قراءات ودراسات

وليد كَسَّاب وكتابه ( أحاديث وأسْمار )

بقلم: عبد المؤمِن الـمُقَلي

الحمد لله .
أكتب هذا المقال يوم السبت 11 شَوَّال 1440 ، الموافق 15 يونيو 2019 ، أيْ بعد شهرين ونصف مِن لقائي بأستاذنا الأديب النبيل الأستاذ وليد كَسَّاب ، فقدْ التقيتُ به في معرض الكتاب بأحبِّ البلاد المصرية إليَّ ( الإسكندرية ) يوم الخميس 28 مارس 2019 ، ورأيتُ يومئذٍ مِن بشاشته وتواضُعه وحُسن ترحيبه ما زادني له تبجيلاً وتوقيراً ، وقد كتب إهداءاً لي على نسخةٍ مِن كتابه هذا ما نصُّه: ” إلى مولانا الأعزِّ عبد المؤمِن الـمُقَلي ، مع دعوات بالتوفيق الدائم ” .
وقد كنتُ قبل ذلك اللقاء قد حاورتْه هاتفياً نحو ساعة .
ولقد سَرَّني كثيراً ما أجِده فيه من الرُّقِيِّ الذي نفتقِدُه في كثيرٍ المشتغِلين بالأدب في عصرنا ، مـمَّن صار بهم الاشتغالُ بالأدب عَلَماً على قِلَّة الأدب !! ، وإن شئتَ قلْ عدم الأدب !!.

ترجمة وليد كَسَّاب :
هو الأديب النبيل ، الكاتب الراقي المشهور ، الإعلامي الفاضل ، الأستاذ وليد بن عبد الماجد بن جبريل بن إبراهيم بن محمد بن قُطْب بن حسن بن خليل، مِن آل كَسَّاب .
وقد أخبرني أنَّ أحد العارفين بالأنساب أنبأه أن عشيرته آل كَسَّاب أصلُهم من بلاد المغرب ، وأنهم مِن قبيلة فَزارَة ، وهي إحدى أشهر القبائل العربية منذ الجاهلية .
وُلد وليد كَسَّاب يوم السبت 13 من ذي الحجَّة سنة 1396 هـ ، الموافق 4 مِن دِيسمْبر سنة 1976 م في قرية شَنْدِيد التابعة لمركز إيْتاي البارُود بمحافظة البُحَيرة بمصر ، وتعلَّم إلى أن تخرَّج سنة 1999 م بكلِّية الآداب في جامعة طَنْطا .
له تصانيف مطبوعة ، منها ( التلوين البلاغي في الخطاب القرءاني ) ، ( أبو عُبيدة بن الجرَّاح رجُل السَّقِيفة وفاتح بيت الـمَقْدِس ) ، ( تحت الرماد ) أوراق من السيرة الذاتية لمحمد سعيد العِريان ، ( من قضايا الـهُويَّة في أدب مصطفى صادق الرافعي ) ، ( مقامات ابن كَسَّاب ) ، ( مقالات الرافعي المجهولة ) .

وليد كَسَّاب وعبد الـمؤمِن الـمُقَلي

وقد عمل مُديرا لإدارة التنسيق والمتابعة برابطة الجامعات الإسلامية ، وعمل مُديراً لإدارة البرامج والمحتوى ، ونائباً للمشرف العامِّ بقناة ( أزْهَري ) . وعمِل مُديراً لتحرير مجلة الجامعة الإسلامية بمصر ، وعمِل كاتب سيناريو مُعِدَّاً لأفلام وثائقية بقناة ( صفا ) ، وكان رئيس تحرير برنامج ( لعلَّهم يفقهون ) في قناة ( لِيبيا أولاً ) الفضائية .
وهو عضو في رابطة ( الأدب الإسلامي ) العالَمية ، وعضو في اتِّحاد كُتَّاب مِصر . وقد نشر عدَّة مقالات ثقافية وسياسية وأدبية واجتماعية في جريدة ( الأهرام ) المصرية ، ومجلة ( الحياة ) في لَنْدن ، ومجلة ( الأدب الإسلامي ) السعودية ، ومجلة ( الوعي الإسلامي ) الكُوَيتية .
وحاز درجة الماجستير بامتياز في البلاغة القرءانية ، وهو الآن يُعِدُّ رسالته للدكتوراه في الأدب والنقد .
ولم ألتقِ به إلا مرةً واحدة ، ولم أقرأ له إلا كتابنا هذا ، ولكني أحسبه – واللهُ حسيبُه ، ولا أزكِّي على اللهِ أحدا- مِن أرقى وأفضل أدباء عصرنا علما وأخلاقاً وكياسةً ، حفظه الله ونفع به .
وأرى له مِن اسمه حظَّاً وافراً ، فهو كَسَّاب ، ومِن الأدلَّة على هذا أنه من أشهر رُوَّاد مدرسة الأديب العلَّامة مصطفى صادق الرافعي الأدبية اليوم ، ومع هذا لا أرى فيه فظاظة الرافعيِّ ولا شراستَه ولا عُدْوانيَّتَه ولا تهويلاته التي صارت شِعاراً لأكثر المُعتنين بتُراث الرافعيِّ ، مع اعترافي بما للرافعيِّ مِن العلم والفضل والجُهد المشكور في خدمة لغة القرءان ، وما كان الرِّفقُ في شيءٍ إلا زانَه ، وما نُزِع مِن شيءٍ إلا شانَه .
ولكنِّي أرى وليد كَسَّاب قد كسب أفضل ما في مدرسة الرافعيِّ مِن سلوك الطريق الأدبيِّ المحافظ ذي النَّزْعة الإسلامية ، وقد صان وليدٌ نفْسه عن وَلَع تلك المدرسة بالخُصومات وشغفهم بالمعارك والسِّباب ، قد أدركتُ فيه إعراضه عن المِراء واجتنابه للجَدَل العقيم ، وهذا كسْب عظيم ورِبْح ثمين يُغْبَط عليه .
على أنِّي شاهدتُ الفيلم الوثائقي ( وَحْي القلم ) الذي بثَّـــــتْــــه قناة ( الجزيرة الوثائقية ) الفضائية الشهر الماضي ، وودتُ لو أشار الأستاذ وليد كَسَّاب إلى هذه الملاحَظة حول الرافعيِّ ومدرسته الأدبية ، لاسيَّما وهو مِن أبرز مَن تحدَّثوا عن الرافعي في هذا الفيلم ، لا أعلم له بينهم نظيراً في النَّزاهة والإنصاف إلا الأديب الراقي الناقد البارع المشهور الدكتور حُسام عَقْل – حفظه الله – .
كتابه أحاديث وأسْمار :
اسم الكتاب ( أحاديث وأسْمار ) ، يقع في 208 صفحة ، نشرتْه دار البشير للثقافة والعلوم ، بمصر ، الطبعة الأولى ، 1440 هـ / 2019 م .
مُحتويات الكتاب :
قسَّم المؤلِّف كتابه هذا إلى ثلاثة أقسام ، سمَّاها :
1- مِن طَيْف الذِّكْريات .
2- قامات وأعلام .
3- مِن أدب الكتب .
موضوع الكتاب :
هو كتاب نفيس ، غزير الفوائد ، يشتمل على مقالات عديدة متنوِّعة ، تجمع بين الأدب ، والفُكاهة السامية ، والنقد البنَّاء ، والسيرة الذاتية ، وشهادات على أعلام من أهل عصره التقى بهم ، كما تحوي أنيناً خالياً مِن الافتِعال ، وأشجاناً صادقةً دفعتْه لتدوينها لوعةُ فِراقِ والديه وغيرِهما مِن أحبابه رحمهم اللهُ وإيانا ، ولا يخفى على الأريب ما للآلامِ مِن جلالة ، كلُّ ذلك بأسلوب مشوِّق ، وعبارات رشيقة ، وسلاسة رائقة ، ونزاهة فائقة ، ولُغةٍ مُعجِبة ، مِن غير تنطُّعٍ ولا تشدُّقٍ ولا تهويلٍ .
منهج الكتاب :
بدأ المؤلِّف بلُطفه المعهود تحت عنوان ( فاتحة ) ببيان كيفية تأليف هذا الكتاب ، ثم سرد في القِسم الأول ( مِن طَيْف الذِّكْريات ) طرائف عايَنَها في طفولته ، أظرفها ما حكاه تحت عنوان ( العفاريت الزرقاء ) ، إذْ استخرجَ الفُكاهة في أحلى صُورها من ذِكْريات الرُّعب التي ذاقها كثيرٌ منَّا في طفولته مِن جَرَّاء ذلك العالَم الغامضِ الرهيب عالَم الجِنِّ .
ثم سرد ذِكْرياتٍ مهمَّة تحت عنوان ( في ضِيافة القذَّافي ) ، أورد فيه بعض ما عايَنَه في ليبيا مِن الظلم والفساد على عهد معمَّرٍ القذَّافيِّ .
ثم استرسل تحت عنوان ( طَيُّ النِّسيان ) برُوحه المرِحة في بيان مُعاناته مع ذاكرته الضعيفة ، ولقد شعرتُ وأنا أطالع تلك السطورَ بالراحة التي يشعُر بها المُبتلى إذا رأى مَن ابتُلوا ببلائه ، لأنِّي قاسيتُ – ولا أزال – كثيراً مِن هشاشةِ ذاكرتي ، وعلى كثرة اطِّلاعي لم تُخَلِّ الهُمومُ بيني وبين مُتْعة الحفظ ، ولقد نسيتُ مِن العلم ما لو علِمَه إنسانٌ لَصارَ به عالِماً !! ، وقد قيل ” آفةُ العلم النِّسْيان “.
وأمَّا القِسم الثاني ( قامات وأعلام ) فقد اختصَّه المؤلِّف بالحديث عن مشاهير التقى بهم ، فبدأ تحت عنوان ( الشيخ الغزالي وجدل لا ينتهي ) ، وذكر صُحبته للشيخ أزْيدَ مِن عشر سنين ، وأشار بإيجاز إلى المعارك التي نشبتْ في أعقاب انتشار كتابه الشهير ( السُنَّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث ) .
ثم حكى تحت عنوان ( الـمَحَلَّاوي الزاهد ) ما يسُرُّ القلبَ ، فشهِدَ بما رآه في زيارته للداعية الإسكندراني الفاضل المعمِّر الجليل المشهور الشيخ أحمد الـمَحَلَّاوي ، وتأثُّرِه بفرْطِ تقشُّفه ، ومبالَغته في الزهد في الدنيا ، وامتناعه عن قبول مبلغ قدْره آلاف الجنيهات بعثه القائمون على إحدى الفضائيات للشيخ في مُقابِل حوار سجَّلوه معه في بيته ، فأبى الشيخ وصرَّح بأنه لا يأخُذ أجْراً البتَّة على عملٍ دَعَويٍّ ، على أنَّ هذا مما اعتادتْ الفضائيات مكافأةَ أمثاله مِن المشاهير به ، بل ممن دونَه بكثير .
ثم أشار تحت عنوان ( محمد عِمارة رجُل مِن فُولاذ ) إلى شيءٍ مِما عايَنه من مناقب الدكتور محمد عِمارة . ثم ذكر تحت عنوان ( الحيُّ عبدُ الحيِّ ) مواقف مهمَّة وأخرى طريفة رآها خِلالَ لقاءاته بالدكتور عبد الحيِّ الفَرَماوي .
ثم روى تحت عنوان ( رُومانسيَّة الدكتور عبد الصَّبُور ) ما شاهده مِن حُسن خُلُق الخطيب اللغويِّ النبيل الدكتور عبد الصَّبُور شاهين ووفائه لامرأتِه وما قصَّه عليه عبدُ الصَّبُور مِن مناقبِ امرأته .
ثم بيَّن تحت عنوان ( محمود عِمارة أديب الدعاة ) ما امتاز به الدكتور محمود محمد عِمارة من الفصاحة والبلاغة ، وأنه سأله عن سِرِّ فصاحته ، ونقلَ جوابَه ، ثم أشار إلى قوَّة حفظ محمودٍ العجيبة ، وذكر شيئاً مِن طرائفه الدالَّة على ظَرْفه .
وقد ذكر المؤلِّفُ في هذا القِسم أشخاصاً آخَرين لَم أذكُرْهم لضِيق المقام ، واقتصرتُ على ذِكر مَن هُم أكثرُ مِنهم شُهرةً .
وأمَّا القِسم الثالث ( في الأدب والنقد ) فقد بدأه المؤلِّف بمقالة ( المقامة الأدبية مِن الازدِهار إلى الاندِثار ) ، تكلَّم فيه على فنِّ المقامة ، وتعريفها ، ونشأتِها ، وأشهَر كُتَّابها ، وأهمِّيتها ، وأسبابِ ازدِهارها قديماً ، ثم اندِثارِها بعدُ .
ثم تكلَّم تحت عنوان ( عبد الله عسيلان عندما تُعشَق الكتب ) على مُتعة المُطالعة ولذَّة القراءة وطرب مُحبِّي الكتب بذلك ، ونقل عن كتاب الدكتور عبد الله عسيلان ، أو عَرَضَ الكتاب بإيجاز شديد .
ثم عرَّج على كتاب ( قواعد العِشق الأربعون ) للكاتبة التُّرْكية أليف شَفَق ، فتكلَّم عليه في صفحتين ، ثم تكلَّم على كتابها ( حليب أسود ) في ثلاث صفحات ، ثم انتقد رواية ( الفتى المتيَّم والمعلِّم ) في ثلاث صفحات .
ثم نوَّه المؤلِّف بصديقي الأديب الراقي الخلُوق الفاضل الأستاذ كارم عبد الغفَّار – حفظه الله – وبعض مؤلَّفاته الأدبية .
وختم المؤلِّفُ كتابه بثمانِ صفحات تحت عنوان ( أيْ بُنيَّ ) ، وهي نموذج بديع لوفاء الابن البارِّ بأبيه ، إذْ سرد فيها المؤلِّفُ بعضَ مناقبِ أبيه ، رحمه اللهُ وإيَّانا .
نقد الكتاب :
اشتهر عن الإمام الشافعيِّ قولُه : ” أبى اللهُ أن تكُونَ العِصمة إلا لكتابه ” ، وأنا لا يحضُرني الآن مما يُنتقَدُ في ( أحاديث وأسْمار ) إلا أمرٌ يسيرٌ جداً يتَّسِع فيه الخِلافُ للغاية ، ألا وهو إغفالُ المؤلِّف تسمية تلك الأقسام فصولاً أو أبواباً بدلاً مِن ترْكِها بلا تسمِية .
جديرٌ بالذِّكْر أنَّ لدى المؤلِّف ذِكْريات وأخبار كثيرةٌ جداً ليست دُون ما دوَّنه في كتابه هذا جَودةً ونفعاً ولطافةً وطرافةً .
ولكنَّه معذورٌ في تركِ تدوينِ كثيرٍ منها ، لأنَّه – كما أشار وأشرتُ آنِفاً – مُبتلىً بضعف الذاكرة الذي قدَّر اللهُ لي أنا أيضاً أن ابتُليتُ به ، فنرجُو أن يُتحِفَنا أديبُنا المُوقَّر – إن استطاع إلى ذلك سبيلاً – بمَزِيدٍ مِن أمثال هذه الأخبار في الطبعات القادمة ، أو في كتاب مُفرَد ، ولا يكلِّفُ اللهُ نفْساً إلا وُسْعَها .
خاتمة :
وبالجُملة فإن كتاب ( أحاديث وأسْمار ) من أمتع وأنفع ما قرأتُ من تصانيف المعاصِرين ، وأرجو أن يزدادَ الكتَّاب والأدباء عِنايةً بمِثل هذا اللونِ الماتع النافع مِن الأدب ، وإنَّ فيه لمَشْغَلةً تامَّةً عن الأساطير التي يسمُّونها ( الرِّوايات ) .
فهذا اللون من الأدب هو الذي ينفع الناس بما يحصِّلون مِن خُلاصات تجارب البشر ، بخِلاف تلك الأساطير التي يسمُّونها روايات ، والتي هي في الحقيقة ضَرْبٌ مِن المخدِّرات عمَّتْ بها البلوى في القرن الأخير ، بحيث صارت أكثر الكتب رواجاً ، وصار مَن يبتغي الشُّهرة يَعْمَد إلى أسطُورة يختلِقها – أو يسرقها !! – ، فلا يلبثُ إلا قليلاً حتى يُنعت بـ ” الأديب الكبير ” !! ، و ” الرِّوائي الخطير ” !! ، ويُدرَجَ في قائمة أكابر المُبدِعين ، ويُستقبَلَ استقبال الفاتحين ، بحيثُ لا يزهد في ” حَوادِيتِه المكذوبة ” !! إلا ظلاميٌّ أو رَجْعيٌّ أو عدوٌّ للثقافة أو خَصْمٌ للإبداع .
حفِظ اللهُ أستاذنا الأديب النبيل وليد كَسَّاب ، وبارك في عُمره وعلمه وعمله ، ووفَّقَنا وإيَّاه لما يحبُّ ويرضى .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق