ثقافة المقال

سؤال الرواية الأميركية اللاتينية اليوم

أحمد عبد اللطيف

لم تبدأ الرواية الأميركية اللاتينية من الواقعية السحرية، ولا انتهت عندها، رغم أن الواقعية السحرية هي الأكثر نصوعاً في تاريخها، ونقطة تحولها الكبرى. وعلى عكس ما يتصور البعض، فالواقعية السحرية لم تخلق فحسب الباراديم الجمالي الذي سيترك أثره في أعمال أجيال لاحقة، على مستوى الشكل، وإنما أيضاً السؤال الملتزم الذي يتناول مروحة من القضايا الواقعية والتاريخية، ولعل أهمها سؤال السلطة.
لقد فرض الواقع التاريخي والسياق السوسيوثقافي أطروحاته على كُتّاب الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وبرغم قوة التغيرات المحلية في القارة اللاتينية، إلا أن التغيرات العالمية كان لها شديد الأثر، وأهمها الحرب العالمية الثانية وما خلّفته من خراب اجتماعي من ناحية، ومراجعات فكرية وفلسفية حول الإنسان والعقل من ناحية أخرى (أي إعادة تناول مفاهيم الحداثة وإخضاعها للدراسة). ربما لذلك، رأى بعض النقاد أن الواقعية السحرية هي أحد منتجات ما بعد الحداثة الفكرية، حيث ازدهار الميتافيزيقا وتفكيك التراث الشعبي لفهمه بطريقة حديثة، جعل من هذه الرواية سردية مناهضة لسردية الحداثة المنحازة للعقل في تفسير كل الظواهر، العقل الذي عجز عن منع حربين عالميتين أودت بحياة ملايين البشر، مع ملاحظة أن أحد أسباب اجتياح هذا التيار لأوروبا كان ركود الرواية الأوروبية أيضاً، وفي المقابل جاءتهم رواية سحرية ومبهرة تحمل كل صفات الجذب والطزاجة.
تيارات
لقد ولد تيار الواقعية السحرية وفي رحمه أسباب خلوده، واشتغله رواد هذا التيار بالطريقة التي منحته جمالاً وبريقاً، فأعمال مثل “مئة عام من العزلة”، و”أنا الرئيس”، و”حفلة التيس”،

“رأى بعض النقاد أن الواقعية السحرية هي أحد منتجات ما بعد الحداثة الفكرية، حيث ازدهار الميتافيزيقا وتفكيك التراث الشعبي لفهمه بطريقة حديثة”
و”بيت الأرواح”، و”بدرو بارامو”،(ويمكن أن نضم أعمال بورخس، وخوليو كورتاثر، رغم أنهما في اتجاه الفانتازيا الميتافيزيقية) أعمال خُلِدت في تاريخ الأدب، حد أن الأفق الذي فتحه الكُتّاب اللاتينيون بلغ بلداناً أخرى وكُتّاباً آخرين أضافوا إليه وغيّروا فيه، أمثال سلمان رشدي في الهند، وبن أوكري في نيجيريا، وهاروكي موراكامي في اليابان، ومويان في الصين، وكان له صداه في الرواية المصرية الجديدة، ونهل العديد من الكُتّاب الإسبان المعاصرين مثل فرنانديث مايو، وخورخي جارّيون، من نفس التيار (وإن كانوا أقرب لبورخس وكورتاثر منهم إلى ماركيز، وهي الملاحظة التي سجلها الناثر والناقد الأرجنتيني ريكاردو بيجليا). لكن اللافت أن هذا التيار لديه القدرة على التغير والتشكل بحسب بيئته الجديدة، وبحسب الثقافة الشعبية التي يظهر فيها، ومن هنا يمكن التحدث عن تيارات الواقعية السحرية وليس عن تيار واحد، إذ أضيفت إلى التيار اللاتيني الكلاسيكي عناصر جمالية أخرى واستبعدت عناصر، ولعل ذلك يرجع من ناحية إلى تطور الزمن، وما ترتب عليه من تغيرات اجتماعية وتعاط مختلف مع الثقافة، وانفتاح تكنولوجي استغله البعض، ومن ناحية أخرى إلى اختلاف مسرح الأحداث ومفرداته (فمعجزات الأولياء ورؤى المتصوفة ورحلات ما بعد الموت عناصر عربية مرتبطة بالثقافة الإسلامية، فيما الأحلام عنصر مشترك بين الشرق والغرب).

ما بعد ماركيز
لو سلطنا الضوء على الرواية اللاتينية ما بعد ماركيز، فبوسعنا أن نرصد أسماءً مثل ريكاردو بيجليا، وثيسر أريا، وروبيرتو بولانيو، وجابرييل باسكيث، وأندريس نيومان، وباتريثيو برون، وأليخاندرو ثامبرا، وسامنتا شوبلين، بهذا الترتيب الزمني أو الجيلي، وسنلاحظ حينها أن تأثيرات بورخس هي التأثيرات الأكبر على الكتابة اللاتينية. نحن هنا أمام كتابة “ما بعد واقعية سحرية” postrealismo màgico، ذلك لأن الواقعية السحرية مثل الحداثة كانت خطاً فاصلاً ولها “ما بعد”. وتميزت سردية “الما بعد” بأنها تجنبت كتابة سحر الواقع المرتبط بالتراث الشعبي (وإن كان سحر الواقع الآخر، مثل الأحلام والأفكار الفانتازية، ظل عنصراً فيها)، لأن الجيل السابق كتبها، وفي بحثها عن صوتها الخاص عثرت على الواقع التاريخي

“ما بعد ماركيز، بوسعنا أن نرصد أسماءً مثل ريكاردو بيجليا، وثيسر أريا، وروبيرتو بولانيو، وجابرييل باسكيث، وأندريس نيومان، وباتريثيو برون، وأليخاندرو ثامبرا، وسامنتا شوبلين، بهذا الترتيب الزمني أو الجيلي”
وسؤال السلطة. بذلك التقت مع الجيل السابق في السؤال الملّح. وإذا كان كُتّاب الستينيات والسبعينيات قد كتبوا واقعهم، رغم أن الواقع الفني لا يجب أن يكون بالضرورة هو الواقع الواقعي، فالكُتّاب من مواليد منتصف السبعينيات وأوائل الثمانينيات (برون، باسكيث، نيومان، ثامبرا، شوبلين) لم يكتبوا عن واقعهم، إنما عن ماضيهم المتخيل، عن ذكريات آبائهم التي تبنوها كذكريات خاصة، أو كتبوا عن طفولتهم تحت حكم الديكتاتور، وإن لم يكونوا في سنهم الصغيرة مدركين لأفكار كبرى مثل القمع وتكميم الأفواه وحظر التجوال.
بيجليا المهاجر والمنفي في الولايات المتحدة (والذي ظهرت كتابته الأولى في ظل انفجار هذا التيار السحري لكنه تجنبه) لم ينفصل وجدانه عن ماضيه الأرجنتيني وحاضر بلده، لذلك شرّحت أعماله هذا الواقع عبر تكنيك مجدد اعتمد على الحوار والحبكة البوليسية (كما في روايته “أبيض ليلي”) كما استعاد أحداثاً تاريخية حول تأسيس الدولة الأرجنتينية ليقرأ على ضوئه حاضرها (مثل مجموعته القصصية “الغزو”، وكان رائداً في استخدام أحداث التاريخ في قصة قصيرة). وبولانيو المنفي إلى المكسيك عقب انقلاب ضد الليندي، لم ينفصل عن تشيلي لكن سؤاله شمل القارة اللاتينية، واتخذ لها العالم الثقافي مدخلاً (يلاحظ ذلك في العديد من أعماله “التعويذة” و”المخبرون المتوحشون” و”2666″). وعند بولانيو يلاحظ أكثر الأثر البورخسي، لكن في ظل سردية تعتني بالواقع أو ما تحته أو ما ورائه، وبذلك يعتبر بولانيو همزة وصل بين بورخس الموسوعي وبين جيل جديد تكوّن في التسعينيات وازدهر في الألفية الجديدة، ورأى في بولانيو مجدداً استطاع أن يثقب حائطاً في أفق السرد.
أما باتريثيو برون (1975) وأندريس نيومان (1977) فقد هاجر كل منهما من الأرجنتين في سن الطفولة، لأسباب سياسية، واستقر بهما المطاف في إسبانيا، مع ذلك ظل وجدانهما معلقاً ببلدهما. برون يعود إلى الأرجنتين بعد غياب سنوات في “روحا أبويك لا يزالان يصعدان إلى

“مرت الرواية اللاتينية بتطورات كبيرة في الثلاثين عاماً الأخيرة، وكان البعد عن الآباء المؤسسين همّاً في ذاته، فكان عليهم التجريب في أشكال روائية أخرى”
السماء” ليبحث في اختفاء أب يقوده للبحث في فترة طفولته، فترة الديكتاتورية؛ ونيومان يراجع تاريخ بلده عبر تاريخ عائلته في “الأرجنتين كان يا ما كان”، ويتجول في تاريخ أوروبا القرن التاسع عشر في عمله الأكبر “رحالة القرن”. جابرييل باسكيث، الكولومبي المقيم بإسبانيا، يصنع ذاكرة بديلة في “ضجيج الأشياء عند سقوطها”، ومثل الآخرين، يحتل سؤال السلطة الواجهة مصحوباً باستعراض الحياة تحت الاستبداد؛ فيما يسترجع أليخاندرو ثامبرا طفولته تحت ديكتاتورية بينوشيه في الثمانينيات.
هذا الماضي المؤلم، التاريخ الذي لا يزال يلقي بظلاله على مؤلفي هذه البلدان، هو متن كتابتهم، ولو تأملنا النظر هو ذاته متن كتابة الواقعية السحرية، لكنها تستخدم باراديم جماليا مختلفا، يسود فيه الكابوس والمتاهة، يغيب عنها سحر الواقع، لكنها تعتمد المجاز، وإذ تفعل ذلك تُعد امتداداً لخورخي لويس بورخس، وهو الأثر الذي لا ينكره الكُتّاب أنفسهم. يمكن أن نقول إنه واقع واحد تناوله كل جيل من منظور مختلف، فكان بالنسبة للكتاب الشباب الذكرى التي يستدعونها أو يشيدونها، بمزيج من أحداث الطفولة وحكايات الآباء.
لقد مرت الرواية اللاتينية بتطورات كبيرة في الثلاثين عاماً الأخيرة، وكان البعد عن الآباء المؤسسين همّاً في ذاته، فكان عليهم التجريب في أشكال روائية أخرى، سواء باستخدام تكنيكات موجودة لكنها تنتمي للأدب البوب (مثل تكنيك الرواية البوليسية كما عند بيجليا وبولانيو)، أو باختيار البطل الباحث عن الحقيقة الغائبة (مثل برون وباسكيث)، بقليل من الشعرية وبكثير من السرد والأحداث، بالإكثار من الأفعال والتقليل من الصفات. هذا الجهد في التجريب وفي السعي لامتلاك أصواتهم الخاصة المعبرة عن زمانهم ولحظتهم جعلهم جديرين بتيار “ما بعد الواقعية السحرية”، وهو، في نهاية المطاف، مجرد لافتة نقدية تجمعهم وإن كان لكل منهم عناصره الجمالية المميزة، وأسلوبه الذي ينتمي إليه.
في النهاية، نحن أمام جيل جديد من الكتابة اللاتينية، جيل استفاد من الآباء وطوّر سرديتهم، ليبدع أعمالاً ليست أقل فنية من أعمال سابقيه، لكنها تختلف عنهم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق