ثقافة السرد

أرجوحتي الشبكية

د. طارق البكري*

أرجوحتي شبكية، من خيزران صلب يمتد كالحبال الطويلة، مفتولاً ومتداخلاً بعضه مع بعض فيزداد صلابة وقدرة ليتمكن من تحمل وزني الثقيل..
وعلى الخيزران قطعة قماش قطنية ناعمة، محشو داخلها بالديباج، ومطرز خارجها بأشكال فنية باهية وألوان زاهية، تتباهى وتتماهى مع الطبيعة من حولها، فتلوح قطعة من شجرة المورينجا التي تحملها بأغصانها، ترقص (السابما) مع الريح على ألحان موسيقا أسطورية.. وما بين الـ”دو” والـ”ري” والـ”مي”.. تتراخى أطراف العِنان، كأنه يلامس في أسفلها رذاذ نهر الأمازون العظيم وهو يصب صبيباً لا انقطاع له..
كنت أتمنى فعلاً أن يعبر نهر الأمازون عبوراً ولو مرة واحدة في حياتي من أمام منزلي، أو يمكث فترة من الزمن لأطل عليه في صباحات متعددة من شرفتي، أتأمل انسيابه وجريانه من بين سيقان الأشجار العالية، منصتة إلى هدير مائه العذب، فيما أحتسي قدحاً من الشاي الأخضر الدافئ مع وريقات من النعناع المنعش المدهش..
آه.. ما أجمل أن نحلم.. وتلك الأحلام المستحيلة هي الأجمل والأوقع لحناً من الناي في قاع الأذن عند ساعات الفجر الأولى.
آه.. الأحلام ليست ممنوعة.. دعوني أحلم كما أشاء..
وعندما أعود إلى الواقع أعود لأكتشف الحقيقة..
شتان من بين الأحلام والواقع.. فالنهر الصغير الوحيد العابر على تخوم بلدتنا القديمة يمر من بعيد بعيد، وغالباً ما يجف ريقه معظم فصول العام فلا يبق منه غير التراب وأحجار صغيرة يحملها في طريقه ويتركها ثم يرحل.. ربما يريد أن يخبئها للعام المقبل يوم يفيض من جديد ليحملها إلى مكان أبعد.. لكن من يضمن بقاءها في المكان نفسه لعام مقبل، وأطفال من هنا وهناك يمرون على مجرى النهر الخالي من الماء يصطادون حجارته يرشقون بها الأشجار والثمار.. وربما رشق بعضهم بعضاً لهواً ولعباً..
هو في الحقيقة أقرب إلى أن يكون ساقية وأبعد من أن يكون نهراً، والذهاب إليه لا يتاح لي دائماً، فأبي لا يستطيع أن يقلني نحوه باستمرار، كما أنه لا ينشط ويشتد فيضه ليغمر الضفتين إلا لأسابيع قليلة في فصل الشتاء ثم يهدأ شيئاً فشيئاً حتى يخبو وميضه.. وقلما يجد أبي متسعاً من الوقت يفرغ فيه من عمله ليصحبني إلى هناك..
والساقية لا تغني عن النهر الصغير، فكيف إذا ما كان النهر جباراً كنهر الأمازون العظيم.. لكن شموخي لا يتنازل عن طموحي بسماع صوت الماء الهادر.. فأتخيله وإن كان صوت جريانه واهناً ضعيفاً..
أمَّا عندما يهطل المطر بغزارة ويذوب الثلج على الجبال المحيطة بنهرنا الصغير، فيشتد جريانه وتتنشط حيويته، كأنه متفاخراً بما حقق من انتصار وإن كان انتصاراً مؤقت.. ففي النهاية، مهما بذل من جهد وأجزل بالعطاء، فإنه لن يستطيع أن يباري الأنهار الأخرى الزاخرة بالماء الفياض طوال العام..
وهل تجسر ساقية صغيرة شحيحة على منافسة نهر عظيم مثل الأمازون.. أسخى أنهار العالم؟! لا جدال! فالإجابة واضحة البيان.
وبالرغم من ذلك، فإن الأحلام تبقى منهمرة دفاقة، بعضها يسابق بعضها الآخر في سلسلة لا تنتهي، تنتج أنهاراً أعرض وأطول بالأمنيات.. وما أوسع الأمنيات وما أغزرها، فهي أوسع من سماء، وأغزر من محيط..
تملأ جراراً فارعات فارغات لا عد له ولا إحصاء، تروي أراضي عطشى شاسعات، وقد تجعل الصحراء معشوشبة خضراء، تمتط فيها الأشجار حتى تلثم السماء..
– “هل تدري يا أبي كم مرة ذهبنا فيها إلى ذلك النهر البعيد؟”.
يقهقه أبي فاغراً فاهه، قالباً عينيه من شدة الضحك، حتى يبدو بياضها لامعاً مشعشعاً بدمعة براقة..
تمتص الضحكة وجهه حتى لا يرى منه غير أطراف الفك والأسنان البارزة واللسان المضطرب.. راسماً بشفتيه دائرة عظمى كرغيف (برغر) محمَّر..
– “أبي.. كم عمرك؟”.
سألت أبي يوماً هذا السؤال فضحك.. وقال كأنه تفاجأ من السؤال فليس من سبب يدعو إليه ولا حدث يستوجب معرفة رقم السنين:
– يا لهذا السؤال!.. آه.. لقد كبرت أليس كذلك.. لكن.. مهلاً.. ما الذي يشغلك في عمري أيتها الفتاة الجميلة الرقيقة”.
– “دعنا الآن من المزاح.. وقل لي..”.
– “سأخبرك أولاً بحادثة مماثلة.. ثم أجيب على سؤالك بشرط أن تعيد السؤال بطريقة صحيحة؟”.
– “تفضل.. كلي آذان صاغية”.
– “سأل رجل صديقه: كَم تَعُد؟ فأجابه: مِن واحدٍ إلى ألف وأكثر. فقال: لَم أُرِدْ هذا!، ثم أعاد السؤال بطريقة أخرى: كم تَعُدُّ مِن السِن؟ فقال: اثنتين وثلاثين سِنّاً.. فاحتار الرجل منه وقال: أقصد كم لك مِن السنين؟ قال: ليس لي منها شيء، السُنونُ كلها لله، فقال بعد أن أصابه الإعياء: يا هذا، ما سِنُّك؟ فقال: عَظم! قال: ابنُ كَم أنت؟ قال: ابن اثنين، رجلٌ وامرأة. فقال: كم أتى عليك؟ قال: لو أتى عليَّ شيءٌ لَقتلني! عندها قال وقد ندم على السؤال: فما أقول؟ قال: قل كم مضى مِن عُمرك؟”.
ابتسمتُ وقلت له دون أن أبدي أي اهتمام بهذه القصة:
– “هل يحتاج ذلك لقصة تخبرني بها.. على أي حال.. لا مشكلة.. نعيد السؤال: كم مضى من عمرك يا أبي؟”.
– “ولماذا تسالين الآن هذا السؤال؟”.
– “تتعبني دائماً بردودك.. أسألك سؤالاً فتحكي قصة أو تسألني سؤالاً على سؤال.. خلاص.. انتهى.. غيرت رأيي.. أسحب سؤالي.. لم أعد أريد معرفة الجواب”.
– “يا لك من فتاة شريرة!”.
– “آه منك يا أبي.. تظن أني لا أعرف عمرك الحقيقي؟”.
– “بلى.. أعرف.. وأستغرب سؤالك”.
– “مجرد استفسار للدردشة”.
– “قلت لك.. أنت – بلا شك – فتاة شريرة.. كيف يستعلم الإنسان عما يعلم؟”.
كم أنت رائع وجميل يا أبي.. منذ أن فارقت أمي الدنيا وأنت تلعب دوراً مزدوجاً.. فأنت الأم مرة.. والأب مرة، لا أدري كيف يكون الأب رجلاً بقلب أم!! أو أمَّاً بقلب رجل.. سيان عندي لا يهم الفرق بين أن يكون الرجل في قلب أم أو تكون الأم في قلب رجل.. فالنتيجة واحدة.. لكني أعتقد في النهاية أن أبي هو قلب في حد ذاته.
ويا ترى إلى أين تذهب الأمهات الصغيرات بعد الموت؟
وهل هن يمتن في الحقيقة؟!
دائماً ما أتساءل: “لماذا تموت الأمهات صغيرات السن؟! وعندما يمتن هل يسكنَّ الجنة أم الجنة تسكنهنَّ؟!”.
الا يقولون إن الجنة تحت أقدام الأمهات.. أود لو بقيت لي حتى قدم واحدة.
عموماً.. أنا أرى أن الموت ليس عدواً.. بل هو صديق.. رفيق بالإنسان منذ مولده.. فالحياة قرينة الموت، والموت أيقونة الحياة.. يأخذ الأحبة منا بلا استئذان.. فيا ليته يتمهل قليلاً ويطلب الإذن قبل أن يقتحم حياتنا فجأة..
المشكلة أنه لو كان الموت رجلاً واستأذن، فسوف يرفض الأحبة فتح الأبواب واستقباله، ويمتنعون عنه ويصدونه عن أداء عمله.. وربما حاربوه وقاتلوه أيضاً..
هيهات هيهات ما بين الواقع والأحلام.. فليس أمامنا إلا احترام الموت والإذعان له.. أقصر العمر أم طال..
لم أكن أجرؤ بتاتاً على ذكر الموت أو سؤال أبي عنه..
سبع سنين مرت وأنا أعيش في سعادة وهناء لا يوصفان، مرة يكون أماً.. ومرة يكون أباً.. يقضي معي ما استطاع من وقت رغم انغماسه بالعمل.. يؤخر بعض واجباته ليسهر معي.. أتصنع التعب وادعي النعاس حتى يسمح لي بالذهاب إلى غرفتي فأشعر به يعمل فترة طويلة قبل أن ينام.. لكنه في النهار مشغول في عمله.. وأنا أريد الذهاب إلى النهر لأسمع هديره.. وحتى عندما يجف ماؤه وتظهر أعماقه.. يظل النهر الخالي نزهتي الفضلى على جفافه.
وأبي الذي لا يفتر عن العمل، ما زال قلبه معلق بأمي.. ولطالما سمعته في الصباح المبكر يناجي الله ويدعو لها بالرحمة وأن تسكن أعلى الجنة.. يدعو لها بعيداً عني.. لكن بعض كلماته تتسرب إلى قلبي الصغير وأنا في فراشي، فأرددها دون أن يدري، مؤمِّنة على دعائه..
في البداية لم يخبرني بموت أمي.. وأخفى عني قبرها.
سألته بعدما عرفت بموتها لماذا لم يخبرني؟ لماذا أخفى عني قبر أمي.
أذكر أنها كانت مريضة، أدخلوها المستشفى لإجراء عملية في القلب.. لكنها لم تعد منذ ذلك الوقت..
أخبرني أبي أنها سافرت للراحة وللنقاهة بعد العملية.. لكن سفرها طال كثيراً..
كنت أرى الدموع تلمع في عينيه ولا أفهم..
لم يكن عندي أقارب كثيرون..
في البداية امتلأ منزلنا بالجيران والأقارب والأصدقاء وزملاء أبي بالعمل..
لم أفهم لماذا كان جميع النساء اللاتي يزرننا يرتدين لوناً واحداً.. لم أكن أفهم لماذا فضلن اللون الأسود على كل الألوان الزاهية.. وبعد أيام قليلة بدأ الزوار ينحسرون.. ثم لم يعد يأتي أحد..
كنت صغيرة جداً.. واليوم أصبحت شابة.. لكن أبي ما زال يعاملني كطفلة صغيرة.
وما زلت أعشق تلك الأرجوحة الشبكية.. ورقصة السامبا.. والنهر الصغير الذي لم يعد على تخوم بلدتنا.. لم يعد هناك من مجرى ليسيل له الماء.. فقد كبرت بلدتنا القديمة وامتد عمرانها ليقضم أشياءها الجميلة..
وما زلت أتمرجح على تلك الأرجوحة الشبكية نفسها، ومعي تتأرجح ابنتي التي تحمل اسم امي.. وما زلت أرقص السامبا على وقع المطر مستمتعة برذاذ المطر.. تماماً.. كما كانت تفعل أمي..
وما عدت أسأل أبي عن عمره ولماذا أخفى عني قبر أمي..

*الكويت

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق