ثقافة النثر والقصيد

وطنٌ فاسدٌ وشبابٌ غائب ..

د. عاطف الدرابسة

رسالةٌ من شابٍّ تخرّجَ حديثاً إلى والده :

يا أبتِ :
نهاري صارَ ليلاً
وليلي أصبحَ نهارا
ها أنا أُجيدُ فنَّ السّهرِ إلى الفجرِ
وأُمارسُ طقوسَ ” الببجي ”
حدَّ الصُّراخِ والجنون
أغيبُ معها كغيابِ الصّوفيِّ
لا أعرفُ ما الذي يجري في الوطن
قالوا لي :
إن الضرائبَ تتنزَّلُ على كواهلنا كالقنابلِ العنقوديّة
وقالوا لي :
إنَّ نسبةَ البطالةِ بين الشّبابِ حطَّمت الأرقام القياسية
وعلمتُ بأنَّ الكسادَ يغمرُ الأسواق
كما تغمرُ المياهُ الآسنةُ
المشاتلَ
والمزارعَ
وأقدامَ النساء ..

يا أبتِ :
ها أنا أُجيد ” free fire ”
فكن مطمئناً على مستقبلي
فما دخلتُ معركةً في الببجي
أو الfree fire
إلّا وانتصرتُ فيها
فقد حررتُ
كلَّ الأحصنةِ
وكلَّ المُدنِ
وكلَّ القلاع
ورفعتُ في ساحاتِ الببجي
راياتِ العزِّ والفخار
وعوّضتُ كلَّ هزائمنا
في فلسطينَ
والعراق
في ليبيا
وصنعاء ..

يا أبتِ ..
ضُمَّني إلى صدركَ
بكلِّ فخرٍ واعتزاز
فقد أجدتُ كلَّ أشكالِ التدخين
التبغ الملفوف
والغليون
والسيجارة الالكترونية
والأرجيلة
وتعاطيتُ باحترافٍ
كلَّ أنواعِ الحبوب المخدّرة والمُسهرة
وأتقنتُ التحشيشَ والتخزينَ
وها هو الأفيونُ
يبني أعشاشاً في رئتي
لأتنفسَ حريّةً وهميّة
وها هو الهيروين
يغزو خلايا عقلي
وخلايا دمي
لأبني فوقَ جبالِ الوهمِ
وطناً لا يُشبهُ وطنكم
وقصوراً لا تشبهُ قصوركم
واقتصاداً لا يُشبه اقتصادكم ..

يا أبتِ :
ها هي الشهاداتُ الجامعيّةُ
التي حصلنا عليها بعدَ سنين
تتراكمُ في ديوانِ الخدمة المدنيَّة
كما تتراكمُ الثّلوجُ في الصحراء
انظر إلى الشبابِ المُهاجرِ
والشّباب الذي يصطفُّ
أمامَ أبوابِ السفارات ذليلاً
كالجيوشِ المهزومة
يرحل عن البلد كما ترحلُ الطيور ..

يا أبتِ :
لا تُهاجمني
ولا تسخرْ منّي
إن جاءكَ خبرٌ أنِّي أعملُ طبيباً
في مشاريعِ الخيانة
أو مديراً في الشّركاتِ الفاسدة
أو عميلاً لدولةٍ أجنبية
أو تاجرَ مخدّرات ..

يا أبتِ :
لا تخجلْ مني إن علمتَ يوماً
إنّي سطوتُ على بنكٍ
أو قتلتُ امرأةً عجوزاً
من أجل دينار ..

يا أبتِ :
لا تخشَ عليَّ إن أخبروكَ
أني أنامُ على حاشية الرصيف
فهذا الزّمنُ عاهرٌ
كأنهُ مصابٌ بالإيدز
أو كأنهُ مُصابٌ بالزهايمر
فالوطنُ الخربُ
حينَ يُصابُ بالفسادِ
يدفعُنا إلى الجنون ..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق