ثقافة المقال

العرب بين الوهم والمنعة العصفور الذي يهلك والجرذ الذي ينجو

حسين فاعور الساعدي

من طبع وطبيعة الكائنات الحية بما في ذلك الإنسان أن تطور لذاتها أنظمة مناعة ذاتية تساعدها على التأقلم والانسجام مع البيئة والظروف المختلفة التي تحيطها. دون ذلك تكون حياتها صعبة وربما مستحيلة. وفي بعض الأحيان تلجأ هذه الكائنات ومنها الإنسان إلى الوهم كمنظومة مناعة أو دفاع عندما تضيق السبل وتنعدم الوسائل.

صحيح أن أي كائن حي بحاجة إلى شيء من الوهم في المواقف الصعبة التي لا مخرج فيها كمنظومة دفاع كي لا يستسلم لليأس. لكن ليس معنى ذلك أن تكون كل حياته وهماً في وهم، أو أن يركن إلى الوهم في الوقت الذي لديه ما يفعله، لأن ذلك يعني فقدانه لمقومات الحياة وسيره في منحدر الهزائم والفشل.

سأورد مثلين رأيتهما بأن عيني في الطبيعة لتفسير ما اقصد: رأيت عصفوراً يحوم حول طائر البوم الذي يقف في مكان مرتفع، قرب عشه الذي يحوي صغاره كما يبدو، متظاهراً أنه غير مبالٍ بما يدور حوله. طائر البوم وقف دون أن يحرك ساكنا والعصفور يحوم حوله بفرح ونشوة. يظل يحوم حوله حتى ينقض عليه ويفترسه. هذه الظاهرة تتكرر في الطبيعة. لا أدري لماذا يفعل هذا العصفور الصغير ذلك ولديه القدرة على الطيران بعيداً بفضل جناحيه، وأمامه الفضاء الرحب والواسع للابتعاد عن الشر. لا شك أنه نسي كل هذه الوسائل والأدوات التي يملكها وعاش الوهم أن طائر البوم لا يشكل أدنى خطر عليه وما هذا الهدوء الذي يشيعه بوقفته المسترخية وريشه الناعم إلا مدعاة للسعادة والفرح بهذه الطبيعة الخلابة. إن وهم الألفة جلب للعصفور الصغير حتفه ونهايته.

في ظاهرة ثانية رأيت أفعى طاردت جرذاً حتى أدركته وبدأت بابتلاعه فما كان من الجرذ إلا أن التقط بفمه قضيباً من وسطه وعض عليه جيداً. فلم تستطع الأفعى ابتلاعه لأن القضيب أو الخشبة أعاق عملية الابتلاع. ظل الجرذ قابضاً على القضيب من وسطه حتى اضطرت الأفعى لقذفه من فمها فلاذ بالفرار ثانية ونجا بجلده.

هاتان الظاهرتان شاهدتهما في الطبيعة أكثر من مرة، وهما تفسران كثيراً من التصرفات الجمعية في ساعات الخطر لكثير من الفئات المجتمعية المحكومة في الغالب بعقلية القطيع. فكم من فئة مظلومة في هذا العالم لجأت هي إلى ظالمها لينقذها مما هي فيه وهي تعرف جيداً أنه هو الظالم. ولكنها تفعل ذلك بدافع الوهم الذي طورته كمنظومة دفاع ذاتية تماماً كذلك العصفور. وفي الوقت ذاته كم من فئة مظلومة عرفت كيف تقبض على قضيب أو خشبة من الوسط لتكون عائقاً أمام من يحاول ابتلاعها وذلك بدافع منظومة الاعتماد على الذات في التعامل مع واقع لم يبق لها شيئاً، لكنها رفضت الاستسلام وعرفت أن عدوها مهما كان قوياً فلديه هو أيضاً نقاط ضعفه.

منذ قرون طويلة وشعوبنا العربية تسير في المنحدر نحو الأسوأ. مرة بجريرة الاستعمار التركي ومرة بجريرة الاستعمار الغربي واليوم بجريرة الاستعمار الذاتي.

على مدار هذه الحقبات الثلاث اختارت شعوبنا أن تكون ذلك العصفور المتفائل الذي يرفرف بجناحيه وبفرح حول من سيفترسه. ظاهرة العصفور لا تزال موجودة ومستمرة في الطبيعة لأن العصافير لا تتعلم. أما شعبنا العربي فيبدو أنه استعاد ذاكرته وبدأ ينفض عن كاهله غبار الوهم ولم يعد يركن إلى الهدوء والألفة التي يغمره بهما مفترسيه. انتبه أن الأفعى قد ابتلعت كل من لم يستطع الإمساك بقضيب من الوسط لأنه لم يفطن لذلك أو لأنه لم يجد القضيب في اللحظة المناسبة. ولم تستطع ابتلاع من تمكنوا من الإمساك بأي شيء ورفضوا الاستسلام.

من الحمار تعلم البشرية شق الطرقات في الجبال والمنحدرات الوعرة. فلا بأس أن يتعلم شعبنا العربي، المنكوب من أقصاه إلى أقصاه، من ذلك العصفور أن الركون إلى الألفة والانبهار بالهدوء والسكينة يورد إلى التهلكة. ولا بأس أن يتعلم من ذلك الجرذ أن الاعتماد على ما تيسر من أسباب المنعة، مهما كان بسيطاً وبدائياً، هو السبيل إلى النجاة وهو الملاذ الذي يجب اللجوء إليه عند الشدائد لأن الركون إلى الوهم لا يجدي ولا يورد إلا إلى التهلكة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق