ثقافة المقال

متتبعا خطى فتى الأوراس: صالح بن علي بن مالك *

من الذاكرة

ابراهيم مالك **

من الأمكنة ما يصير جزء” من نسيج الذاكرة . واذا حالت أسباب قسرية ، خارجيّة دون العودة اليها والتعرف مجدّدا على ملامحها ومعالمها وناسها ، أو زيارتها ، تصبح وليد مخيّلة ، مجنّحة وبعضا من حالة هي أقرب الى قداسة الأسطورة وما تمثّله من هالةٍ قُدْسِيَّة حوْلَها .
من هذه الأمكنة المكوّنة لبعض من ذاكرتي ، منذ الطفولة المبكّرة ، كانت الشام – دمشق الفيحاء والفوّاحة بطيب عبق تاريخها وناسها .
أتيتها بعيون وأحاسيس العاشق الصوفي في أيار 2001 لزيارة عائلة خالي أمين الساسي حسين ، تونسي الأصول المقيم في مُخيَّم اليرموك الفلسطيني في منطقة دمشق السورية​.
أي شعور جميل أن أقيم فيها ولو لأيام عدّة ، أطوّف في حواريها وبين أزقتها ، أدخل مساجدها وكنائسها وبيوتها الأثريّة ومقاماتها ، أتنفّس هواءها وأحتسي ماءها ، أرقب ليلا” بهاء قمرها وصفاء سمائها ، اعتلي قاسيون ، في حذر العاشق المحبّ وفي خفره أختلس النظر، ” في خلسة المختلس “، بحثا عن السر الذي في جمال الشاميّات وحسنهنّ والذي أنطق الرائعَيْن ” نزار قبّاني وسعيد عقل ” شعرا دفّاقا بالرقّة والعذوبة وبعبق الفل الدمشقي ساحر البياض .
شعور انساني لطيف وصادق كان يغمرني ، والأصح ظلّ يغمرني في تلك الأيام القليلة التي قضيتها في دمشق في ربيع 2001 ، فلا أحس بالغربة وأنا أتنقّل من موقع لآخر، أتجاذب أطراف الحديث مع النا س ، اقصّ عليهم :
مَنْ أكونُ ومِنْ أينَ جِئْتُ وما هو مبتغايَ ، فيلقونني بحميميّة لا كلفة فيها ولا تزلف ، تجعلك تحس انك بين اهلك وناسك حقًا وفي وطنك وقد عدتُ اليه بعد طول غياب .
جميل هو هذا الشعور ، ا ن تتجول في بلد لم تطأ قدماك من قبل ، تصله أوّل مرّة ولا تحس بالغربة فيه . وكأنّ علاقة حميمة وألفة تربطك به وبناسه.
من أين نبدأ ؟ سألت عبير ، ابنة خالي التونسي ـ أمين ساسي الذي أتيت لزيارته هو وعائلته في مخيَّمِ اليرموك ، سألتُ عبير الصبية الجميلة ، التي طالما ذكرتني بطلّة أمي التونسية ، المشعة كبرياءً وحبًّا ، اقتادتني ممشوقة القامة واثقة الخطو ، نحيفة القد ، سمرتها آسرة، دون أن تنطق ولو بكلمة هامسة كعادتها وهي تتكلم معي ، اقتادتني الى سوق الحميدية الأثري القديم .
يشكل هذا السوق والأزقة المتفرعة عنه واحدا من معالم دمشق التاريخية ، الحضارية ، اللّافتة للانتباه ، حيث تحس التاريخ والعظمة يطالعانك من كل زاوية ومن كل حجر .
يمتدّ السوق طويلًا وتنتشر على جانبيه الحوانيت الصغيرة العامرة ، بما لذّ وطاب ، وبكل ما يحتاجه المرء والزائر من ملابس وأدوات منزليّة وتحف دمشقيّة وأنسجة وسجاجيد من مختلف الأصناف وأراغيل وآلات موسيقيّة ، وما تتمنّاه النفس من بهارات الشام ومن عطورها الفوّاحة .
سقفه مغطّى ومظلل ، مثل أ سواق الشرق القديم ، لا تدخله أضواء الشمس اللاهبة الاّ قليلا” ، تنبعث فيه برودة مريحة ، غير مزعجة، يلوذ اليها ويبحث
عنها الزائر هربًا من الحر في الشوارع والطرقات والساحات المفتوحة كالفضاء في دمشق وكل شرقنا.
حقيقة” ، يصعب التحرّك فيه والتسوّق المريح كذلك لاكتظاظه بالمشترين والعابرين أو المتسكعين والسوّاح من العرب والأجانب ، فكل ما تملكه فيه
وأنت تتجوّل بين حوانيته لا يزيد عن مساحة موطئ قدمك واقفًا . ومع ذلك لا يحس الزائر والسائح ، ا لمبهور بجماله التاريخي ، بالاختناق ولا
بالاكتظاظ المنفّر فيه . شيء ما في السوق ، ربما هو عبق التاريخ وجلاله ، يجعلك تحس وكأنّك قطرة في هذا البحر المتحرّك من الناس وتتحرك فيه بحرّية وأمان . تنسيك نفسك فيه هذه الراحة النفسية التي تحسها : أنّك واحد من هذا الكم الانساني المتحرّك لغرض أو غير غرض .
شعور جميل ، يتركه السوق ، أنك واحد من ناس كثيرين . يلاحقك هنا وهناك شاب ، في مقتبل العمر ، لحوح ولا أقول لجوجا ، يعرض عليك بضاعته ، ولا يتركك الاّ بعد ان يطمئنّ أنّه أقنعك بشراء ما لديه ، أو يترك أمرك لشاب
آخر ينتظرك ، وتبدأ المساومة من جديد ، يساومك على السعر ويرغّبك بما في جعبته من عرض للبيع والشراء . أعتذر ضاحكًا وأواصل تقدمي البطيء محاولا مواصلة شق طريقي ، مصغيا بين الحين والآخر الى بنتِ خالي إلى شروح عبير .
تخرج من سوق الحميديّة ملخومًا ومبهورًا، وكنتَ لتوّك واقفا في حضرة التاريخ تستعيد ما يفرح فيه وما يحزن ، وأنت مدرك لحقيقة أنّ هذا السوق ، الذي هو امتدادك في عمق الموروث الحضاري الانساني العظيم ، انما يمثل بكل ما في الأشياء من قسوة أنّ هذا السوق بما يمثّله من عقلية هو قوتك ونقطة ضعفك في آن .
تحملك قدماك بعيدا عنه وتودّ مخلصا لنفسك أن تنسى هموم الحاضر والواقع الذي أنت فيه . تنسى ذاتك وتترك لعبير مهمّة أن تنتقل الى موقع آخر ، حتى تستفيق من حالة الذهول التي أبقاها السوق فيك ، وفرادته الجمالية .
يطالعك ، على حين غفلة منك ، جلال التاريخ ، وتقف مرغما امام السؤال الذي تجنب كثيرون أن يطرحوه .
على يسارك ينتصب تمثال الفارس الرمز، صلاح الدين .
حقيقًة هل كان بطلًا .
ولكن لا أدري لم سموها بالحروب الصليبية .
بئس اللغة ، بعض ناس عالمنا الواسع كم هم مخادعون ، يستخدمون الكتابة والتوثيق التاريخي بطريقة تمكنهم من خداع بسطاء ناسهم وإبعادهم عن حقيقة ما كان ذاتَ زمن .
فلم تكن تلك حروب صليبية ولا تمتّ للدين بصلة ولا للرمز – الصليب ، وما يعنيه من عذاب انساني وتضحية . فشرائح اجتماعية معينة ، شرائح سُلطَوِيَّة في غرب اوروبا ، شمالها ووسطها وجنوبها ، هي التي أشعلت تلك الحروب واستخدمت الدين بواسطة بعض كهنته لتسهيل اشتعالها .
وتُحَدِّثُ نفسك بحقائق مُحرِجَة :
كان صلاح الدين في الحقيقة كرديا ، وكان الأكراد كالعثمانيين الأتراك والمغول وغيرهم في الألف سنة الأخيرة من ساكني وسط آسيا ذوي عقليات ومُعتقدات صحراوية وذوي أطماع في بدايات قدومهم وباتوا يشترطون بقوَّة الغزو العنيف يشترطون الاعتراف بحكمهم لرقاب الناس ، فلم يكن ثمّة حاكم في المنطقة من أصول ، نسميها عربية ، و في سنوات الحضارة العربية لم يطرح سؤال الهوية .
أمّا الغزاة من الشرق الشمالي والغرب الشمالي فكانوا يشترطون حصر القيادات الحاكمة بهم . وكان الغزاة الأتراك كما الغزاة الفرنسيون في الشمال الإفريقي الذي هو وطني أبي ، أمّي ووطني التاريخي ، كانوا يحلمون ” بتتريك الآخرين لغة وثقافة وفرنستهم ” .
لاحظتُ وأنا أبتعدُ عن تمثال ذاك الفارس أنني بدأتُ أعود بخطاي في المسير في طرقات دمشق ـ الشام ، حَدَّثْتُ نفسي هامِسًا :
أطمر راسك متجنّبا حر الشمس ، فتطالعك فجأًة فسيفساء جميلة ، عظيمة اذا حسن استعمالها :
أي تعدّدية انسانية وفكريّة هي هذه التي تذرع سائرا بين حواريها الآن ، عربا وأكرادا ومسلمين، سنيين وشيعيين ، مسلمين ومسيحيين ودروزا
وعلويين ، وغيرهم كثيرين .
بدأتُ عندها أبتعد كثيرًا عن فظاعات تاريخ الإنسانية ، تاريخ شرائحها تلك ، بدأتُ أتأمَّلُ ما كان يصيره أكثر إنساننا : تعدُّدِية إنسانية تعيش معًا .
لكنَّ تلك الشرائح الحاكمة اليوم تحاول في جشع عنيف تدمير هذه التعددية الواعدة .
تدهمك بوابة مشرعة فتصحو من أفكارك .
تحدّثك عبير :
أمامنا المسجد الاموي ، بواباته والصحن فيه فضاء مشرع ، يجعلونك تشعر أن لا حدود للأفق .
تخلع نعليك وتدخل ، فللمكان قدسيته . تتقدم بخطى فيها الكثير من أثر رهبة المكان وقدسيّته . تترك لخيالك أن يسرح ، تختزل الزمن لتجد نفسك تحلّق
مع من كانوا يوما هنا وصنعوا التاريخ .
لم يكن الوقت موعد صلاة ، كان الزائرون المصلون قلة ، وبرودة الظّل تغريك فتجلس قليلا. ترتاح على السجّاد المفروش ، تاركًا لعينيك فرصة تأملّ الزجاج الملون والمشبك في النوافذ المشرعة حتى السماء . تبهرك هذه العظمة الماثلة أمام عينيك ، ويشدك هذا المجد ، الذي كان هنا يوما ، والذي لا تريد له أن يظلّ غابرا ، مجرد ذكرى ، تريد أن يعود ولكن بشكل أرقى وأكثر انسانية وتفاهما بين الناس .
ويلفت انتباهك هذا الانفتاح على كل الجهات الذي تلمسه في صحن المسجد الخارجي . وحين تتركه تتأمل جدرانه السامقة مستنبطا حركة التاريخ متتبعا تواتر الزمن وتبدل الأحوال .
فهنا في هذا الموقع او على مقربة منه أقام أجدادنا الكنعانيون معبدا لآلهتهم القديمة ، في الموقع الرابض أمام قيسون وعند تدفق بردى عميقا في وسط الغوطة .
لم يكن اختيار المكان صدفة ، في المفصل بين الصحراء بما فيها من وحي وبواعث للتفكير ورهبة الأسئلة ، وبين نبع الماء المتفجر حياة وخضرة في
الجبال المحيطة بالمكان والمنساب عميقا في الأرض شبه الصحراوية زارعا حوله الحياة .
هنا تكتشف السر وتدرك :
لِمْ كانت الشام واحدة من أقدم مدن وحضارات هذا الهلال الخصيب . ويرحل
الكنعانيون بآلهتهم وتنتشر المسيحية الشرقية ومن ثمّ اليونانية والرومانية والبيزنطية فيصير المعبد الكنعاني كنيسة مسيحية بقي منها محراب صغير وباب شيده الرومان اسمه باب توما ، ويقوم على مقربة منهما وعلى بعض أنقاضهما الجامع الأموي مختتما ، موقتا ، دورة من الزمن وكاشفا عن هذا التواتر الذي عرفه المكان وظل طوال الزمن مقدسا يحيط بالمكان ويحيط به جلال العقيدة ورهبة المكان وخشوع المتعبدين وتراتيلهم .
نودّع المسجد الأموي العظيم ،عبير وأنا ، ميممين وجهينا شطر المدينة القديمة ، معرجين على مقهى النافورة ومطعم القصر الأموي ومتحف قصر العظم
ومتنقلين بين سوق البزورية وخان سليمان باشا وخان العطارين فخان الفحامين وخان الحرير، الذي يعرف بخان النِّسْوان ، ومن ثمّ إلى خان الزيت
فسوق مدحت باشا وسوق الدقاقين .
واصغي طيلة الطريق الى عبير التي تجهد نفسها ، مشكورة ، كي أرى وأعرف المزيد .
احاول حفظ الأسماء والأماكن في الذاكرة . فلم نقف طويلا ، الاّ في الصالحية ، التي سكنها أبي صالح الأوراسي حين كان شابا . نجتاز شارعها الطويل وسوقها العامر مستعجلين ، لنصل الى الأزقة في البلدة القديمة . نصلها ، يحسبها المرء في البداية وللوهلة الأولى أنها بيوت من طين وانّها جزء من أحياء الفقر في المدينة . ولكن سرعان ما يتضح للمرء أن هذه
البيوت المطلية جدرانها الخارجية بالطين والمسقوفة بالخشب المزركش تشكل واحدة من افخر ثروات دمشق التاريخية ، تخضع للحماية ولا يسمح بترميها ، إلّا شريطة الاحتفاظ بطرازها التاريخي القديم وشريطة صيانتها حقيقًة . بعض الأزقّة فيها لا يزيد عرضه عن متر واحد ، تدخله ماشيا فتحسّ بالبرودة المنعشة والمريحة في صيف دمشق الحار.
وعلى جانبي الأزقّة يجد المرء مداخل البيوت التي تنقلك الى عالم البيوت الدمشقية التي لا يتكشّف جمالها الساحر الاّ لمن يدخلها ويطّلع على سحر جمالها، فيدرك ا ن لهذه البيوت والأمكنة جمالها الخاص ولها حرمتها وعبقها التاريخي المشهود . تحس حين تراها عن قرب ومن الداخل ان التاريخ
توقف عندها عامدا واحتفظ بها شاهدا على ما كان، وليس تعبيرا عن تخلف حضاري . واذا كان لابد من استراحة قليلا وتناول العشاء ، ففي مطعم
الرجبي . فهذا البيت يقدم للزائر صورة للبيت الدمشقي وكيف كان ذات يوم ومحتوياته وطيب طعامه . فالبيت الشامي الأصيل عالم كامل بذاته ، وهو من صنع فنان ذواقة ، هندسته وظيفية وغنية بالتفاصيل ، وظيفية من حيث أنّ لكل زاوية دورها ، فهنا قاعة الاستقبال لصاحب البيت واسعة ومريحة، وغالبا ما تكون على مستويين ، الأول عالٍ والآخر مُنْخَفِضٌ . وفي الطابق العلوي بيت الزوجية ، الحرملك ، وغرف الأولاد والبنات . أما في الطابق الأرضي فغرف الخدم والضيوف والحمامات والمطابخ .
تدخله من بوابة كبيرة ، عريضة وعالية ، فتجد نفسك في ساحة حدودها السماء ، مكشوفة تدخل من خلالها الأشعّة الشمسية باعثة الحياة والدفء
في كلّ مكان من البيوت والغرف . وفي وسط الساحة بئر ماء للشرب ونافورة ماء وبركة ماء صغيرة يضفي ماءه على المكان جوّا من البرودة
والرطوبة المنعشة . ويتعربش الياسمين ، أو الفل الدمشقي أو شجيرات العنب أو أوراق المخمّسة الخضراء < عشب متسلق > الجدران الداخلية ، مضفية حياة وجمالا على المكان . أما الجدران الخارجية فتشبه قلعة ، نوافذها واسعة وعالية ، تردّ المشربيّات المزيّنة فيها والمصنوعة من الخشبعيون المتطقلين . وتمارس الحياة داخلها بكل تفاصيلها واحتياجاتها ، بكل صفائها وكدرها ، بكل فرحها ولهوها ومنغصاتها ، بكل تعقيداتها وروابطها الاجتماعيّة ، بكل حسناتها وسلبيّاتها ،وطبعا كل السيادة في مثل هذا البيت وغيره من البيوت
هي للرجل ، الأب أو الجد ، صاحب الثروة والجاه .
أصغي لعبير ، تتحدث بإسهاب عن دور البيت الدمشقي ودور الحمام البلدي في التعارف بين العائلات ، خصوصا لأغراض الزواج والقربى ، مؤكدة أن الأم الشامية اعتادت ، حتى الماضي القريب ، ألاّ تختار عروسا لابنها الاّ بعد أن تراها شبه عارية في الحمّام ، تتأمل طول العروس ، ملامحها وحركاتها وتصغي الى نبرات صوتها ، تتفحصها طويلا قبل أن تقر على رأي .
تلاحظ عبير صمتي ، فتهرب هي الى الصمت ايضا ، عائدة الى بيت أبيها ، خالي أمين ، في مخيم اليرموك الذي لم يعد مخيما مُجاوِرًا، بل حيًّاّ من أحياء دمشق . وما كان لعبير أن تدرك سر صمتي. ما كان لها أ ن تعلم أي أحاسيس في داخلي أو أية أسئلة تشغلني ؟ ما كان لها أن
تعلم أنّني في كل خطوة سرتها في سوق الحميديّة أو في رحاب الأموي أو في الصالحية أو متعبدا في حضرة محيي الدين بن عربي أو قبالة الفارس صلاح الدين ، الذي يرفض أن يترجّل ، كنت اتتبع خطى ذلك الفتى الأوراسي ، صالح بن علي بن مالك ، الذي حملته عصا الترحال ، قبل أكثر
من تسعين سنة ، لينزل في دمشق ، بصحبة والده ، جدّي ، علي بن رزق بن ابراهيم بن مالك ، ووالدته واخويه ، عمّار ومحمد ، وشقيقاته ، فاطمة
وخديجة وأم الخير ، التي توفيت رضيعة في عرض البحر في أثناء السفر المضني ، مخلّفا وراءه أهله وصحبه ومرابع الطفولة والصبا ، وربما
حبه الأول ، الفتاة التي حرّكت فيه مشاعر الرجولة . ترك كل ذلك في بلده الأول ، في الدوّار الصغير الواقع بين سوقهراس وفيلاج بو حجّار في الجبال الجميلة في الأوراس ، في شرق الجزائر .
طيلة الطريق والتجوال كنت أبحث عنه ، في عيون الفتيان الدمشقيين ، هنا مرّ وهنا توقّف ، كنت أحدث نفسي صامتا ، وهنا ربّما صَحِبَهُ أبوه للصلاة ،
وهنا سكن وأقام ، وقد تكون هذه الفتاة الجميلة أول من لفتت انتباهه وأثارت فيه نزق الشباب المتفتح في الوطن الجديد ، دمشق . وقد يكون هذا
الشرطي الواقف أمامنا هو من اعتقله وقاده الى السجن في ” المزة ” أو من أطلق الرصاص عليه عند تحطيم اقفال وبوابات الباستيل الدمشقي الرهيب . وقد تكون هذه المرأة البيضاء الجميلة ، التي تذكر بالجمال الصحراوي في ” سيدي خالد” في جنوب الجزائر، هي صفية ذاتها التي خبأته في بيتها ليلة الرحيل الثاني الى فلسطين بحثا ، في هذه المرّة ، عن حياة جديدة وعن نجاة في أرض جديدة ، تصير وطنا .
والوطنان ، ألجزائر وفلسطين، سرقوهما .
أذكره جيدا الآن وأنا أتجوّل في دمشق مقتفيا خطاه ، أتذكّر صوته وهو يتحدث باندهاش عن السوق والمسجد والصالحية ، عن الغوطة وبردى ، الذي أحزنني جفافه ، وعن قاسيون ، وعن نداءات الباعة في الأسواق صباحا :
يا ابن العرب ! ،
طلبا للبركة ودرء” للشرور .
وأذكر حديثه أنه لم يعشق بلدا بعد الأوراس الاّ دمشق ا الفيحاء بناسها المضيافين والطيبين وبتاريخها العريق ونهرها الذي يتدفق حياة ولا يعقل أن
تلك أمور ما كان لعبير أن تدركها ، فلم ابح لها بها ، وما كان لها أن تفهم سر هذا العشق الذي أحمله في قلبي وعقلي لد مشق ،الحضارة والانسان ، دمشق الأمل . . هذا العشق الذي أورثني لها فتى الأوراس ، صالح بن علي ، عشقا لا يطاله الزمن ولا يُقاوَم .

*ـ صالح بن علي بن مالك هو والدي
** ـ ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني جزائري الأصول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق