ثقافة المقال

تذكّروا أنـه وطـن لا مختـرة

سمير عطاالله

استخدم الفرد هيتشكوك التشويق من أجل ان يسلي ملايين الذين تركوه يحبس أنفاسهم ويغرز الأبر في أعصابهم. لكن أفلام “الرعب” هذه كانت تجمع بينها فلسفة واحدة، هي الخوف من لحظة السقوط من النظام الى الفوضى، من العقل الى الغريزة. ولذا كان معظم أبطاله، ضعفاء أو أبرياء، في صراع اخلاقي مع الشر، صراع الحق الضعيف مع الشر القوي. لم يكن الرجل الذي لقّب “سيمفونية من الدوائر” يخاف السقوط في الفوضى كعمل فني فقط، بل كهاجس حياتي. ومثل مواطنه وزميله شارلي شابلن، جمع على شاشته الضعفاء، والخائفين، والباحثين عن الهدوء في عالم من الاقنية، كل شيء في لبنان، كل استحقاق، كل مفرق، كل طريق، كل يوم، يذكرنا إما برعب هيتشكوك وإما بهزليات تشارلي.

كل أمر عادي لدى الآخرين هو مشروع سقوط في الفوضى عندنا. لسنا في “فيلم أميركي طويل” بقدر ما نحن في فيلم حبس أنفاس على طريقة هيتشكوك. طوال الفيلم يلعب الشر لعبته ويخسر الضعيف ويُطارد ويُحاصر. وفي الأخير لا بدّ من نهاية سعيدة يقبّل فيها جيمس ستيوارت البطلة بحنان متقشف.

كل يوم فيلم معقّد، طويل، مقلق، مرعب، وبلا أمل في نهاية فنية راقية، تحولت الانتخابات البلدية، مثل أي استحقاق جمعي ندعى اليه، الى سيرك بشري آخر. ما أسهل ان ترى اللبنانيين يقفزون الى الحبال. وكم هو ممل واجتراري أداؤهم.

شعب يتحدث عن روسو طوال الوقت وفي موعد الانتخاب يقترع ضد نفسه. يعيش فرداً، مستقلاً، مدعياً الحريات، والرقي، والثقافة، ثم يذهب الى الغرفة السرية بحذاء ثقيل وضمير رجراج. دائماً يخرج نادماً، ودائماً يجتر المحنة ويكرر التجربة. وعندما تسمع لبنانياً يعلن ندمه على شيء، تذكر أنه يخاف الصدق. ثمّة اقتناع لديه بأن الكذب ملح الرجال. والنساء، والأولاد.

لا يمكن المرء ان يسأل نفسه عن الحقيقة وهو في حال هياج عصبي واضطراب نفسي. كان يفترض في الانتخابات المحلية ان تكون أداء ديموقراطياً أسهل من الانتخابات النيابية. هنا، يفترض ان يتم البحث عن الافراد، والكفاية، والقدرة على الانجاز، بعيداً من توترات التجمعات وغرائز القبائل. ولكن سرعان ما تحولت المعركة البلدية الى مرشّة سموم أخرى. والى خطة بذاءات وشتائم، ورأينا الجهة الواحدة تطعن في مكان، وتحالف في مكان، وتقاطع في مكان، كأنما الوطن “نملية” على البلكون، كل رفّ فيها له شيئه وطعمه.

لم يعد هذا المفهوم الوصولي والمتخلف هو مفهوم العمل البلدي في العالم. وعندما نقول ذلك لا نعني جاك شيراك في باريس أو رودولف جولياني في نيويورك أو فيلي برانت في برلين المجزأة، بل نعني مدينة مثل بوغوتا، حيث عمل البلدية متقدم ألف سنة على اداء الحكومة. أو نعني عاصمة مثل روما في بلد مثل ايطاليا، حيث أسقط السياسيون 60 حكومة منذ الحرب الثانية، فيما يبدع السنيور والتر فلتروني في تطوير مدينة يوليوس قيصر: ليس بالخطب، ولا بالفصاحات، ولكن بتجنيد ثلاثة آلاف متطوع مدني يسهلون كل يوم وصول الاطفال الى المدارس. بتأسيس فرقة من 500 شاب يتولون، كل يوم، ايصال الطعام أو الدواء الى عجزة المدينة وفقرائها. بإقامة فرقة طوارئ لاصلاح الطرق على عجل.

بماذا يلقب أهل روما السنيور فلتروني؟ “السمكري” يلقبونه. لا يريدون قيصراً في روما الحديثة، على رأسه أكليل غار، بل سمكرياً يؤمن مياهاً لا تُمرِض، وصرفاً صحياً يردّ الأوبئة، وطرقاً بلا حفر قاتلة. لقد بنى انريكي بنالوزا في بوغوتا أطول شارع للمشاة في العالم. هل يعرف أحد منكم رصيفاً للمشاة في بيروت؟ حديقة للاطفال غير التي تركها الأتراك؟ هل ألزم اولئك الذين يبنون أعلى الأبراج في المدينة باقامة حديقة صغيرة أو بركة أمام المبنى؟

المفزع ليس انهم لا يفعلون. المفزع اننا لم نعد نلاحظ غياب البديهيات في أصول البيئة والحياة. عندما كانت بيروت بسيطة وأهلها بسطاء كانت أمام البيوت ياسمينة وشجرة “بوصفير”، او على الأقل بركة صغيرة. هجمة البناء الحالية تعكس الروح اللبنانية الحالية: المتر الذي لا يباع هو مساحة لا تبنى. مرة استضاف رئيس بلدية شانغهاي الرئيس الأميركي بيل كلينتون في برنامج اذاعي للردّ مباشرة على اسئلة المستمعين. 25 في المئة منهم وجهوا الأسئلة الى كلينتون، الباقون، جميعاً، لم يعن لهم شيئاً وجود الرجل في المدينة، ووجهوا الأسئلة الى مضيفه: لماذا الحفر في الطرق؟ كيف ستواجه ازدحام حركة السير؟ لماذا لا تزال تمنح رخص البناء؟

تحولت الانتخابات البلدية الى عرض كيديّات وصراع أزقة وخطاب أزقة، وتمّ رسم خريطة هزلية لعملية الاقتراع: تُقبلون هنا وتقاطعون هناك. نصف مقاطعة هنا، ونصف انتخاب هناك. هل ترانا نسينا على ماذا تم الاتفاق خلال الزحف الوطني الجماعي الى الدوحة، عندما بورك الاتفاق في قطر على توزيع الدوائر الانتخابية في بيروت: من الجميزة الى حي اللجا، ومن البسطا الفوقا الى ساقية الجنزير، ومن المرفأ الى كاراكاس.

ألم يعتبر العائدون من الدوحة يومها، وعلى الشاشات اليومية الملونة، ان الاتفاق على اقلام الاقتراع في الرميل وكركول الدروز وغراهام والجعيتاوي وطلعة باب ادريس هو انتصار وطني في حجم الاستقلال؟ قصيرة ذاكرة اللبنانيين، طفولية ومضحكة في انتقائياتها، ومؤسفة في بلادتها وضحالتها، أو، في ضحاضيحها، على ما كان يقول نعيمة.

الفارق بين الخيار البرلماني والخيار البلدي هو أن عدداً أكبر من المقترعين يعرف مرشحه في الخيار الثاني. يعرفه من قرب ومنذ زمن. لذلك يصبح الخيار أكثر صعوبة وسهولة معاً. لأنه خيار في العمق، مبني على المعرفة والتقييم، مهما رافق ذلك من عواطف. أي خيار مبني على العمق هو خيار يمهد للتغيير. أي خيار سطحي غوغائي مُقلِد هو خيار الببغاء. فالطير قادر على ترديد أي شيء لكنه غير قادر على التفكير في شيء. يقول بلا قول، ويقلّد بلا شعور، أو مسؤولية. لا علاقة له بالتجربة من الداخل، ولا يثير قوله شيئاً سوى السلوى، أو الضحك، أو الاجترار.

كانت الانتخابات المحلية فرصة للانتقال الى الخيار الاجتماعي، اللائق بالمستويات التي بلغتها أكثرية اللبنانيين. لكنها مثل جميع الفرص الماضية رُميت للضياع، وحُوّلت رفعة الخيار الى مشتمة وابتذال معلن لفكرة الاقتراع، التي هي اسمى عناصر الديموقراطية، الكثيرة الهنات على ما وصفها تشرشل. واثبت أصحاب السياسات مرة جديدة انهم لا يعرفون كيف يخسرون ولا كيف يربحون، وأن لا مكان للحياة المدنية في أي سلوك، أو في اي عمل، أو في أي تصرف من تصرفاتهم. حالة هجومية مستمرة تبعد عن الساحة أي شعور بالمسؤولية، او أي حساب لآثار وانعكاسات ونتائج، الإيغال في توسيع الجروح وتخصيب اليأس وتجذير الفرقة.

تجتاح العالم أجمع فكرة النزوع الى الادارة المحلية كبديل من عجز الادارة الحكومية. هنا، تختار الشباب والكفاية كي تتجنب الاتكال أو التوسل او التعامل مع صدأ البيروقراطية وعفن الفساد فيها. هذا هو البديل، أو التغيير الممكن، من دون الدخول في مواجهة مكلفة وغير مجدية مع عناكب الزوايا وسوس الكراسي.

نعرف جميعاً في دواخلنا ان اليأس مقيم وأزلي مثل نوازعنا الى الفرقة، وغريزتنا الى الخراب. ولكن يستحسن، ولو كقناع آخر، ان يكف السياسيون عن القراءة كل يوم في كتاب ميكيافيللي، وان يبحثوا عن البقاء في الضمائر لا في السطوة، وعن المساواة لا عن التسلّط، وعن خير الناس لا عن استعبادهم باسم الحرية.

الغوغائيات لا تصنع سوى الخراب. الجمهوريات الفاضلة يصنعها الفاضلون وذوو النيات الحسنة والصالحون وأهل الفكر البنّاء. الثعالب لا تحرس الكروم. واعتماد الثعلبة مبدأ سياسياً هو طريق قصير ودواره فيه. والذين ما زالوا يصدّقون ميكيافيللي ما زالوا يسقطون في ظلامه وخبثه وسقط تعاليمه. كفى ميكيافيلليات ثقيلة. هو وطن لا بلدية. ولا، خصوصاً، مخترة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق