ثقافة المقال

شاعر فرنسا دي موسيه ( سأنام وأخيرا سأنام )

قاسم محمد مجيد ألساعدي*

( أن الإنسان صبي ومعلمه هو الألم ) دي موسيه
لم يكن كتاب ألف ليله وليله ألا لحظه ظلت متوهجه بسحر لياليها في خيال هذا الصبي المنكب على المطالعة ليكتب المسرحيات القصيرة ومحاولات أولى في كتابه القصائد لكن الشاعر الفرنسي دي موسيه (1810-1857) لم ينتظر طويلا لتحقيق حلمه فقد أتيحت له فرصة ذهبية لقراءة بعض نصوص قصائده أمام الحلقة الخاصة بالأديب فكتور هيجو وهم من كبار الداعين إلى نشر المذهب الرومانسي !  إعجاب هيجو بتلك القصائد كان كافيا لان يصبح ضيفا شبه دائم في صالون هيجو الأدبي ألا انه لم يتأثر بهم فهو يقول( أنهم اخطاؤا حين اعتبروه احد رفاقهم ) لكن دي موسيه لم يستطع ان ينأى بعيدا عنهم فهو صريع ازدواجيته والتناقض العميق بين مثاليته وابيقوريته وهو ذات الانقسام بين منطقه الأحلام والوجود الاعتيادي! ورغم الأوصاف التي أزجيت له كشاعر فرنسا الغنائي وشاعر الحب والألم ….آلا انه كان تعيسا” ويائسا”ودائم الظن أن الموت يبحث عنه والسماء شيئا فشيئا اشد قتامه فكان ذلك يفزعه ((لست الملاك الحارس/ ولست اعرف أين ذهب الذين أحبهم/فوق هذا الوحل الضئيل الذي نعيش فيه ) فهو في معركة شرسة ضد ألعزله والوحدة ويعيش في خوف مستمر من ان يظلل نفسه !!
( فعندما تشعر بالألم — اقبل إلي بلا قلق— لاصحبك على الطريق –ولكنني لااستطيع ان أمس يدك — ياصديقي إنني العزلة )
جنحت به روحه اللائبه صوب حب سجل التاريخ فصوله التراجيدية بدقة ففي العام 1833 جمعته أمسية ثقافية مع الاديبه الفرنسية جورج صائد (1804-1876 ) كانت كافيه لان يفتح قلبه لها 00صاند اللعوب صاحبه التاريخ العريض من العلاقات الغرامية والتي أسدلت الستار مؤخرا” عن علاقتها مع الشاعر الفرنسي ميريميه بسبب ادعاءات تتعلق برجولته ! ترى في موسيه الشفاف الرقيق سجين عواطفه التي تصل حد القداسة ضالتها… فتتواصل معه في لقاءات يتبادلان إنتاجهما الأدبي أولا” … ثم يجنح بهما الحب إلى مسارات أخرى ؟
ويقسم دي موسيه أن يكون الحب سر حياته وعله مماته (يأيها القلب الذي تملؤه المرارة والذي ظن انه مغلق – لتحب كي تعود إليك حيويتك ) ويبدأ الاثنان رحله حبهما خارج أسوار فرنسا إلى ايطاليا ومدنها الخلابة ليعيشا معا أجمل أيام حبهما لكن عارضا صحيا الم بموسيه أسرع بافتراقهما فصاند الضعيفة أمام نزواتها التي لاتحد ترى في الطبيب الشاب الذي يعالج موسيه منافسا له فتتوطد علاقتها به ويشعر موسيه بالخذلان فيرفع الراية البيضاء بعد أن فقد كل شيء وينسحب بهدوء لكن سيل الرسائل بينهما لم ينقطع فيكتب لها ( انه ميت من حب ليس له نهاية أو اسم ) وترد عليه ( أني على استعداد لان أضحي بكل حياتي من اجل يوم واحد احظي به بحنانك )وتقتلها اللوعة وتقص شعرها الجميل في لحظة جنون ويقرر موسيه الرحيل من فرنسا فتنهشها الوحدة فتكتب ( يا حبي الوحيد ياحياتي اذهب ولكن اقتلني وأنت ترحل )
جرح صاند لم يندمل فيه لكنه تدفق إبداعا” أدبيا فنشر كتابه ( اعترافات فتى العصر ) كي يظل شاهدا على حجم عذابه وكبر لوعته ويعقبه بديوان نشر فيه اروع قصائده وهو (الليالي الخالدة 1835-1836)
لنكتشف كم كانت صاند مصدر الهامة وعبقريته أما صاند فتكتب قصه حبها لموسيه بكتابها (هو وهي 1859 ) صدر بعد وفاة موسيه بسنتين
كان موسيه يتوق إلى امرأة تنتزعه من نفسه القلقة المحتارة لكن شبح صائد ظل يلاحقه رغم انه بعدها عرف الكثيرات دون أن يثق بواحد منهن لكن دون أن يكفر بالحب لأته الحقيقة الوحيدة في الوجود
قصائد موسيه كان لها فعل السحر في نفوس معاصريه إلى الحد الذي جعل كثيرون من الرجال يهدونها إلى زوجاتهم كباقة من الزهور رغم ان موسيه عاش ممزقا حين أضنته الحقيقة وعرف فظاعتها ( حين عرفت الحقيقة /حسبت أنها صديقه /وحين فهمتها وشعرت بها / أحسست بالتقزز منها ) فاتسع شعوره بالخذلان منها
عاش أيامه الاخيره مع صديقه ألعزله الذي لازمه حتى لحظات احتضاره في عمره القصير هذا .. ففي الأول من مايو 1857 أغمض عينيه للأبد بعد أن قال كلمته المشهورة ( سأنام وأخيرا سأنام )
سار في جنازته ثلاثة وثلاثون شخصا فقط ليودعوا شاعر فرنسا الكبير الذي قال عنه الناقد الكبير سانت بيف أن اسمه لن يموت

*كاتب من العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق