ثقافة المقال

احتفاءً باللغة العربية

الطيّب ولد العروسي*

يُعتبر يوم 18 ديسمبر من كلّ سنة يوما عظيماً، لأنّ فيه تحتفي اللغة العربية، اللغة التي يتحدّثها أكثر من 422 مليون نسمة حول العالم، بعيدها السّنوي. وفي كلّ عام، من مثل هذا اليوم، تقوم الكثير من المؤسّسات الثقافيّة بعقد لقاءات وندوات وحلقات يتمّ فيها تقديم الكثير من الحلول وفتح الكثير من الآفاق نحو مزيد تدعيم هذه اللغة العظيمة وتسهيل انتشارها في العالم العربي وخارجه. ولعلّه من ضمن إحدى أهمّ هذه المؤسّسات نجد منظّمة “اليونيسكو” التي تُشرف على مثل هذه البرامج الحافلة والمتنوّعة. فهذه المنظّمة قد لعبت دورا محوريّا في حفظ هذه اللغة ومزيد التعريف بها وإثارة الانتباه نحوها، وتكريس المنابر الإعلامية والثقافية التي تنحو هذا المنحى. ففضل هذه المؤسّسة، إذن، كبير، لاسيما إذا علمنا أنّها أصبحت تعتمد هذه اللغة كلغة رسمية لا تختلف عن بقية اللغات الخمس الأكثر تحدّثا، وهي: الروسية، الإنجليزية، الإسبانية، والصينية، الفرنسية.
وتجدر الإشارة إلى أنّ الدكتور والباحث والأكاديمي السّعودي زياد دريس كان له إسهام واضح في تثبيت هذا الموعد الثقافي السنوي، وذلك حينما كان سفيرا لبلاده، ومندوبا دائما في هذه المنظّمة العالمية المعتبرة. ولهذا، فقد رأيت أنّه قد يكون من الواجب علينا أن نشكره على جهوده الكبيرة التي كان، ولازال، يقوم بها هذا الباحث الأكاديمي في خدمة لغته الأمّ؛ اللغة العربية التي تُعدّ من أقدم اللغات السّامية، وأكثرها انتشارًا في العالم. ففي الشّكر اعتراف بفضل الرجل، والحقّ يُقال، في هذا المجال الذي سار فيه على عكس العديد من الدول العربية التي تنكّرت للغتها الأصل وأدارت ظهرها لها رغم حجم التحدّيات التي تواجهها هذه اللغة، والتي تأتي على رأسها: غياب سياسات حكومية عربية متكاملة لتطويرها، إلى جانب ضعف البحث العلمي بشكل عام في علومها كاللسانيات والتواصل، ومزاحمتها من قبل العديد من اللغات المدعوة باقتصاديات السوق العالمي، إضافة إلى ما تواجهه لغة الضاد من تحديات تعيق ازدهارها عبر التكنولوجيا، في ظل ضعف حركة الترجمة، وتحديات تواجهها عبر «الرقمنة» التي يأتي في سياقها المحور الرئيس للاحتفال بالعربية في يومها العالمي. ذلك أنّه لم يكن من السّهل على زياد دريس تكريس هذا اليوم بالتحديد، وجعله موعدا ثابتًا يتمّ الاحتفاء فيه بلغة الضّاد، نظرا إلى ما لقيه هذا العمل من معارضةٍ ومقاومة لم تمنعان هذا الباحث من تحدّي الصّعاب والعراقيل كلّها، والمواصلة في الطريق التي سطّرها لتحقيق الأهداف التي كان يرمي إلى تحقيقها، والتي تتمّثل في جعل اللغة العربيّة لا لغة أدب وقرآن فقط، وإن كان ذلك يشكّل فخرا لها، إنّما لغة سياسة وعلم وتواصلٍ أيضا، حتى ترك لنا هذا الإنجاز الفريد والرائع الذي سمح لمحبّي اللغة العربية في أرجاء العالم كلّه أن يفتخروا بلغتهم، ويلتقوا مرة في كلّ سنة لإحياء اليوم العالمي للغة العربية. ومن الجدير بالذكر، أنّ الباحث زياد كريس قد كُرّم على فعله النبيل هذا، وتمّ منحه لقب “سفير السّلام” من قبل الاتّحاد من أجل السّلام العالمي، تثمينا لإسهاماته في زيادة الوعي باللغة العربية وترسيخ ثقافة السلام والتسامح والتعدّدية وفتح الحوارات بين اللغات والثقافات. فالشكرُ كلّه للصديق الدكتور زياد على هذا الإنجاز الرائع، وكلّ عام واللغة العربية بألف خير، رغم تبدّد الإرادة السياسية العربية.
*) مدير كرسي معهد العالم العربي بباريس.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق