ثقافة المقال

واقع الترجمة في الجزائر، وآفاقها المستقبلية

أسامة طبش*

..

كما لا يخفى على الكثير، فإن الترجمة سبيل لنهضة الأمم وتطورها وإقتحامها آفاق مستقبل زاهر، الترجمة قبل أن تكون تخصصا يدرس على مستوى الجامعات والمعاهد عندنا في الجزائر، هي مشروع حضاري حقيقي بغية النهضة والرقي ببلدنا في شتى المجالات وفي مختلف الميادين. للأسف الشديد، نعيش ركودا في هذا المضمار في الجزائر، فلا نلحظ إهتماما ولا تقديرا خاصا بهذا الميدان الغني والثري من ناحية مردوده العلمي والثقافي. نعود قليلا إلى الوراء إلى الزمن الجميل من تاريخنا الإسلامي الرائع، حينما طلب النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابي الجليل زيد بن ثابت تعلم السريانية، وقد تعلمها هذا الصحابي في 18 يوما، حسب ما ورد في الأثر والله أعلم.

نسير قليلا في الزمن إلى العصر الذهبي لأمة الإسلام أي العصر العباسي، أين فتح فيه الخلفاء أبواب بغداد أمام العلماء وأجزلوا لهم العطاء، فكانت بحق الترجمة في تلك الفترة سياسة للدولة وركنا أساسيا من أركانها، لا مجرد جهد فردي قد يزول بزوال صاحبه إنما هو نهج عام في الدولة.

أيضا كان لبيت الحكمة في هذا العصر إبان حكم الخليفة العباسي هارون الرشيد وابنه عبدالله المأمون نقلة نوعية في الترجمة ليعد فيما بعد بيت الحكمة فخرا للأمة الإسلامية ومنارة يهتدي إليها كل ناهل من العلوم.

أنا برسمي دارس ومطلع بخبايا هذا العلم، أرى وبكل صدقية إعراضا وفتورا تجاه فعاليات الترجمة  في بلادنا، حيث لا نشهد تشجيعا ولا دفعا  لعجلتها نحو الأمام، ودليلي في ذلك ضعف على مستوى التأطير الأكاديمي في الجامعات بحجة نقص وندرة في الكوادر المؤهلة لذلك.

إن الجزائر بلد معطاء، خزان لمواهب شابة متمكنة لا تعد ولا تحصى، تنتظر فقط إشارة خضراء وفتحا لأبواب هذا المجال أكثر وتنظيما أقوم له وتكافؤا في الفرص عند الإنتقاء في المسابقات، هذا هو السبيل الوحيد والأوحد كي نستخرج جيلا من المترجمين قادر فعلا على تحمل مسؤوليات هذا العبء الثقيل.

أبدا لا يجب الإستهانة بدور الترجمة، فهي جسر رابط بيننا وبين الأمم الأخرى، ولما لا هي وسيلة أيضا كي نبلغ  رسالتنا الإسلامية الحضارية للغرب وللتعريف بقيمنا وشمائلنا وسماحة ديننا.

إن  الموضوع ذو  شجون كما يقال، كلما إغترفت منه غرفة إزددت عطشا وتوقا نحو المزيد، الترجمة هي: الثقافة، هي العلم، هي الفن الراقي، هي قيم الإنسان المشتركة، هي ترابط و تواصل وثيق بين بني البشر.

كم أرجو وأتمنى أن يولي مسؤولو هذا البلد الأغر الإهتمام اللازم بهذا المجال، صدقوني إنها نظرة واعية ثاقبة من مثقف جزائري،

وكما يقال في الفلسفة أنها أم للعلوم، أنا أقول أن الترجمة هي أم للغات أيضا، وما أدراك ما اللغات، ذلك الإبداع البشري الرائع الذي يمكن من خلاله  التواصل والتبادل والتناقح فيما بين سكان هذه المعمورة.

أعجبتني كثيرا عبارة ساقها مترجم عراقي يقول فيها: “فن الترجمة بها يصغر العالم جغرافيا ويكبر إنسانيا”، بالفعل تلك هي حقيقة واضحة وضوح الشمس في كبد السماء، نحن نشهد اليوم  عالما أصبح قرية صغيرة يعلم فيها من هو في أقصى الشرق ما حدث وحل ببلاد الغرب.

إذا هي رؤية ونظرة، أردت أن أضعها اليوم بين أيديكم، حسبي في ذلك أني على الأقل قد نوهت وبينت ما لهذا المجال من أثر عميق وقوي في مسيرة تطوير بلدي الحبيب الجزائر، ربما أكون بذلك قد رميت بحجر في مياه راكدة عسى أن تحركها وتوقظها من سكون خيم عليها.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق