قراءات ودراسات

مقاربة تفكيكية – تأويلية للوحة “الهروب من الإطار” للرسام الإسباني (بيردل بوريل)

بقلم: منصور زغواني

توضح اللوحة صورة فتى في العقد الأول أو الثاني من العمر، تبدو عليه ملامح الدهشة والتوجس، والخوف من الخارج؛ كنوع من فوبيا الأماكن المفتوحة. أما الأوصاف الخارجية للفتى فتشير كلها إلى حالة الفقر والحرمان التي كان يعاني منها، وربما ملامح العبودية والخضوع واضحة وجلية أيضا، وهذا أمر طبيعي جدا؛ لأن ردة فعل الفتى وهو يحاول التملص من الإطار الذي وضع فيه تصور بجلاء الحالة القبلية للفتى (أي؛ قبل محاولة الخروج من الإطار).
إن محاولة الانعتاق من الإطار لم تكن يسيرة، ولا حرة؛ بل كانت ردة فعل عنيف عن وضع عنيف سابق، ومقاومة شديدة ضد هيمنة شديدة سابقة. وأغلب الظن أن يكون الفتى في فترة المراهقة العمرية؛ لأن الأطفال قبل هذه المرحلة يكون عليهم، كعرف اجتماعي، تقليد ومحاكاة من هم أكبر منهم سنا في المجتمع، والذين يخضعون، بدورهم، إلى من هم أكبر منهم سواء من حيث السن أو من حيث المكانة الإجتماعية، أو من حيث المرجعية التاريخية. أما الفتى في مرحلة المراهقة فيكون أقرب إلى تجاوز بعض العادات الاجتماعية، والسلوكيات العرفية التي تنتشر، كقانون طبيعي، ينظم سير المجتمع؛ وهذا ما يسمى ب”طيش المراهقة” أو “التمرد الاجتماعي للمراهق”.
بينما قد يحاجج أحدهم أن هذا الفتى في مرحلة الطفولة المبكرة، وذلك من خلال عودته إلى فرضية (فريدريك نيتشه) في كتابه “هكذا تكلم زرادشت”؛ حيث اعتبر أن العقل يمر بثلاث مراحل في مناهضته للأعراف والتقاليد والأوهام الفكرية، هذه المراحل هي كالآتي:
1- المرحلة الأولى: اعتبار العقل البشري مثل الجمل، يحمل الكثير من الأوهام والأعراف والحقائق الواهية في شكل حمولات ثقيلة توضع على ظهره.
2- المرحلة الثانية: اعتبار العقل البشري مثل الأسد؛ فالأسد بطبيعته ثائر، وقوي، ومناهض؛ يحاول دائما أن يكون مسيطرا على الوضع، ولا يقبل بأي رضوخ أو ضعف، وهذا العقل، تماما مثل الأسد، ثائر ومناهض للأعراف والتقاليد والأفكار السائدة، ولكنه دائما يبقى في “حدود مجرد العقل الكلي”؛ يحمل أوهاما ينطلق منها في تبديده للأوهام السائدة.
3- المرحلة الثالثة: اعتبار العقل البشري مثل الطفل الصغير؛ الذي لا يعرف أية حمولة حضارية أو فكرية أو عرفية، بل يتصرف وفق ما يرى وما يعتقد “ذاتيا” أنه تصرف موافق للطبيعة البشرية؛ وهذا العقل ليس مناهضا للأسس والأعراف فقط، بل حتى لا يقيم اعتبارا لها، ولا يضعها نصب عينيه في حكمه القيمي على الأشياء.

قد يصح هذا التحليل إذا عرفنا أن نيتشه لم يضع حدودا عمرية لكل مرحلة من تلك المراحل، بل جعلها مطلقة؛ والأهم عنده هو تصرف العقل بالمطلق وليس تصرفه ضمن سن معينة؛ فالأهم هو السلوك وليس المرحلة العمرية.
يتبين من خلال النظر إلى ملابس الفتى الممزقة أن الانعتاق والهروب لم ولن يكون سهلا، بل يجد معوقات ومثبطات، وربما ردة فعل عنيفة تجاه هذا الفعل (الهروب)، فالملابس الممزقة هي ملابس العبودية والقيد؛ فالبقاء في نير العبودية يضمن لك حياة كريمة، بمفهوم المسيطر والمهيمن (بكسر الطاء والميم)، بينما الخروج من إطار العبودية يؤدي إلى حياة تعيسة، دائما من منظور المهيمن، أما مفهوم الحياة الكريمة من منظور المهيمن عليه، فهو العيش بعيدا عن سيطرة الآخر، واستقلالية الذات بذاتها؛ حتى وإن أدى ذلك إلى حياة تعيسة بائسة. ولهذا يسعى دائما لأن يكون سيد نفسه ومالكها، ويحاول بكل الطرق المتاحة التخلص من هيمنة الآخر. هذا الآخر ليس دائما آخر إنساني، بل قد يشمل كل ما يمكن أن يكون سببا في عبودية الإنسان الحر وتقيده وتكبيله.
ولكن الأمر الذي يجب التأكيد عليه هو أن “العبد الخانع” لا يمكن له أن يتحرر من نير العبودية؛ لأنه جبل على ذلك، وحتى وإن تحرر من عبودية معينة فإنه يبحث عن عبودية أخرى تسد النقص، “فعقدة الشعور بالنقص”، بتعبير (آدلر) وعلماء النفس من بعده، تلازمه دائما تجاه الخضوع والخنوع.
إن الإطار في الصورة يحمل دلالة رمزية فهو رمز للأطر والأعراف الاجتماعية التي تمنع عن الإنسان إمكانية الإبداع والخلق والتطور، وتضعه ضمن محددات اجتماعية كبرى، تنزع عنه روح الاختلاف والتفرد، باعتبارة كائنا مفكرا منفصلا عن أي تفكير يمتلكه الآخر. إن الإطار هو الإطار الاجتماعي والثقافي والفكري، بل هو أيضا النظام المعرفي الكلي الذي يوجه التفكير والإبداع والعلوم في مجتمع معين؛ هذا الذي تحدث عنه (ميشال فوكو) بلفظة “الإبستيمي”؛ حيث ينزع، من خلال هذا المفهوم، صفة العبقرية عن الإنسان ويضعه تحت مظلة كبرى هي مظلة الكلي، والخفي، والبراديغم. وهذه الفرضية لا شك باطلة وضعيفة، لأنه، وكما يرى (إدوارد سعيد)، فإن التفكير والأعمال الفردية التي تخرج عن الأطر المحددة تؤثر بدورها في النظام الكلي؛ ونحن من جهتنا نقول: “إن بعض الأعمال الفردية تجعلنا نعيد تعريف الأشياء، وتدفعنا إلى تبني نظرة أخرى، غير التي كانت سائدة، إلى تلك الأشياء”.
“لا شيء خارج الإطار” هي العبارة التي مثلت لسان حال الصورة قبل محاولة الهروب والإنعتاق من قبل الفتى، ولكن بعد تلك المحاولة استحالت العبارة الأولى “لا شيء خارج الإطار” إلى عبارة “كل شيء خارج الإطار” أو بالأحرى، وبعبارة أقل عنفا، “هناك شيء خارج الإطار”. ولكن ماهو هذا الشيء؟ إنه بلا شك شيء خارج عن لفظة الهيمنة، والعبودية والتأطير، والسائد، والعرف، والتقليد، والنظام… كل شيء ما عدا تلك الألفاظ الدالة على الخضوع.
أما عين الفتى فهي عين ترى النور لأول مرة. فقد خرجت، كما يبدو، لتوها من ظلمة داكنة؛ والدليل على خروجها من الظلام لتوها، هو قطر القرنية الواسع؛ وكما هو معروف في علم البيولوجيا، فإن القرنية تتوسع في الظلام كمقاومة رمزية لهذا الظلام؛ لأنها تحاول أن تتكيف مع هذا الوسط، وتتقلص في حالة النور لأنها لا تحتاج إلى مجهود كبير لترى جيدا، بل يكفي أن تفتح فقط. وهذه اللفتة البيولوجية تتجلى في الصورة، فالأطر والتقاليد تمثل الظلام الذي يجب التصدي له بقرنية واسعة القطر، أما التحرر الذاتي في التفكير، بعيدا عن محددات وهمية وتخييلات اجتماعية، فيستلزم عينا مفتوحة وقرنية مبصرة فقط.
أما ساق الفتى فيظهر عليها الوحل والوسخ، كما أن البنطلون يظهر في اللوحة مشمرا؛ وذلك من أجل لفت النظر إلى أن الفتى لم يكن راضيا تماما بوجوده في الوحل والوسخ، بل حاول مقاومة ذلك من خلال رفع البنطلون إلى ما فوق الساق؛ فالوحل والوسخ يمثلان صورة الأطر والأعراف البالية والسيمولاكرات الفكرية. وكما هو معلوم، إن الوحل يوجد في القاعدة، وكذلك الأطر، وهذا ما عبر عنه (ميشال فوكو) بقوله؛ “لا تحسبوا أن السلطة موجودة في القمة، السلطة موجودة في القاعدة”. والوحل من خصائصة الجوهرية التشوه، وعدم الوضوح، والضبابية… وهذه الخصائص تنسحب إلى الأوصاف الجوهرية للأطر والأعراف والتقاليد البالية؛ فهي تنماز بالضبابية، لأنها تجعل العقل في سكون وخمول تجاهها، وكذلك تنماز بالتشوه؛ لأن أصلها دائما مخفي وغير جلي، وتنماز كذلك بعدم الوضوح، فتداولها يتم دون مسائلة معرفية أو أنطولوجية.
إن الفتي يعكس صورة الهارب من الأطر بحق، المقاوم والمناهض لعنف العبودية.تلك الصورة ترتسم أكثر كلما أوغلنا في التحليل والتفكيك، كما أن الأطر والأعراف الاجتماعية الفاسدة تتفكك شيئا فشيئا كلما تم تسليط مطرقة النقد الجذري عليها، وكلما تم تناولها بوعي نقدي لا يسلم بالبسيط والواضح والجلي والسائد، بل يتجاوز ذلك إلى التناول الفكري الحر والواعي والعميق.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق