قراءات ودراسات

مملكة القطار… سلطان الحكي وفتنته *.ّ

عبدالرزاق المصباحي*

علاقة صداقة عميقة تلك التي تجمعني بالقاص حسن الرموتي، وعلاقة أعمق تجمعني بنصوصه الشعرية والسردية، ولا غرو إذ كنت في كثير من الأوقات مواكبا لكثير منها وهي تنسج… و قريبا منها وهي تعانق – بعدَ الفعل العقوقي الواجب _ أولى مساحات التخييل في دوائرها الأضيق قبل أن تنفجر جمالا وفتنة في أفضية التلقيات المتنوعة، وتنفرج عقدها لتظهر تواشج المأساوي بالممتع، والواقعي بالحالم. والرموتي يحرص على هذه التواؤمات، لكونها مركز البناء السردي لديه، فالبطل/الذات في غالبية قصص المجموعة وفي حالات الانكسار القصوى يتعرض لمواقف تفصح عن سخرية ماتعة وبورخيسية ممتدة، فهو كالملك الضليل يبحث عن مملكته المفقودة، وهي مملكة ليس بمقدور الواقع بضوابطه المنفرة وقوانينه القهرية، أن يستوعب اندياحها، لذلك تتموقع في منزلة وسطى بين الواقع وبين الخيال، بين اليقظة والحلم.

 

بين اليقظة والحلم : زمن الانكسار.

هناك نوع من الاشتغال المقصود على عنصر الزمن، وهناك محاولة واضحة لتحديده وضبط حيزه، بدايته ونهايته (اليقظة والحلم )، بينهما تماما تحدث أشياء كثيرة : الانكسارات، علاجات الروح المكلومة، والبسمات المسروقة التي لا تجاوز الأعماق. ولعل توسل القاص بمقتبسة عبدالله راجع يضَمّن هذه الرغبة الواعية :

” وأنا امتداد الحلم والموت المؤجل

كلما نبتت بقلبي وردة

أحسست أن جراحه تزداد شبرا. ”

غير أن هذا الامتداد لا يجاوز مرحلة ما البين، فحده الأدنى الواقع وفي حده الأقصى الحلم، وتتأكد قصدية الحد الزمني في مناص الإهداء : إلى الوطن الهارب منا…  في اليقظة وفي الحلم … وبدون مناسبة. بين اليقظة والحلم، مساحة زمنية ممكنة لتقوم أسس المملكة الموعودة، المملكة الهاربة، المملكة / الموضوع، لذا فكر البطل في سرقة قطار وتكوين مملكته، بتواطئ مع زوجته التي باركت الفكرة، قبل أن تبوء المحاولة بالفشل بعد أن يتلقى لكمة قوية من جاره تعيده إلى الواقع، وتعود به إلى سبيله الأول أي المسار المحدد له واقعيا، أن يسير بين القضبان دون هامش حرية أكبر.

بين اليقظة والحلم زمان للانكسار والخيبة المكررة، ففي هذا الزمن فكر البطل في تحويل القطار صوب قرية جده قبل أن يعدل عن ذلك حين يتذكر أن الطريق المعبدة لا تصل إليها فكيف بسكة الحديد، وفي الزمان ذاته فكر في توزيع الركاب ضمن فئات في مملكته وعزم على التنفيذ قبل تلقيه للكمة، إنه زمن تحدث فيه الأشياء على مستوى المتخيل دون أن تتعداه إلى الفعل المقرون بالتغيير.إذن فقيود الحلم هنا أعتى من قيود الواقع نفسه، وخيباته أشد مضاضة قياسا إلى حجم الأمل وإلى أفق التوقعات بهامش حرية أكبر، وبإمكانية السمو فوق ضوابط الوجود الواقعي.

والقفلات في الخطاطة السردية للقصص الإحدى عشرة غالبيتها، تشي بانهزام أبطالها حيث الذات سرمدا في حال انفصال عن موضوعها :

ü     مملكة القطـار : فشل خطة اختطاف القطار وتكوين المملكة.

ü     الحـــــــــرب : استغلال >> عمي عباس << ومعه جنود كثر في حرب، يقتل فيها الأشقاء بعضهم.

ü     المحارب والمحطة: ركون المحارب في حال انتظار طويل، وضياع مواعيد كثيرة مع القدر.

ü    العــــرافة : خروج البطل وفي القلب امتداد الأسى بعد فشل العرافة في تشخيص حال الشاعر الذي يعشق القصيدة ببحرها الطويل.

ü    عروة الزمن الحالي : القبض على البطل، منتحل صفات الشعراء.

ü    قصة الفصـل: الفشل في تحقيق الألفة مع جماعة الفصل، وتركهم يغرقون.

ü    قصة المنصة : الفشل في التواصل مع العجوز الذي ينتظر انتهاء المهرجان الخطابي لابتداء الحفل الغنائي.

ولنحظ في كل هذه القفلات أن السارد ( القائم بالسرد تخييليا) ساد ( بالتنوين المكسور) في حد مصير شخوصه، غير رحيم بها، ومتلذذ بجعلها ذائقة أشكالا منوعة من الخيبات، وشاربة أقداحا من المرارة المسترسلة، وهو ما يمكن أن يوائم الشعور ذاته الذي يحمله الرموتي/ الكاتب الحقيقي عن حال السلب عند المواطن العادي حين يقع سندانا لمطرقة رجل السياسة و العسكر؛ لذا نجده يعكف على وضع مقابلات ضدية، ضمنية أو صريحة، للمواجهات بينهما :

ü    الصحفي الذي فاجأه جاره بلكمة قوية اغتال بها حلمه في سرقة القطار وتكوين مملكة به.( الصحفي ≠ جاره)

ü    >> عمي عباس<<  المحارب الذي استغله الضباط في حرب / خدعة يقتل فيها الأشقاء بعضهم. ( عمي عباس ≠ الضباط)

ü    المحارب المسافر بحثا عن تعويض مادي غمطه فيه المسؤولون.(المحارب  ≠المسؤولون)

ü    منتحل صفة الشاعر >>عروة بن الورد<<، الذي تعتقله الشرطة.(الشاعر ≠ الشرطة)

ü    الشاعر الذي ثم تأبينه في غياب تمثيل لوزارة الثقافة. (الشاعر ≠ الموت  ووزارة الثقافة ).

في كل الصدامات والمواجهات التي جمعت الشخوص البطلة بأضدادها، تخرج خاسرة وبألم مضاعف، لذلك كانت تلك الشخصيات غير قادرة على الابتسام أو الضحك أو حتى لعنة الوضع والاحتجاج عليه إلا في أعماقها، كانت عملية تنم على نحو خفي:

(تأمل الكراسي وهي تبدل روادها كما تبدل القطارات مسافريها  ص 26)

(ابتسمت في أعماقي وأنا أردد: لقد كثر الشرفاء في هذا البلد، فلم يعد هناك مكان للصوص أو المخادعين. ص : 35)

( لعن في أعماقه بعض رجال الشرطة الفاسدين، وانفرج فمه عن ابتسامة صغيرة حين تذكر عروة بن الورد ص 48 ).

كان دافع هذه الابتسامات المتحفظة في الغالب السخرية والتهكم من مواقف لم يتوقعها الأبطال أو خاتلوا فيها خصومهم في لحظات انتصارات رمزية محتشمة، وحتى يخفف السارد من وطأة هذه النهايات المحزنة على المتلقي، ضمَّن القصص، كثيرا من المواقف الساخرة مستنبتا بينها نقدا لاذعا، كما هو الأمر في اختزال دور المثقفين في النقاش فيما بينهم في مملكة القطار، وعزلهم عن باقي العربات >> المنتجة<<  ، أو في المحاولات الفاشلة للتواصل مع العجوز عن المهرجان الخطابي لأحد الساسة.

كانت هذه بعض الملاحظات العاشقة لنص يمتد جماله وتنداح فتنه، في كل امتداد لعلاماته، وفي كل بياض يرتق بأنساق أريج منسوج من الألم، مسجور بالعذوبة في الحكي، وهي لا شك فتنة تنهل من روح هادئة، حكيمة ، متروية ترى المشهد من زوايا المحبة، رغم المثبطات الكثيرة وضيق الأفضية، التي تنفرج في مناسبة احتفائية كهذه، والتي نشكر عليها مندوبية وزارة الثقافة بالصويرة، ومنظميها.

* نص الورقة التي قدمت في الاحتفاء بالقاص في المعرض الجهوي للكتاب بالصويرة، الذي نظمته مندوبية وزارة الثقافة.

ناقد وكاتب من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق