ثقافة المقال

الشّعْلةُ الذّهَبيّة

يوسف الباز بلغيث *

تنتابُ الكاتبَ شذراتٌ فكريّةٌ وأخرى وجدانيّةٌ ، يُشرِعُ من خلالها نوافذَ عالمِهِ الدّاخليِّ إلى القارئ .و كلّما ٱنتهى من مخاضِ الكتابةِ _ بعدَ تدوينِ تلكَ الهواجس _ يقلّبُ ما كتبَ _كمتأمّلٍ محايدٍ_مطّلعًا على ما دوَّنَه بٱستعارةِ حالةٍ نفسيّةٍ متميّزةٍ .فينتابه سؤالٌ ، يتحسّسُ حُمّاهُ كلّما وصل إلى هذه المحطّة ..قائلاً 🙁 لماذا و لمَن نكتب ؟!). وفي الحقيقةِ لا يدري الكاتبُ لماذا يكتبُ، بقدرما يتراءى له أفقُ مَن يقرأُ له !..فالحالةُ الأولى بغيرِ وعيٍ أو تخطيطٍ مسبقِ ،لأنّ الإلهامَ لا يستشير أحدًا ، إذا ما تداعى إلى الخاطر؛ و لكنّ الحالةَ الواعيةَ _ بعد ٱنقضاء المخاض _ تجرُّ الحالةَ الثّانيَةَ عُنوةً ، و على مضضٍ منه ، ريثما تحُلُّ الإجابةُ الشّافيةُ لشغفه ومراده!

سُنّةُ اللّغةِ أنْ تتواترَ و تتجدّدَ و تستمرَّ و تُعشق ! ذلك أنّ المُحِبَّ لها يمدُّ كلَّ ما في وُسعه ، ليهبَها أغلى أنفاسِه ،و أرقَّ كلماتِه ،و أشفَّ تراكيبه لترضى عنه ؛و ليس من داعٍ لهذا سوى أن يكونَ الكاتبُ ذكيًّا في تناول اللّغةِ كوسيلةٍ للوصول إلى نُهى النّاس مداويًا ، و مفسّرًا ، و مؤنسًا .على غرار مَن يقعُ في شرك نزوته المطارِدَة لجمالها كغايةٍ لا كوسيلة .

إنّها لحظةٌ فارقةٌ تضطرُّ الكاتبَ للتّعبير عمّا يتأجّجُ و يجولُ بداخله ، كما تضطرُّ اللّغةَ _ تحتَ جنحِ بوحه _ للخروج بتلك الحُلَّةِ للقارئ دونَ رغبةٍ منها أو ٱشتهاء !

إنّها شعلةٌ ذهبيّةٌ تقدحُ شرارتُها بريقًا ، يتراءى لكليهما ( الكاتب / القارئ ) لحظةً مدهشةً لم تُرَ من قبلُ. فهل ينتهي المشهدُ العجيبُ هذا بمجرّدِ ومضةٍ دونَ سحابٍ أو مطر ..؟!

السّفرُ إلى كونِ القارئ يتطلّبُ مركبةً و مُعدّاتٍ؛و ٱستكشافُ بُؤرِ النّشوةِ لديه يستلزمُتجربةً و أناة ! لكنّ المتعةَ في رحلةٍ كهذه ستنقلبُ مخاطرةً ، لأنّ اللّغةَ التي نسافرُ بها إليه لا تفي بحقِّ دهشتِه و نشوتِه.و من هنا ستتحوّلُ شوكةً تحتَ جنبه ، بعدما تراءتْ له وردةً حمراء حيالَ عينيه..! و لهذا يجب النّظرُ مليًّا في هذه الشراكةِ التي تحتاج إلى تطويرٍ و إثراءٍ و ٱستثمار. و سيحملُ النّظرُ ذاتُه عِبْءَ السّؤال التّالي : ( ما طبيعةُ القارئ الذي يتودّدُ الكاتبُ بلغته و رؤاه إليها ؟! ) ..و ليس معنى هذا أن نلقيَ بالفشل على لغةٍ عذراءَ ، في حاجة إلى عنايةٍ و سلامةٍ ، و أذُنُ القارئ يعتريها صممٌّ ، أو فكرُه تعتليه سذاجةٌ ، و يُلقي باللّوم على لغةِ الكاتب.

التّناظرُ الحاصلُ من باثٍّ و مستقبِلٍ يبيّنُ التّوازيَ بينهما، و إذا شرد سطرٌ واحدٌ في تناظُر المحور ٱنتابَ الرّسمَ قبحٌ طارئٌ ؛ مثلما يتأنّقُ فكرُ الكاتبِ فتخذلُه سذاجةُ تفكيرِ القارئِ ، أو مثلما تتألَّقُ ذائقةُ القارئ ، فتتعسّفُ عليها لغةٌ ركيكةٌ ، و رؤيةٌ واهية .

الجوابُ عن هذا تكفلُه صدقيّةُ العلاقةِ بينَ مدٍّ الكتابة و جزرِ القراءة، بينَ العين و الأذن ، بينَ العقل و القلب ، و بينَ النَّفَسَيْنِ و النَّفْسَيْن على حدٍّ سواء.

*كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق