ثقافة المقال

حوار مع شاعر الفلسفةأبي العلاء المعري (رهين المحبسين) ج٢

الدكتور  سالم بن رزيق بن عوض

شاعرنا الكبير / كانت العودة من بغداد عاصمة الدولة العباسية فاجعة لمحبيك ، فقد ضربت على نفسك العزلة ، ورضيت من غنيمة الترحال بالإياب
أبو العلاء المعري :
كُلُّ بَيْتٍ للْهَدْمِ ما تَبْتَني الوَرْقاء // والسّيّدُ الرّفيعُ العِمــــــــــــــــــــادِ !
والفَتَى ظاعِنٌ ويَكفيهِ ظِلُّ الســـدر // ضَرْبَ الأطْنابِ والأوْتــــــــــــــــــــاد
بانَ أمْرُ الإلَهِ واختَلَفَ النّـــــــــاس // فَداعٍ إلى ضَلالٍ وَهَـــــــــــــــــــــــاد
والّذي حارَتِ البَرِيّةُ فِيـــــــــــــهِ // حَيَوَانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِن جَمـــــــــــاد
واللّبيبُ اللّبيبُ مَنْ لَيسَ يَغْتــــر // بِكُوْنٍ مَصيرُهُ للفَســــــــــــــــــاد !!

شاعرنا الكبير / التشاؤم من الناس ، التشاؤم من النفس ، التشاؤم من الأحداث غلب على شعر الشاعر ؟
أبو العلاء المعري:
حياةٌ عناءٌ، وموتٌ عنا؛ // فليتَ بَعيدَ حِمامٍ دَنا
يدٌ صفرَتْ، ولَهاةٌ ذوَتْ، // ونفسٌ تمنّتْ، وطَرفٌ رَنا
ومَوقدُ نيرانه في الدجى // يرومُ سناءً برفع السّنا
يحاولُ من عاش سَترَ القميصِ، // ومَلْءَ الخميص، وبُرْءَ الضنى
ومنْ ضمَّهُ جدثٌ لم يُبَلْ // على ما أفادَ، ولا ما اقتنى
يصيرُ تراباً، سَواءٌ عليه // مسُّ الحرير، وطعنُ القنا

شاعرنا الكبير / يرى بعض نقاد شعرك أن أبا العلاء المعري تشاءم حتى أبلغ ذروة التشاؤم إن كان للشاؤم ذروة وظهر ذلك في محابسه التي ضربها على نفسه !
أبو العلاء المعري :
ولي مَوْرْدٌ بإناءِ المَنونِ، // ولكنّ ميقاتَهُ ما أنى
زمانٌ يخاطبُ أبناءَه، // جِهاراً، وقد جهلوا ماعنى
يبدِّلُ باليُسرِ إعدامَهُ، // وتَهدِمُ أحداثُه ما بنى
لقد فزتَ إن كنتَ تُعطى الجِنانَ // بمكة، إذ زُرْتها، أو مِنى

شاعرنا الكبير / يقصد النقاد عدم التفات أبي لعلاء إلى الشعوب !! إلى هموهم وأمالهم والآمهم ، وانغماسه في عزلته التي رضيها لنفسه
أبو العلاء المعري :
رأيتُ قضاءَ اللَّه أوجَبَ خلْقَهُ // وعاد عليهم في تصرّفه سَلبا
وقد غلبَ الأحياءَ، في كلّ وجهةٍ، // هواهمْ، وإن كانوا غطارفةً غُلْبا
أبَينا سوى غِشّ الصّدور، وإنّما // ينالُ، ثوابَ اللَّه، أسلمُنا قلبا
وأيَّ بني الأيّام يَحمَدُ قائلٌ، // ومن جرّبَ الأقوامَ أوسعَهُم ثَلْبا

شاعرنا الكبير /ذهب بعض النقاد إلى أن أبا العلاء أعلن الحرب على نفسه والناس ، فذهبت نفسه ، وقتله الناس قدحا وذما ، وقذفا ولمـــّـا
أبو العلاء المعري :
أرادوا الشرَّ، وانتَظروا إماماً، // يَقُوم بطَيّ ما نَشَرَ الدعيُّ
فإنْ يَكُ ما يُؤمّلُهُ رِجالٌ، // فقَدْ يُبدي لكَ العَجَبَ الخَبيّ
إذا أهلُ الدّيانَةِ لمْ يُصَلّوا، // فكُلُّ هُدًى لَمذهَبِهمْ أبيّ
وجَدْتُ الشّرعَ تُخلِقُهُ اللّيالي // كما خُلِقَ الرّداءُ الشّرعَبيّ
هيَ العاداتُ، يَجري الشّيخُ منها // على شِيَمٍ يُعَوَّدُها الصّبيّ

شاعرنا الكبير / صنفت التصانيف وجلست للدرس والتعليم في المعرة ، وأمك الناس ، في اللغة والأدب ، وأحبك من أحبك ! وسار بذكرك الركبان ، فعلام أعلنتها حربا على مخالفيك ، وقدحت في عقولهم تارة وفي ديانتهم تارات !
أبو العلاء المعري :
وَما لي لا أَكونُ وَصيَّ نَفسي // وَلا تَعصي أُمورِيَ الأَوصِياءُ
وَقَد فَتَّشتُ عَن أَصحابِ دينٍ // لَهُم نُسكٌ وَلَيسَ لَهُم رِياءُ
فَأَلفَيتُ البَهائِمَ لاعُقولٌ // تُقيمُ لَها الدَليلَ وَلا ضِياءُ
وَإِخوانَ الفَطانَةِ في اِختِيالٍ // كَأَنَّهُمُ لَقَومٍ أَنبِياءُ
فَأَمّا هَؤُلاءِ فَأَهلُ مَكرٍ // فَأَمّا الأَوَّلونَ فَأَغبِياءُ
فَإِن كانَ التُقى بَلَهاً وَعِيّاً // فَأَعيارُ المَذَلَّةِ أَتقِياءُ
وَأَرشَدُ مِنكَ أَجرَبُ تَحتَ عِبءٍ // تَهُبُّ عَلَيهِ ريحٌ جِربِياءُ

شاعرنا الكبير / هكذا أعلنت الحرب الشعواء على كل مخالف لك في رأي أو مذهب !
أبوالعلاء المعري :
أرى العَنْقاءَ تَكْبُرُ أن تُصادا // فعانِدْ مَنْ تُطيقُ لهُ عِنادا
وما نَهْنَهَتُ عن طَلَبٍ ولكِنْ // هيَ الأيّامُ لا تُعْطي قِيادا

فلا تَلُمِ السّوابِقَ والمَطايا // إذا غَرَضٌ من الأغراضِ حادا
لعَلّكَ أنْ تَشُنّ بها مَغاراً // فتُنْجِحَ أو تُجَشّمَها طِرادا
إذا ما النّارُ لم تُطْعَمْ ضِراماً // فأوْشِكْ أنْ تَمُرَّ بها رَمادا !!

شاعرنا الكبير وشيخ المعرة الجليل / نعم أطعمت النار التي في قلوب خصومك فزادت ضراما ، واتسعت النار لتشمل كل شيء لأبي العلاء ، لقد أعطيتهم البرهان ليتهموك ويرموك بالكفر بالله عز وجل !
أبو العلاء المعري :
مولاك مولاك، الذي ما له // نِدٌّ، وخابَ الكافرُ الجاحدُ !
آمِنْ به، والنفسُ ترقى، وإن // لم يبقَ إلاّ نَفَسٌ واحدُ
ترجُ بذاكَ العفوَ منه، إذا // أُلحدتَ ثمّ انصرَفَ اللاّحدُ

شاعرنا الكبير وشيخ معرة النعمان / أرجو أن يسعنا حلمك ! نحن نطرح عليك ما قاله خصومك ، وما تناقلته الألسن والأقلام !نطرح ذلك بكل أمانة ونزاهة وحيادية ! فأسمح لنا أن نطرح هذه الأسئلة والتي أثارها الخصوم ! قالوا : المعري لا يؤمن بالله الواحد الأحد الفرد الصمد ؟!
أبو العلاء المعري :
سل الواحة الخضراء والماء جاريا // وهذي الصحاري والجبال الرواسيـــــــــــا
سل الروض مزدانا ! سل الزهر والندى // سل الليل والإصباح والطير شاديــــــــــا
وسل هذه الأنسام والأرض والسما // وسل كل شيء تسمع الحمد ساريـــــــا
فلو جن هذي الليل وأمتد سرمــدا // فمن غير ربي يرجع الصبح ثانيــــــــا

شاعرنا الكبير وشيخ المعرة الجليل / زعم الخصوم أن أبا العلاء المعري في شك في اليوم الآخر والجنة والنار !
أبو العلاء المعري :
إنّ حُزْناً في ساعةِ المَوْتِ أضْعَاف // سُرُورٍ في ساعَةِ الميلاد
خُلِقَ النّاسُ للبَقَاءِ فضَلّتْ // أُمّةٌ يَحْسَبُونَهُمْ للنّفادِ
إنّما يُنْقَلُونَ مِنْ دارِ أعْمال // إلى دارِ شِقْوَةٍ أو رَشَادِ
ضَجْعَةُ المَوْتِ رَقْدَةٌ يُستريحُ الجسم // فيها العيش مثلُ السُّهادِ

شاعرنا الكبير وشيخ المعرة الجليل / ونحن نصل إلى آخر لحظات لقائنا بك وقد عشنا مع شعرك الجميل ، ووقفنا مع صورك الخلابة وعاطفتك الجياشة ، وما ملأت به دنيا الناس اتفاقا واختلافا ،فمازالت الحياة في قصائدك الخالدة إلى يوم الناس هذا بعد أكثر من أثني عشر قرنا من الزمان وإلى ما شاء الله تعالى ، لقد أثقلنا على شاعرنا شيخ المعرة الجليل ، لقد قال النقاد ما قالوا وبقي شعرك ، وقال الشعراء إلى اليوم ما قالوا ولكن مثل هذا الذي قلت وعزفت وشدوت ما قالوا .. كلمة نختم بها اللقاء
أبو العلاء المعري :
خَفّفِ الوَطْء ما أظُنّ أدِيمَ // الأرْضِ إلاّ مِنْ هَذِهِ الأجْساد
سِرْ إنِ اسْطَعتَ في الهَوَاءِ رُوَيداً // لا اخْتِيالاً عَلى رُفَاتِ العِبادِ
بانَ أمْرُ الإلَهِ واختَلَفَ النّاس // فَداعٍ إلى ضَلالٍ وَهــــــــــَادِ
واللّبيبُ اللّبيبُ مَنْ لَيسَ يَغْترْ // بِكُوْنٍ مَصيرُهُ للفَســــــــادِ !

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “حوار مع شاعر الفلسفةأبي العلاء المعري (رهين المحبسين) ج٢”

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته …
    هيئة إدارة مجلة الثقافية الجزائرية
    كل الشكر والتقدير لكم على الاحتفاء بما نبعثه إليكم من قصائد شعرية ومقالات نثرية وإسعادنا بنشرها في
    فضاءات مجلتنا الغراء .
    الشاعر السعودي الدكتور
    سالم بن رزيق بن عوض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق