الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي .

وحسبي ان المفارقة تكاد ان لا تصدق , عندما نقارن سعة التضاد بين النوازع العدائية لمسيحي اسبانيا بعد عام 1492 وليهود اسرائيل هذا اليوم وبين النزعة الإنسانية السمحاء للمسلمين الذين فتحوا لهم الباب على مصراعيه لممارسة طقوسهم بكل حرية وساووهم في الحقوق والواجبات, وبشهادة التاريخ كان اليهود في حينها محرومين كلية من هذه المغانم في الدول الأوروبية الأخرى . ومن المؤسف حقا ان يقابل الأوروبيون مشاعر المسلمين الكريمة هذه بمشاعر الحقد والكراهية وبما تمثل في اغتصاب ارض فلسطين العربية وتشريد وقتل شعبها.

ان المسلمين والعرب الذين حقنوا الأوروبيين بنور الثقافة طيلة ثمانية قرون متتالية بهدف اخراجهم من ظلمات الجهل والخرافة وإيصالهم الى دنيا العلم والمعرفة يكافئون بمواقف اتصفت بمنتهى الهمجية . فقد نكثت حكومة الأسبان بالعهود والمواثيق التي قطعوها على انفسهم للحفاظ على ارواح المسلمين واحترام مقدساتهم , و انقلبوا الى وحوش كاسرة بعد انتهاء الحرب، فقد ارغموا المسلمين على ركوب سفن غير صالحة للإبحار دفعوا بها بأتجاه سواحل شمال افريقية فغرق اكثر من مئة الف انسان في عرض البحر . واستعملوا معهم اقسى صنوف الاضطهاد , كان لزاما على المسلمين ان يتركوا ابواب منازلهم مفتوحة ليل نهار تحت اعين المخبرين لكيلا يمارسوا طقوسهم العبادية كما منعوا اطلاق اسماء اسلامية على اولادهم والا تعرضوا الى عقوبة الإعدام .

لقد شهدت الساحات العامة في المدن الكبيرة مثل قرطبة وغرناطة واشبيلية احتفالات اسبوعية يحرق فيها المسلمون احياء والى جانبهم كتبهم التعليمية والتهذيبية , هذا ما يرويه المؤرخ سخيطه .

يخبرنا التاريخ ان عدد المواطنين العرب والمسلمين الذين شردتهم حكومة اسبانيا كان يفوق ثلاثة ملايين انسان , التجأ معظمهم الى الممالك الشرقية كتركيا والشام ومصر ودول شمال افريقيا وجزر البحر المتوسط واقلهم وجدوا الملاذ في امريكا الجنوبية .

رثاء للشعب الأسباني على حرمانه من منافع هذه الشرائح الواعية من الشعب الذي كانت له الأمامة الثقافية والصناعية الرائدة، كانت نتائج هذه الإبادة مروعة حيث هبطت مستوى الحضارة الى اسفل الدركات, يكفي تصور حجم الكارثة لو علمنا ان عدد سكان العاصمة قرطبة الذي كان يفوق على المليون نسمة هبط الى اربعين الفا .

ان هذه البلاد التي اضاءت العالم ايام العرب غدت مظلمة خاوية خالية من مدرسة واحدة لتدريس علم الرياضيات او الفيزياء او الطبيعيات , فقد اضحت المكتبات التي كانت بالأمس تزخر بكتب الثقافات اضحت تعرض كتبا تنفث سموم التعصب الديني المقيت .

نعم ان ما حصل في اسبانيا بين الإسلام والمسيحية من تضاد دموي كان من صنع اروبي محض يهدف الى تحقيق اغراض خبيثة .

كانت معظم بلدان اروبا حتى نهايات القرن الخامس عشر في حالة من البدائية والهمجية , فقد كانت حياتهم اقرب الى حياة سكان الأدغال ,

وفي الوقت الذي كانت دولة الإسلام في الأندلس تعيش ابهى واعز ايام مجدها الحضاري يتسلم الخليفة هشام في العاصمة قرطبة رسالة من ملك انكلترا يلتمس فيها نذرا من الثقافة العربية وهذا نص الرسالة :

من جورج الثاني ملك انكلترا والغال ( فرنسا ) والسويد والنروج الى الخليفة ملك المسلمين في مملكة الأندلس صاحب العظمة هشام الثالث . بعد التعظيم والتوقير فقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج من هذه الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتفاء اثركم لنشر نور العلم في بلادنا التي يحيط بها الجهل من اربعة اركان . وقد وضعنا ابنة شقيقنا الأميرة دوبانت على رأس بعثة من بنات اشراف انكلترا . ارجو ان يكونوا موضع عناية عظمتكم وتحت حماية حاشيتكم الكريمة التي ستشرف على تعليمهن . وقد ارفقت مع الأميرة الصغيرة بهدية متواضعة لمقامكم الجليل ارجوا التكرم بقبولها مع التعظيم والحب الخالص . من خادمكم المطيع جورج

نص الرسالة الجوابية :

بسم الله الرحمن الرحيم … الحمد لله رب العالمين … الصلاة والسلام على نبيه آخر المرسلين وبعد : الى ملك انكلترا وايكوسيا واسكندنافيا الأجل :

لقد اطلعت على التماسكم , فوافقت على طلبكم بعد استشارة من يعنيهم الأمر من ارباب الشأن وعليه فأننا نعلمكم بأنه سوف ينفق على هذه البعثة من بيت مال المسلمين دلالة على مودتنا لشخصكم الملكي . اما هديتكم فقد تلقيتها يسرور وبالمقابل ابعث اليكم بغالي الطنافس الأندلسية وهي من صنع ابنائنا هدية لحضرتكم وبها المغزى لالتفاتتنا ومحبتنا والسلام .

خليفة رسول الله في ديار الأندلس هشام

يلاحظ القارئ الكريم اعتراف ملك انكلترا بعظمة دولة الإسلام وحضارته الجليلة الى جانب وصف مملكته كونها محاطة بالجهل من اركانها الأربعة . وفي الوقت الذي نلمس مشاعر التذلل في اسلوب الملك – لاحظ التوقيع – نستقبل اسلوب الخليفة متجليا في الاعتداد بالنفس وبشموخ سيادة العدل والقانون .

يقول الشيخ طنطاوي جوهري – ان الجنود الصليبين لم يتمكنوا من السيطرة على بيت المقدس رغم مرور قرنين على حروبهم الا انهم تعلموا من الشرق مبادئ انسانية سامية كانوا يفتقدونها , وعندما رجعوا الى ديارهم كانوا يحملون في صدورهم انوار الخير والمعرفة بفضل اختلاطهم بالمسلمين وتأثرهم بأخلاقهم وبضيف : لقد استقبلت اوروبا المبادئ المسيحية السمحاء التي ظهرت في المشرق العربي لكنهم لم يحسنوا استعمالها في الألف الأول من تاريخهم بسبب خضوع شعوبها الى تعسف رجال الدين عندهم الذين استعبدوهم واذلّوهم … اما في الألف الثاني لهذا التاريخ الذي اشرق فيه نور حضارة الأسلام على ربوع بلادهم فقد ساروا معه الى الأمام وارتقوا علما وادبا وثروة … فكنا نحن الآباء وكانوا هم الأبناء , فهل يتوقع الأب من ابنه ان يقابله بهذا الجفاء والجحود ؟ والذي تمثل في الوصاية المستبدة الجاهلة والجشع الاقتصادي الغشوم

وفي مجال الأعتراف بالجميل يظهر بعض المفكرين الأوروبيين ارائهم بهذا الخصوص منهم المؤرخ الأمريكي الشهير ارنولد توينبي الذي يصف مقدمة ابن خلدون – الذي عاصر اسبانيا العربية – بأعظم كتاب في التاريخ , مضيفا ان الفكر الاقتصادي والاجتماعي الإنساني التي اشتملت عليه المقدمة هو فكر متقدم على كثير مما توصل اليه المفكرون الغربيون حديثا مما يدل على سعة الأفق وخصوبة التحصيل والخبرة الفائقة في كافة مجالات الحياة .

ويقول الموسوعي ويل ديورانت في قصة الحضارة ما نصه : عندما يتم مسح ادق واشمل تراث , يصنف القرن العاشر في الشرق الأسلامي كأحد العصور الذهبية في تاريخ العقل الإنساني . وان قصتنا تبدأ من الشرق , لا لأنه كان مسرحا لأقدم المدنيات فحسب , بل لأن تلك المدنيات كانت البطانة التاريخية لثقافة اوروبا . وكم كان نظامنا الاقتصادي والسياسي وكذلك علومنا وآدابنا وفلسفتنا وديننا يرتد الى الشرق ؟ .

اني ارى في هذه اللحظة ان التعصب الإقليمي الذي سار عليه كتابنا التقليديين لم تعد مجرد غلطة , بل ربما كان اخفاقا ذريعا في فهم الواقع ونقصا فاضحا في الذكاء، ولم يكن العقل قد تابع خطاه .

يقول المؤرخ الفرنسي – سديو – ان الأوروبين قد استمدوا ثقافاتهم من العرب , ومثال على ذلك ادخال البابا يسلوا ستور الثاني مناهج مادة الرياضيات العربية الى مدارس الأفرنج عام 980 للتدريس دون تحوير , ويضيف انه من المؤسف ان يسدل الستار على مديونيتنا للعرب وقد ان الأوان للاعتراف بالأمر الواقع , فالإصرار على التعصب الديني والتباهي العنصري لا يجدي .

كما يضع المؤرخ الايطالي بوزاني اللوم على بعض المؤرخين , مسجلا عليهم نقاط سوداء لتناسيهم فضل الحضارة الإسلامية وسرد الحقائق التاريخية بانحيازية .

وفي هذا السياق يؤكد المؤرخ بلاسكو ان النهضة الأوروبية اتت مع الفاتحين العرب , انها كانت حملة حضارية مشبعة بالقوى الشابة القوية السريعة المتقدمة بطريقة مذهلة , وعندما بدأت الحروب الصليبية كان العرب في ذروة مجدهم . يقول الأديب الفرنسي اناتول فرانسيس مخاطبا الأمير فيصل الأول اثناء حضوره مؤتمر باريس للصلح عام 1919 : احييك بصفتك قائدا عربيا مسلما , فالمسلمون كان لهم النصيب الأكبر في ترقية العالم وإسعاده , فقد خدموا الحضارة الإنسانية خدمة جلى – .

اخيرا يقول كارل ماركس رأيه في هذا الصدد ما نصه – لقد وجد العرب نظام الحساب العشري ومبادئ الجبر والكتابة الحديثة للأعداد , في حين ان المسيحية خلال القرون الوسطى لم تقدم شيأ . ان الذي مهد السبيل امام مادية القرن الثالث عشر واخذ يترسخ ويمد جذوره بين الشعوب الأوروبية هو الفكر العربي الخلاق .

اقول ان ما ذكرته في حديثي هذا لم اقصد به مباهاة او تغنيا بأمجاد عهد مضى كما لا اسعي الى محاكمة الحضارة الأوروبية بل انما اود ان اؤكد على استحقاقية العرب وحتمية الإقرار لدورهم الايجابي في التاريخ . خاصة بعدما طمست معارفهم خلال القرون الوسطى وكادت شعلتها تنطفئ الى الأبد .

ان ما اخذه الغرب من العرب كانت اعمالا مبتكرة ومتفوقة , اية ذلك انه حتى في نهايات القرن الخامس عشر كانت مراكز التعليم في اوروبا تدرس العلوم الطبيعية في جلها من مؤلفات عربية ففي الطب كانت كتب ابن سينا والرازي وفي الكيمياء كانت اعمال جابر ابن حيان وفي علم الضوء كانت مكتشفات ابن الهيثم .

ان من طبيعة الحضارات انها لا تتصادم بل تتقابل وتتعارف , ورغم الحروب التي جرت بين الأمم في عصورها الماضية الا انها في اخر المطاف كانت في كل امة حضارة من انتاج امة اخرى كانت معها بالأمس في تناحر دائم .

وفي الختام اقول – لقد حظيت بلدان اوروبا في عصورها المظلمة بحضارة عربية رائدة ونهضة ثقافية صاعدة كانت لها بمثابة نور وهداية ساعدتها على الخروج من ركودها التقليدي ودفعت بها باتجاه بناء صرح مدنية راقية اضحت معطياتها الإنسانية تصبغ حياتنا المعاصرة بكل تقنياتها الحديثة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق