ثقافة السرد

الطراطير!!

حسن حجازي حسن
 

لستُ أدري لماذا تذكرتُ هذا الرجل , لم تزل صورته مرسومة أمام عيني ومحفوظة بجلاء في ذاكرتي, قابلته في مدينة ” حائل ” عروس الشمال بالسعودية أثناء تواجدي هناك للعمل بالتدريس , كانت بداية حرب الخليج.. التسعينيات, هناك حيث كنت في إعارة لدى وزارة المعارف بالسعودية الحبيبة , سألتهُ ماذا تعمل , قال :
– مدرس !
قلتُ له :
– لم يتم توزيعي حتى الآن لكن في الغالب سيكون في إحدى قرى حائل البعيدة .
سألني عن أسرتي قلت :
– معي زوجتي وابني الصغير ..
فقال :
– سيتم توزيعك على إحدى القرى القريبة لظروف الأسرة .. هذا هو النظام هنا .. لا تقلق .
فعدتُ لأسأله :
– أنتَ ؟ أين تعمل ؟ أكيد في إحدى مدارس مدينة حائل هنا … فصمت ولم يرد ..
عدتُ لأسأله في فضول :
– ما هي ظروف العمل هنا ؟ والمناهج والطلاب ؟
فأجابَ في ضيق :
– أنا أعمل ” منديل” ؟
فزاد عجبي :
– ” منديل” ؟
فقال :
– نعم … بمعنى آخر “مُنفاخْ” !
فازدادت دهشتي :
– “مُنفاخْ” ؟!
فرد بلهجة حادة أعرفها تماما وليست غريبة عني تشبه لهجة الكوابرية جيراننا وحبابينا , شراقوة يعني , وأضاف قائلا :
– يا عم ” مَحرِم” ! مرافق للزوجة .. هي التي تعمل وأنا أجلس في البيت مع الأولاد .. فهمت ؟ ولا لأ ؟!
قلت له :
– الأستاذ من ” أبو كبير ” ؟!
فضحكنا ونحن نجوبُ شوارع “حائل” المبللة بمطر الشتاء الجميل حيث كانت تبدو كعروسٍ ترفلُ في ثوب من الفضة والبهاء .. حقا كما يطلقون عليها : “عروس الشمال” !
وما زال صدى الكلمة يرن في أذني .. منفاخ .. منديل ..
.. بعدها أدركتُ أنه لم يكن أبداً لا منفاخا ولا منديلا.. وإنما كان أستاذاً نابهاً … يعمل ويكد ويجتهد , يصل دخله شهرياً من الدروس ومراكز التقوية المنتشرة في ذاك الوقت هناك ما يزيد عن راتبي طوال العام !
فقلت في نفسي :
– كم مِن مناديل وكم من طراطير وكم من هلافيت في بيوتهم وبلادهم لا رأي لهم ولا قيمة ” … كالأنعام بل أضلُ سبيلاً ” … كقطعٍ من الشطرنج الخشبي الأجوف الخاوي الرخيص .. بلا لون ولا رائحة ولا طعم .. تحركهم اوامر صادرة من مؤسسات وبيوت , كالبيتِ الأبيض أو الأسودْ أو طهران أو البيت العالي سابقا يخربون بيوتهم ويعيثون في بلادهم التدمير والفساد !!

*عضو اتحاد كتاب مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق