ثقافة المقال

المرأة في إبداع ابن حزم

المسعود بن علية
لم يكن ابن حزم ومن خلال رسالته “طوق الحمامة” سـوى فارسا للوعظ والإرشاد وسبيلا للمعرفة، وذلك بسبر أغوار نفـوس الناس وغرائزها بعد رحلة طويلة من التجارب والمعاناة ومحاولة المعالجة، فقد عدد أخلاق النساء المحمودة والمذمومة وبين ميولهن المختلفة، وساعده في ذلك قربه منهن، فقد عاش في كنفهن صبيا وعاشرهن شابا وتشبع من أخبارهن وقصصهن بعد ثقتهن به، وعمــل على المقارنة بين أخلاقهن وطبائعهن بأخلاق وطبائع الرجال، يقول ابن حزم:

“ولقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن، مالا يكاد يعلمه غيري، لأني ربيت في جحورهن ونشأت بين أيديهن ولم أعــرف غيرهن، فلم أزل باحثا عن أخبارهن، كاشفا عن أسرارهن وكن قد أنسن مـني بكتمـان، فكن يطلعنني على غوامض أمورهن ولولا أن أكون منبها على عورات يستعاذ بالله منها، لأوردت من تنبهُهن في السر ومكرهــن فيه، عجائب تذهل الألباب” يستعرض ابن حزم الشخصيات النسوية أي البطلات بوصفهن يمتلكن ثلاثة أبعاد: فهن صادقات ويعاملن مثلهن من الرجال بدرجة متساوية من الاهتمام الذي يظهره بحياتهن ومشاعرهن، إنهن يتميزن بصفات كالوفاء والإخلاص، كما أنه أشار إلى اللواتي عرفهن بالتمتع بالمشاعر الصادقة وسمو الحب وخلوده حتى ما بعد الموت، كذكره لقصة أخيه الذي توفـي بالطاعون وهو ابن اثنتــين وعشرين سنة، فما كان من زوجته إلا أن أصابها السقم الدخيل والمرض والذبول إلى أن ماتت بعده بعــام.
كذلك الموقف المؤثر لبنت زكريا بن يحيى التميمي المعروف بابن البر طال، التي عاجلت المنية زوجها فبلغ أسفها عليه أن باتت معه في دثار واحد ليلة مات وجعلته آخر العهد به وبوصله، ثم لم يفارقها الأسف بعده إلى حين موتها. إن ابن حزم يكرس الكثير من الاهتمام بالخصائص المميزة والسيكولوجيا والاهتمامات الخاصة بالنساء وبالأدوار التي لعبنها، ويبــدو أنه يبجل الخصائص الإيجابية للنساء كما خبرها في زمنه والمزايا والقدرات الخاصة التي تمتلكها النساء ومع ذلك فإنه يظل صادقا لا جافا وقاسيا في نقــده (النادر) لنزوعهن إلى الضعف وارتكاب المعصية. إن ابن حزم يرفض الرأي الشائع بين الباحثين الذي يقول إن الرجال أفضل من النساء في القدرة على كبت عواطفهم، فهو يعتقد بأن الرجال والنساء معرضـين بصورة متساوية لارتكاب المعصية في الحب إذا ما أعطوا الوقت الكافي والفرصــة المناسبة وتأثير الإغواء. كما يؤكد ابن حزم أن فضيـلة الصلاح موجودة في الرجال والنساء، يقول ابن حزم: “الصالحــة من النساء هي التي إذا ضبطت انضبطت وإذا قطعت عنها الذرائع أمسكت”، إن كـون المرأة مصونة يجعل من الصعب عليها أن تصبح شريرة (فاسدة). ورغم أن عدد الرواة أكبر عند الرجال منه عند النساء، إلا أن النساء اللواتي عرفهن أو عرف قصصهـن من بين معارفـه أو محيطه الاجتماعي والتي يبدو عددهن غير -عادي- يزودُه بذخيـرة كافية من الحكمة القيمة، ومادة الرواية التي لم يكن باستطاعته أن يجمعها لولا قربه منهن ومن بين المصادر النموذجية الذي يشير إليه بقوله: “ولقد حدثتني امرأة أثق بها أنها رأت…” إن رسالة “طـوق الحمامة” يعد معلما لنفسية ابن حــزم ولشخصيتـه العاطفيــــة والاجتماعية وسيرته الذاتية، كما أنه صدى لمجتمع الأندلس وزمنه وما ساد تلك الفترة من واقع الحال الإنساني والأخلاقي والسياسي والاجتماعي ويستطيع المرء أن يتحرى من سيــر قصص الحب وأحوال العشاق المعاناة البشرية وأحوال المرأة ونظرة الناس لها، كذلك وضع الصراعات الطبقية والسياسية وما حدث من اضطـرابات وفتن وثورات نال ابن حــزم نصيبه منها.








*كاتب وباحث جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق