حوارات هامة

كاتب الأطفال السورى مهند العاقوص:

((أنا منحاز للطفولة التي ينساها المترفون في القاع)) !!

حاوره: محمد المطارقى

كاتب استثنائى ، يمتلك القدرة العجيبة على الإدهاش.. يبحث عن مناطق غير مأهولة، لم يتطرق اليها أديب من قبل ، ينحاز نحو عالم البسطاء و المهمشين، يستخرج من واقعهم البائس المرير حكايات بطعم الحياة، فهم من شكلوا وجدانه وأسهموا فى تكوينه الأول، يا لروعة هذا المبدع انه بالفعل يمتلك القدرة الفائقة على تشكيل رؤيتنا بتلك المفارقات الانسانية التى تهيمن على أرواحنا.. تطل من نوافذ قصصه شخصيات شديدة الثراء تدفعنا لتأملها، واعادة اكتشافها من جديد، “مهند العاقوص” الذى استطاع بمهارته الساحرة أن يغزو قللوب الصغار بمتعة الحكى، وروعة السرد.. فى لغة تمتاز بشقاوة طفولية محببة. استطاع أيضا أن يجتذبنا نحن الكبار ،فلا نملك إلا أن نطلق صيحات الدهشة والاعجاب ..واوو..يا الهى ، كيف استطاع الكاتب أن يفعل ذلك.. يا للدهشة.. انه بالفعل كاتب رائع.
نحن إذن أمام مبدع يمتلك براعة الحرف،ومهارة الكلمة، ويعلم جيدا مالذى يتوجب عليه أن يقدمه للطفل..وكما أنه يمتلك القدرة العجيبة على الادهاش فى نصوصه الابداعية.. هانحن أيضا فى هذا الحوار نتلقى جرعة أخرى من دهشة الاجابة ..
وهاكم الحوار.

حين يسترجع كاتب الأطفال “مهند العاقوص” زمن طفولته.. ماهى أهم الذكريات التى لاتزال ـ الى الآن ـ رهن الذاكرة؟

– السوق…
هكذا أجاب عقلي الباطن مباشرة، ودعنا نتفق في هذا الحوار ان ندون اول ردة فعل يتلفظ بها عقلي الباطن بعد قراءة السؤال.
السوق بمعناه القيمي والحركي والمشهدي، بموسيقاه الباطنية، بطاقته الكامنة الجاذبة للرزق والحكايات.
السوق بطعم دمشق، حاراتها، ياسمينها، دراويشها، باعتها الفقراء إلا من عفتهم وصدقهم ومبادئهم.
وأيضا اللاذقية ابنة البحر، أم الفقراء الطيبين، سوقها المركزي وملعبها البلدي.
كنت ثريا في طفولتي بين كتابين ( دمشق واللاذقية) وكنت أنا الحكاية وأنا الشاهد عليها، بها امتلأت الذاكرة، فتدفقت لغة عطرية فيها من البحر والجبل والياسمين والزيتون.

ثمة شخصيات مضيئة، تلعب دورا مهما فى حياة الانسان.. وتحديدا المراحل الأولى..ترى أهم الشخصيات التى أسهمت فى تكوينك الإنسانى.. والابداعى ؟

– بصراحة…
إن أولئك الذين يفترض أن نتأثر ونقتدي بهم هم تماثيل نخبوية تصلح لطقوس المثقفين وأبناء المجتمع المخملي.
البسطاء هم من أثروا بي وشكلوا عجينتي الأولى، نقاش الأواني النحاسية، درويش الحمائم الكريمة، صانع الأحذية الحريف، نحات رخام القبور، صانع العطور المعتقة، خياط النقش العربي، صاحب الصدفيات، صانع السيوف الدمشقية، باعة الأحذية المستعملة في باب الجابية، هدافو كرة القدم في الأحياء الشعبية…
هؤلاء من تأثرت بهم أدبيا، فالكلمات المنثورة في الأسواق وعلى الوجوه أشد فصاحة وأبلغ تأثيرا في النفس التواقة للفرجة والقراءة الحية دون مجملات.
وسليمان العيسى أيضا، شاعر العرب والطفولة، أثر بي وأخذت عنه الهم العربي والانحياز لقضايا المستقبل العربي، لكن سرعان ما هبت علي نسائم الإنسانية، فصرت أكتب من أجل مستقبل أفضل للإنسان أينما كان.

الكتاب هو الباب السحرى الذى يؤدى الى آفاق بعيدة من المتعة والخيال، ويسهم فى تشكيل الفكر والوجدان..حدثنا عن رموز هذا العالم الرحب..عالم القراءة الذين تشعر نحوهم بالامتنان؟

– القراءة موعد قدري يمر بالمحظوظين، أنت مكتوب عليك في لحظة ما أن تقرأ كتابا ما، فتصبح العودة إلى الوراء ضربا من سخافة، وكل كتاب لا يغيرك لا يعول عليه….
في الطفولة كان الكتاب بالنسبة لي مثل الكرة التي لا استطيع شراءها، مثل الفروج المشوي الذي يدور أمام عينيك قريبا، لكنك تكتفي بتخيل طعمه.
في سن اكبر بدأت القراءة في كتب شتى وفرتها الصدفة، ثم جاءت كتب أحلام مستغانمي وجبران خليل جبران وأدباء مصر العمالقة من طه حسين إلى المنفلوطي وعبد القدوس وغيرهم، ثم قرأت مسرح شكسبير وبرناردشو وغيرهما، وشعراء مختلف العصور من الجاهلية إلى الحديث…
قرأت بنهم المحروم، وكان صوتي الداخلي دائما يدفعني باتجاه استثمار القراءة لا استهلاكها، فبدأت بكتابة الشعر والقصة للكبار، وبدأت الحكاية…

لماذا اخترت الكتابة للطفل.. وهل ثمة خصائص محددة ينبغى أن يتمتع بها كاتب الأطفال؟

* لا أعتقد أننا نختار متى نكتب ولمن نكتب، هكذا يخيل لي، الإبداع بشكل عام هو استعداد فطري، بركان خامد ينتظر ان يهيء له العقل أسباب التدفق.
وأنا دائما أميز بين ممارسة فن ما وبين الإبداع فيه، كلنا نملك الحجارة والقليل منا يستطيع نحتها، كلنا نملك القلم والكلمات، الريشة والألوان، الكثير منا يمارس أمنياته بأن يبدع، لكن البعض فقط يبدع فعلا، وهذا ما قصدته وسميته استعدادا فطريا.
كتبت في لحظة وجدانية انفجارية، ثم سبحت مع تيارات عدة، حتى رتبت لي الأقدار موعدا مع الأطفال المكفوفين، ومن ظلامهم الخيالي الخلاق الجميل انطلقت نحو نور الطفولة وآفاقها التي ابتلعتني كما يبتلع الحقل ظل فلاح…
وبالنسبة للخصائص التي يتمتع بها الكاتب هي تماما تشبه خصائص الفلاح، والفلاح هو المحراث والتربة والماء الصافي، هو المبيدات، والعصفور، هو الكائن الذي إذا فسدت نواياه، ما تعدى كونه فزاعة تخاله صغيرات الطيور فلاح الحقل وصاحبه…..

حدثنا عن أهم الأعمال التى قمت بكتابتها للأطفال،ولاقت استحسانا من الأطفال.. والنقاد؟

– في الحقيقة إصداراتي كثيرة، ولم أكتب كتابا واحدا أشعر عليه بالندم الان، لكن قد نذكر الكتب التي نالت تقديرا أوسع…
الكتابين الأحب إلى قلبي ( هل انت زيز؟) و ( الفتى الذي ورث حذاء أبيه) كتب من البيئة المحلية استطعت بهما العبور نحو الآفاق العربية بالإضافة لكتاب ( ياسمين وزهرة دوار الشمس)
فبالرغم من انها أولى محاولاتي إلا انها حصدت الجوائز في جائزة كتابي وجائزة الملتقى العربي لناشري كتب الأطفال.
والكتاب الاشهر والمصنف من أكثر الكتب مبيعا في الشرق الأوسط كتاب ( بائع الاحلام)
والرواية العزيزة جدا ( عندما يضحك الاسود ) و المسرحية التي حصدت الجائزة الأولى في مسابقة الهيئة العربية للمسرح ( يتيم الغاب)
و( جدائل خضراء) الكتاب المدهش الذي انتظر ان ينال حقه عالميا..
كتب كثيرة، والحديث عن بعضها فخ لا بد من الوقوع فيه، بطيخ من المريخ، الحمامة الكريمة، كتبي مع دار اصالة وفنون.
كتبي في سوريا مع دار ربيع والحافظ ومكتبي والبابا والفكر..
كتبي في لبنان والإمارات والاردن وسلطنة عمان.
الكتب التي فازت وترجمت..
كتبي في مصر مع نور المعارف…
حقيقة من الصعب جدا الحديث في هذا، الكتابة أسهل من الحديث عما كتبناه….
ولا أنسى أعمالي التلفزيونية والإذاعية مع قناة براعم وإذاعية سلطنة عمان، وكل الأعمال الأخرى، أنا أعتز جدا بكل خطوة قمت بها في هذا المجال…

ثمة حالة من الزخم فى كتابة الطفل.. ألا يحتاج ذلك إلى مواكبة نقدية تفرز الثمار الناضجة من بين الثمار الواهمة والمعطوبة ، والرديئة؟

– في الحقيقة سياج النقد في ادب الطفل شائك، هو موجود بأشكال متعددة، لكنه مستورد. غير ناضج، ويشبه ان يتبرع شخص ذو صحة لشخص نحيل بقبعة فيرتديها وتنزل على عينيه فلا يبصر رغم فرحته بارتداء قبعة عجز عن حياكتها بنفسه…
لدينا نقد تربوي، ونقد معياري، وفوبيا مجتمعية، ورقابة دينية، وووو
النص الأدبي نص معنف ممسوخ وغير حر بسبب عدم توفر النقد التخصصي الحقيقي، النقد الغير قائم على اقتصاد السوق وإفرازات المجتمع ومعايير الجوائز….
ربما لا يحق لي الحديث كثيرا هنا، لكن باختصار نحن بحاجة للنقد، وبحاجة لمن يتقبله، وهي ملكة هامة جدا…
لذلك لا يصح. للكاتب أو الرسام ان يقول ( فلان قيمني أو انتقدني وهو لم يكتب ولم يرسم) النقد سلطة مستقلة تضاف على المائدة فتطيبها…

يقولون بأن كتاب الأطفال يكتبون لأنفسهم.. وأن القارىء المستهدف مشغول بعوالم أخرى أكثر جذبا وامتاعا.. رأيك فى هذه المقولة ؟

– ليتهم يكتبون لأنفسهم، في الحقيقة أدب الطفل ذو الملامح العالمية هو أدب خاطب الكبار وانزلق لغويا نحو الطفولة.
ما رأيته ان الطفل ينجذب للنص الذي لا يخاطبه باستسهال أو بلغة مدرسية أو تربوية، إنه ينجذب للحرية والشقاوة والخروج عن القواعد والمشاغبة ولمن يخاطبه على أنه واعي ذو أفكار ناضجة ومركبة…

الأطفال – كما هو معلوم – هم فئات عمرية مختلفة ..ماهى الشريحة العمرية الأصعب ـ فى رأيك ـ عند كتّاب الأطفال.. وماهى المرحلة الأكثر شغفا التى تستهوى قلمك ؟

– بالنسبة للفئات العمرية فإن الصعوبة تكمن في مرحلة الطفولة المبكرة كون الدائرة اللغوية والحسية و المعرفية ضيقة، وكذلك في مرحلة الناشئة .
مرحلة الناشئة حيث الانفعالات الحادة واضطرابات المزاج لتلك المرحلة العمرية التي تجعلها مرحلة ضبابية للكاتب لا يسهل عليه الغوص في تفاصيلها وتفجير مكامن الإقناع والإدهاش في النص والمتلقي.
بالنسبة لي كتبت لكل المراحل وإلى حد ما لا أجد اي مشكلة، لكن باللاوعي غالبا استهدف الطفولة المتوسطة، إلا أنني حصدت جوائز في نصوص وجهت للمراحل الثلاث، المبكرة والوسطى والنشء.

تموج منطقتنا العربية بأحداث ساخنة..سريعة ومتلاحقة بدأت بالربيع العربى.. وتحولات سياسية واجتماعية.. لاشك أثرت على عقلية الطفل ودفعته للتساؤل “ما الذي يحدث؟!”..أين كتاب الطفل من هذه الأحداث؟.. وما الطريقة المثلى لتقديم كتابة جيدة تتناسب مع واقع الطفل المعاش؟

– الطفل غير معني كثيرا بالأيديولوجيات التي تعاني منها المنطقة، لكنه يعيش إفرازاتها الخطيرة، ويعاني في ظل هواء مسموم سواء كان من بلد البؤرة أو بلاد الجوار.
لقد حدث تلوث بصري وسمعي وفكري، وأدب الطفل معني جديا بإجراء جراحات مجتمعية بشرط أن تكون أدواته لينة ومعقمة والأهم ان تكون نزيهة وحيادية.
في ظل الصراعات لا يملك أديب الأطفال إلا أن يكون حياديا ومنحازا بالمعنى الإنساني إلى قضايا الطفولة جاعلا منها بطولات تروى.
لم يعد أدب الطفل آدبا ترفيهيا، إنه أدب القضايا، فطوبى لمن وضعوا الدواء في الحليب، فشرب الشارب مستمتعا دون قيد أوشرط أو فرض.

ما هى أهم القضايا التى تشغلك دوما، وتحاول تضمينها أعمالك الإبداعية ؟

– بالنسبة لي أنا منحاز للفقراء، للأبطال القابعين في الظل، للشخصيات الحقيقية الساكنة في الذاكرة، لأصدقائي الباعة الجوالين، للمرضى واليتامى والمعوقين، أنا منحاز للطفولة التي ينساها المترفون في القاع، فيفتقدون جماليات الحقيقة حين يستوطنون السطح والسطحية.

ما أهم المعوقات التى تحول بين كاتب أدب الطفل الحقيقى، وبين وصول منتجه الابداعى إلى القارىء المستهدف؟

– لا أعرف بالضبط ما هي المعوقات، ولن أذهب لإجابة تقليدية، لكن مؤخرا أجد الشللية والعنتريات والمصالح تحكم الوسط وتتحكم بالعلاقة بين المصدر والمتلقي، فلا تستغرب أن تراني مدعوا لمهرجان ما خمس دورات متتالية، رغم ان مرة واحدة تكفي، ولا تستغرب أن يضرب بسيفي وانا لا سيف لي ولا يد، ولا تستغرب من سماع حسنات هذا وسيئات ذاك، ولا تستغرب كيل التهم والشائعات وووو، كل هذا يعيق لانه سم ينفث في الوسط وغالبا من أولئك الذين لا هم في موقع كاتب ولا هم في موقع متلقي، بل جسر مقطوع بينهما….
إن الكتاب منتج فكري وعلينا أن نسوق له كما نسوق لأي منتج عبر الدعاية المنظمة والواعية، ودائما أكرر هذه المقولة التسويقية ” المنتج الجيد هو خير دعاية لنفسه”

ماالذى ينبغى أن يفعله الأدباء الجدد فى مجال الكتابة للطفل للوصول الى مستوى يليق بهم كمبدعين، وبأطفالنا كمتلقين؟

– أقول للسالكين في درب الطفولة…
الكتابة حرفة الجميع والإبداع هبة الصابرين الحالمين الطامحين، كن آنت كي تدوم طويلا، اكتب بمشاعرك بصافي نواياك واستفتي قلبك لا جيبك، اكتب ما يصلح لكل زمان ومكان، اتبع أفكارك الغريبة، فالسائد مستهلك، والجديد يكمن فيك ويطفو حين تصفو.

وأخيرا رسالة تود تقديمها فى نهاية هذا الحوار؟

– كلمتي الأخيرة هي أنني سررت جدا بهذا الحوار، سأترك إجاباتي كما هي دون أي حذف أو إضافة،، بخيرها وشرها، بصوابها وخطئها، وبكل ما فيها من عفوية الشغوف الذي يتعلم كل يوم.
شكرا لكم أن أتحتم لي هذه الفرصة الثمينة.
مهند ثابت العاقوص

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق