ثقافة السرد

اجزاء من رواية (الجواز)

هيرتا موللر: الحائزة على جائزة نوبل 2009

زيد الشهيد – العراق

الأغنيــة
خنازير الجيران المرقطة تشخر بصوتٍ عالٍ . يُسمَع شخيرُها في الغيوم ، يمرُّ من فوق البيوت . تُطوَّقُ الشرفة بشبكة من أوراق الشجر . لكلِّ ورقةٍ ظِل .
صوت رجلٍ يغنّي في الممر الجانبي من الشارع . الأغنية تطفو بين الأوراق .” القرية كبيرة جداً في الليل . يفكر وندش ” ونهايتها في كل مكان ” .
يعرف وندش الأغنية ” مرةً سافرتُ إلى برلين . المدينة الجميلة تستحق التطلُّع إليها ” تيري هولو لالا تتردد طوال الليل ” عندما يكون الظلام حالكاً ، عندما يكون للأوراق ظلال تنمو الشرفة صاعدةً إلى أعلى . ترتفع الشرفةُ جاهدةً من تحت الصخر . ترتفع على دعامة . عندما ارتفعت عالياً جداً انكسرت الدعامة . سقطت الشرفةُ أرضاً . سقطت في الرقعةِ التي كانت فيها . وعندما قدِم النهار لم يكن أحدٌ قد لمح الشرفة تعلو وتسقط .
شعر وندش بالضغط يجري على الصخر . أمامه منضدة فارغة . انتصب أمامه رعب على المنضدة . انتصب الرعب بين أضلاع وندش . شعر وندش بالرعب معلقاً مثل صخرة في جيب سترته . طفت الأغنية ومرَّت عبر شجرة التفاح ” ابعث ابنتك لي . ابعثها لأني راغب في معاشرتها الآن . تيري هاهو لالا طوال الليل “
يدفع وندش يداً باردة في جيب سترته . لا توجد حجارة في جيب سترته . الأغنية بين أصابعه . يواصل وندش غناءه بانتشاء ” سيدي ، ذلك لن يحصل على الإطلاق . ابنتي العزيزة لن تُعاشَر . تيري هاهو لالا طوال الليل . “
الغيوم تحوم فوق القرية لأن قطيع الخنازير في الغيوم كبير جداً . الخنازير صامتة . الأغنية وحيدة في الليل ” يا أمي العزيزة ، اسمحي لي رجاءً . لماذا إذاً لديَّ ثقب .. تيري هاهو لالا طوال الليل . “.
الطريق إلى البيت طويل . الرجل يمشي في الظلمة . الأغنية لا انتهاء لها .” آه ، يا أمي العزيزة . أقرضيني فرجَكِ ، ففرجي ضيّق جداً . تيري هاهو لالا طوال الليل . “
الأغنية بطيئة والصوت عميق . في الأغنية حجارة . ماء بارد يجري فوق الحجارة ” أوه ، لا استطيع إقراضه لكِ لأن أباك يحتاجه بعد قليل . تيري هاهو لالا طوال الليل . “
يسحب وندش يده من جيب سترته . يفقد الحجارة . يخسر الأغنية .
” عندما تمشي ” يفكر وندش ” تكون أصابع أميلي وهي تضع قدميها على الأرض تؤشر إلى الخارج .

الحليب
عندما كانت أميلي بعمر السبعة أعوام أخذها رودي عبر حقل الذرة . سحبها إلى نهاية الحديقة ” حقلُ الذرة غابة ” قال . قاد رودي أميلي إلى مخزن الحبوب . قال : ” المخزنُ قلعة . “
في المخزن ثمَّةَ برميل نبيذ فارغ . زحف رودي وأميلي إلى داخل البرميل . ” البرميل هو سريرُكِ ” قال رودي . وضع ثمار شائكة متيبسة على شعر أميلي ” لديكِ تاجٌ من الشوك ” قال . ” أنتِ ساحرة . أُحبُّكِ . يجب أن تعاني “.
كانت جيوب رودي مليئة بقطع زجاج ملوَّن . رصفَ القطع حول حافة البرميل . التمعت القطع . جلست أميلي على أرضيّة البرميل . ركع رودي أمامها . رفع ثوبها . ” أنا أشرب حليباً منكِ ” قال رودي . مصَّ حلمَتي أميلي . أغلقت أميلي عينيها . قطع رودي الأزرار البُنّيّة الصغيرة .
حلمتا أميلي ابتُلِعَت . صرخت أميلي . ذهب رودي حتى نهاية الحديقة ، وفي الحقول . عادت أميلي راكضة إلى بيتها .
التصقت الأشواك بشعرها ، وتشابكت . قصَّت زوجة وندش العقد بمقصِّها . غسلت حلمتي أميلي بشاي البابونج ” يجب أن لا تلعبي معه مرَّةً أخرى ” قالت .” ابنُ الدباغ هذا ولدٌ مجنون . في رأسه ثقب عميق من جميع الحيوانات المحنطة “.
هزَّ وندش رأسه . ” أميلي ستجلب لنا العار . ” قال .

طير الصّفار الذهبي
كانت هناك تشقُّقات رمادية بين مصراعي النافذة . ارتفعت حرارة أميلي . لم يقدر وندش على النوم . كان يفكِّر بحلمتيها الممصوصتين .
جلست زوجة وندش على حافة السرير ” مرَّ عليَّ حلمٌ ” قالت . ” صعدتُ إلى غرفة الدباغة فوق ، وفي يدي منخل الدقيق . على السلم الصاعد إلى غرفة الدباغة وجدتُ طيراً ميتاً . كان طير الصّفّار الذهبي . رفعت الطير من ساقيه رأيت كتلة من الشحم تحتها ذباب اسود طار على شكلِ سربٍ ، ثم استقر على المنخل . هززت المنخل في الهواء فلم يتحرك الذباب . بعدها اندفعتُ فاتحةً الباب وعدوتُ راكضة في الحوش . رميتُ المنخل والذباب العالق به على الثلج .

الساعة على الحائط
نوافذ الدَّبّاغ سقطت في الليل . رودي مستلقٍ على سترته ، نائم . الدباغ مضطجع على سترته مع زوجته . نائمان .
يشاهد وندش البقعة البيضاء للساعة على الحائط . . يشاهدها على المنضدة الخالية . طائر الوقواق يعيش في الساعة . الطائر يشعر أنه يد الساعة : الطائر يطلق تنبيهاً . الدباغ أعطى الساعة إلى رجل الميليشيا كهدية .
بعد أسبوعين عرض الدباغ على وندش رسالةً . كانت الرسالة من ميونخ . ” صهري يعيش هناك .” قال الدباغ . بسط الرسالة على المنضدة . وبطرف إصبعه راح يبحث عن الأسطر التي يبغي قراءتها . ” عليك أن تجلب أوانيك الفخارية وسكاكين المائدة . النظّاراتُ غالية هنا . سترةُ الفرو غالية جداً . ” راح الدباغ يتصفح .
يسمع وندش تنبيه طير وقواق الساعة . يمكنه شمَّ الطيور المحنطة من خلال السقف . طير وقواق الساعة هو الطائر الوحيد في البيت . صراخه يُهشم الوقت . الطيور المحنطة تُصدر نتانة .
آنذاك ضحك الدباغ . أشار إلى جملة في أسفل الرسالة ” النساءُ هنا لا يُثمَّن بشيء ” قرأ . ” لا يستطعن الطبخ . ينبغي على زوجتي ذبح دجاج صاحبة الأرض . صاحبة الأرض ترفض أن تأكل الدم أو الكبد . ترمي المعدة والطحال . ماعدا ذلك تستمر تدخن طوال اليوم وتتقبَّل أي رجل يرغب بها . “
” أسوأُ امرأةِ من السوابيَن* ” قال الدباغ ” ما تزال تُقيَّم على أنها أفضل بكثير من أحسن امرأة ألمانية من هناك . “
شجرة الغار
لم تدم صيحات البومة البومة فقد استقرت على السطح . ” لا بدَّ أنَّ الأرملة كرونر ماتت ” يفكر وندش .
في الصيف الفائت قلعت الأرملة كرونر أزهارَ الزيزفون من شجرة مصلِّح البراميل . تنتصب الشجرة على جانب اليد اليسرى من باحة الكنيسة . العشب ينمو هناك . النرجس يتورّد في العشب . في العشب تتواجد بركة ماء ، وحول البركة تتوزَّع قبورُ الرومانيين . قبور مستوية يسحبها الماء إلى ما تحت الأرض .
زيزفونة مُصلّح البراميل لها رائحة زكية . يقول الأسقف أن قبور الرومانيين لا تعود إلى باحة الكنيسة ، وأن رائحة قبور الرومانيين تختلف عن رائحة قبور الألمان .
اعتاد مصلح البراميل الذهاب من بيت لبيت . لديه كيس وعدد كبير من المطارق الصغيرة . يُصلح الكثير من البراميل فيُقايض جهده بالطعام ، ويُسمح له بالنوم في مخازن الغلال .
كانَ الوقتُ خريفاً . وبمقدور المرء رؤية برد الشتاء من خلال الغيوم . في احد الصباحات لم يستيقظ مصلح البراميل . لا احد يعرف مَن يكون ، ولا من أين جاء ” رجل مثل ذلك في حركةٍ على الدوام ” قال سكان القرية .
تدلَّت أغصان شجرة الليمون فوق القبر ” لا تحتاج إلى سلَّم ” قالت الأرملة كرونر ” لا يحصل لك دوار ” . أقعت على العشب وشرعت تقطف الزهور وتجمعها في سلّة .
طوال الشتاء كانت الأرملة كرونر تشرب شاي أزهار الزيزفون . أفرغت أكوابها في فمها . الأرملة كرونر مُدمنة على تناول الشاي . وكان الموت في الأكواب .
أشرق وجه الأرملة كرونر . قال الناس ” شيءٌ ما أزهر في وجه الأرملة كرونر ” . كان وجهُها فتيّاً . فتوتُها كانت ضعفَها .عندما يغدو المرء فتياً قبل موته يستحيل وجهُه هكذا . يتدرَّج فتوةً أكثر فأكثر حتى ينكسر الجسد . ما بعد الولادة .
كانت الأرملة كرونر دائما ما تغني نفس الأغنية ” عند البئر قرب الباب تنتصب شجرة زيزفون ” أضافت شعراً آخر للأغنية . غنت أشعار زهور الزيزفون .
عندما شربت الأرملة كرونر الشاي دون سكّر غدت الأشعار حزينة . تطلعت في المرآة حين كانت تغني . أبصرت زهور الزيزفون في وجهها . شعرت بالجروح على بطنها ، وعلى ساقيها .
التقطت الأرملة كرونر عود غار من الحقول . جعلته يغلي . مسحت جروحَها بالعصير البنّي اللون . كبر حجم الجروح ، وكبر . صارت تبعث روائح طيبة ، وطيبة .
قطعت الأرملة كرونر جميع عيدان الزيزفون من الحقول . سخّنت الكثير ، الكثير من عيدان الغار ، وصنعت شاياً أكثر ، وأكثر .

أزرار كُم القميص
كان رودي هو الألماني الوحيد العامل في معمل الزجاج . ” هو الألماني الوحيد في كل المنطقة ” قال الدباغ . ” أول الأمر دُهش الرومانيون لمعرفة أن هناك ألمان ما زالوا على قيد الحياة بعد هتلر . ” لا يزال ألمان ؟! ” قال سكرتير المدير ” لا يزال ألمان ، وحتى في رومانيا ؟! “
” إن لذلك فائدة ” فكَّر الدباغ . ” رودي يجني مالاً كثيراً في المصنع . له علاقات جيدة مع الرجل الذي ينتمي للبوليس السري . رجلٌ ضخمٌ أشقر ، بعينين زرقاوين ، كأنه ألماني . يقول رودي انه ذو مستوى ثقافي عالٍ ، يعرف أنواعاً مختلفة من الزجاج . أعطاه رودي دبّوس رباط زجاجي وأزرار كُم قميص مدفوع الحساب .” قال الدباغ . ” ساعدَنا الرجلُ كثيراً في الحصول على الجواز ” .
أعطى رودي للرجل كلَّ المقتنيات الزجاجية التي يحتفظ بها في الشقّة : قدور الزهر الزجاجية ، أمشاط ، كرسي هزّاز من الزجاج الأزرق ، أكواب زجاجية وصحون ، صور زجاجية ، مصباح زجاجي ليلي بغطاء مخروطي أحمر .
الآذان ، الشفاه ، العيون ، أصابع اليدين ، أصابع القدمين الزجاجية التي جلبها رودي إلى البيت بحقيبة سفر . بسطها على الأرض رتّبها بصفوف ودوائر ، وتفحَّصها .

المزهرية الكريستالية
أميلي معلمةُ أطفال الروضة في المدينة . تأتي إلى البيت كل سبت . تنتظرها زوجة وندش في المحطة . تساعدها في حمل الحقائب الثقيلة . كل سبت تجلب أميلي حقيبة طعام ، وحقيبة مليئة بالزجاجيات الكريستالية ” زجاجيات كريستالية ” تقول .
الدواليب مُلِئت بالزجاجيات الكريستالية . الزجاجيات مرتَّبة طِبقاً لألوانِها وأحجامِها . أقداح النبيذ الزرق ، أقداح الشناب ** البيض . وعلى المنضدة طاسات زجاجية للفاكهة ، مزهريات وسلال زهور .
” هدايا من الاطفال .”تقول أميلي عندما يسألها وندش : ” من أين حصلت على هذه الزجاجيات ؟ “
لفترة شهر ظلت اميلي تتحدث عن مزهرية الأرض الكرسيستالية . رسمت إشارة من الأرض حتى وركِها . ” ذلك هو طولها ” تقول أميلي ” حمراء داكنة . على المزهرية راقصة بفستان ابيض مخرم ” .
تفتح زوجة وندش عينيها على سعتهما عندما تسمع عن مزهرية الكريستال . كل سبت تقول ” لن يفهم أبوك كم هي قيمة هذه المزهرية الكريستالية ” .
” المزهرية العادية عادةً ما تكون ثمينة ” يقول وندش. ” الناس اليوم يحتاجون إلى مزهريات أرضية ” .
تتحدث زوجة وندش عن المزهرية الكريستالية عندما تكون أميلي في المدينة . يشرق وجهها ابتساماً وكفّاها يصبحان ناعمين . ترفع أناملها في الهواء كما لو كانت تهمّ بصفع شخص ما . يعرف وندش أنها يمكن أن تفرج ساقيها من أجل مزهرية كريستال . يمكن أن تفرج ساقيها تماماً كما تضرب الهواء بواسطة أناملها برفق .
يصبح وندش صعب الاحتمال عندما تتحدث عن المزهرية الكريستالية . يفكر بالسنوات التي تلت الحرب ” في روسيا افرجت ساقيها من أجل قطعة خبز ” . قال الناس في القرية بعد الحرب . في ذلك الوقت فكر وندش : ” إنها جميلة ، لكنَّ الجوع يؤلِم ” .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* السوابيَن : شعب جرماني قادم من بحر البلطيق ( موسوعة وكيبيديا ) .. المترجم
**​شناب ( schnap ) نوع من أنواع الخمر المحلي .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق