الموقع

لك الله يا سوريا..

أسامة طبش*

إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع لما يحصل على أرض عزيزة على قلوبنا جميعا وهي سوريا، سوريا قلعة العروبة، سوريا التاريخ العريق، سوريا التي طالما إحتضنت كل وافد إليها بكل حب وإخاء. من أكثر الشعوب مساندة لثورة التحرير الجزائرية هو الشعب السوري، الأمر ليس بالمستغرب إطلاقا، كيف لا وكلاهما تقاسما مرارة نير الإستدمار الفرنسي، فرفعا لواء الجهاد والتحرير ضد هذا المستعمر الغاشم. سوريا اليوم تقع تحت وطأة أزيز الرصاص وصوت القصف، نعم سوريا لا تواجه عدوا خارجيا بشكله الواضح، إنما الأوضح من ذلك والأوكد أن هناك أياد خارجية تعبث بداخل هذا البلد، فروسيا وإيران من جهة والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول العربية من الجهة الأخرى في سجال وشد وجذب على أرض هذا البلد، حيث ترفض القوى العظمى المتحكمة في مصائرنا جميعا كعرب، ترفض أي معادلة تنجي هذا الشعب الذي يقتل ليلا ونهارا ولم يرف جفن لهذا العالم بعد.

كعرب ومسلمين نسأل أكثر من غيرنا عن أبرياء هذا الشعب، فهم إخواننا وعشيرتنا، نتقاسم معهم رابطة الدم والدين، هم أقرب إلينا أكثر من غيرنا ولكن ما باليد حيلة، فكل دولة من دول العروبة بالكاد تستطيع الدفاع عن حماها، فكيف بها تنصر هذا الشعب المكلوم.

صور القتلى والجرحى، صور الأطفال الخدّج الذين يقضون في أتون هذه الحرب، تدمي القلب وتوقظ كل ضمير حي، مأساة إنسانية حقيقية مستمرة منذ مارس 2011 ولحد الساعة، عدد القتلى بالآلاف والجرحى لا حصر لهم وأرقام رهيبة للاجئين تاهت بهم السبل خارج أوطانهم في ظروف قاسية جدا، مشهد يعبر عن حجم الكارثة هناك، من كان يتوقع أن يحلّ بهم هذا المآل؟ هو الواقع المر الذي علينا جميعا تجرع مضاضته.

بين تيار الممانعة وتيار الربيع العربي لم نعد نميز إلى أي طرف ننحاز، فكل يدعي أن هدفه القدس وفلسطين إنتهاءا، لكن أحلاف اليوم تختلف إختلافا جذريا عن أحلاف الماضي، دول أصبحت تحكمها معادلات تحبك خيوطها من تحت الطاولة، معادلات وقتية قد تنهار بإنهيار هذا الشريك أو ذاك، بيد أن الحقيقة الناصعة التي لا تخفى على أحد أن مصائرنا باتت بأيدي غيرنا، أصبحنا كبيادق الشطرنج تحركنا أيادي القوى الكبرى، فالقدس تهود والمستوطنات تبنى وفلسطين تنتهك ولا مجيب ولا مغيث، بل حتى هذه الأرض المباركة أريد لها التقسيم بين شطرين: “غزة” و “الضفة الغربية”.

إن الويلات التي تحل بشعب من الشعوب في مثل هذه الأحوال، مصيره سيكون غاية في القسوة ولا بد عليه أن يدفع الدماء تلو الدماء حتى تشرق عليه شمس الأمن والسلام، الجزائر خير مثال على ذلك حينما واجه شعبنا الأبيّ بطش الإستعمار الفرنسي في بدايات إحتلاله لأرضنا سنة 1830، نتساءل كم عدد الجرائم المرتكبة آنذاك  ولم يكن هناك لا قنوات ولا إعلام ولا مراسلين، واجه أجدادنا مصيرهم بكل صبر وتجلّد حتى نلنا إستقلالنا الذي ننعم به اليوم.

توصيفي لهذا الحال مطابق للواقع تماما، فالمبعوث تلو المبعوث، والخطة تلو الخطة، ومباحثات ومشاورات، وكأنه أريد لهذا الشعب أن يموت ببطء حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة دون أي إغاثة.

لا مناص من أن يواجه هذا الشعب مصيره المحتوم، الخوف كل الخوف من مشاريع التقسيم المرسومة له، فسوريا عرفت بتعايش مكوناتها وفسيفسائها، يراد أن تحطم كل أسباب هذا التماسك والتعاضد ببث التوجس والخوف من الشريك الآخر، إن حدث ذلك فنحن متوجهون فعلا لحكم “الدويلات الإثنية والدينية”، ولن تبقى لنا حرمة لكل طامع بعدئذ.

لا ندري بيد من الحل لهذه المعضلة الشائكة، فالمنطقة بأكملها على صفيح ساخن، تنتظر شرارة لتشعل لهيب حرب قد يمتد مداها لأبعد الحدود، فالثورات العربية لم يكن أحد يتنبأ بحدوثها معتقدا أن جسد الأمة قد فقد الحياة، لكنها تفجرت في تونس وتلتها بلدان عربية أخرى ككرة ثلج إنتهى بها المطاف في سوريا، ليكون حالها الأكثر دموية والأكثر فظاعة على الإطلاق.

نار فتنة مشتعلة وهناك من يغذيها ويسكب مزيدا من الزيت لتأجيجها، صرنا فعلا كما قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:( يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ : وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ : حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ)، لقد صرنا أهدافا لمحاور تسعى لبسط سيادتها علينا وإقامة قواعد عسكرية فوق ترابنا  لأننا لم نعد نملك زمام المبادرة لحماية مصالحنا العليا، لم يعد هناك مجال للشك أو الريبة في أننا مقبلون على مجهول، وكيد الكائدين لن يتوقف عند هذا الحد، بل سيأخذ أشكالا  وصورا ظاهرها أنه فيه خير وصلاح لنا، في حين أن هلاكنا المحتوم فيه.

لا يسعنا إلا أن نقول “لك الله يا سوريا”، قال تعالى:(و إصبروا إن الله مع الصابرين)، وكان الله مع هذه الأمة التي تنتهك بعد كل حين، أمتنا في خطر جسيم وتحتاج إلى صحوة حقيقية، صحوة طال إنتظارها، نخشى أن نستيقظ يوما على صاعقة خبر إنهيار المسجد الأقصى، ستكون وصمة عار على جبيننا جميعا، فنحن أول من أخذ بمعاول هدمه قبل أن يهدمه أعداؤنا، فلنقف وقفة جادة قبل فوات الأوان.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق