الموقع

الخوف الذي يسكن العقول ؟

ما الذي يدفع هذا الكاتب أو ذاك القارئ إلى التوقيع باسم مستعار أو رمز أو انتحال اسم آخر؟ وما الذي يجعل البعض منا يتخفى تحت اسم آخر للقدح أو المدح في شخص غيره؟ ولماذا نخاف من الكتابة أو التعقيب أو الرد بالاسم الكامل؟ ومن يستطيع الاستفادة من الرأي أو الثقة فيه وصاحبه يحمل اسم آخر؟ ومتى يتحمل الكاتب أو القارئ المعقب رأيا يبديه في غيره؟ .. أسئلة كثيرة تختصرها إجابة واحدة وهي أن الخوف الذي يسكن العقول انتقل إلى الكتابة الالكترونية..

التعقيب الالكتروني

يبدو لي أن هناك صنفين من القراء لأي كاتب كان: صنف يعارض وآخر يساند وكلاهما يشترك في التعقيب بغير اسمه، وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاما تبين لي أن القراء الذين كانوا يبعثون بالتعقيب إلى الجرائد عبر الرسائل المكتوبة بخطهم أكثر جرأة وتحملا للمسؤولية ممن يتعاملون اليوم مع الكاتب عبر البريد الالكتروني له أو للجريدة المستنسخة عبر الأنترنت، فحجم التعقيبات الالكترونية تضاعف بينما ثقافة التوقيع بالاسم الحقيقي تراجعت وكأن هناك إجماعا على عدم تحمل المسؤولية الذي أوعزه إلى الخوف الذي يسكن عقول الكثير دون معرفة الأسباب الحقيقية لهذا الخوف؟ .

إنه من حق أي كان أن يبدي رأيا أو يعارض رأيا أو ينتقده ولكنه ليس من الأخلاق أن يتطاول على صاحبه أو التجريح في شخصه، فالذي يكتب مقالا يوميا أو أسبوعيا هو شخص يجتهد في البحث عن فكرة ظاهرة أو موضوع يعالجه وفق قناعاته ورؤيته واستنادا إلى ثقافته ومستواه العلمي وليس مطالبا أن يكون رأيه مطابقا لرأي الأغلبية ولكنه قد يكون نافذة على رأي لم تنتبه إليه الأكثرية.

هناك الكثير من التعقيبات لا تنشر بسبب ما تحمله من كلمات “سوقية” أو تخدش الأخلاق العامة ومع ذلك يحتج أصحابها باسم حرية التعبير والرأي الآخر، وكأن حرية الرأي الآخر أو المعتقد تسمح لأصحابها المساس بالغير، مثلما سمعت الشيخ صهيب وهو يفتي بالموقف الديني لصالح أصحاب الرسومات المسيئة إلى الرسول محمد(صلعم).

وهذا العدد الكبير من التعقيبات غير المؤهلة للنشر تحتاج إلى علماء نفس لدراستها لعلهم يكتشفون أسباب تدني مستوى الحوار والنقاش في أقطارنا العربية، كما أن الأسماء يختارها هؤلاء المعقبون ممن تم نشر تعقيباتهم تحتاج هي الأخرى إلى علماء الدلالة للكشف عن أبعادها.

لا أشك مطلقا في أن من يقرأ لك إنما هو شخص سيحث عن إجابات لأسئلة تدور في باله ولم يجد من يقنعه بالإجابة عنها، لكنه حين يذيل تعقيبه بغير اسمه قد لا يمنحك الفرصة للتفكير في الإجابة عن انشغالاته، وفي هذا السياق يقول الدكتور محمود أدهم في كتابه (أسماء على الصفحات) بأن من يلجأ إلى التوقيع الوهمي أو المنتحل إنما هو من يريد الرد على مقال “لم تعجبه أفكاره أو مقال كتب يهاجمه صاحبه”.

لهذه الأسماء تاريخ

من يتوقف عند أسماء رموز المقاومة الجزائرية يجدها غريبة في تركيباتها بالرغم من أنها كانت تقوم بتعبئة الجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي، فأسماء مثل: بوبغلة (محمد الأمجد بن عبد المالك) أو بوعمامة (محمد بن العربي بن الشيخ) أو بو معزة (محمد بن عبد الله بن واضح)، ومن يتتبع كيف أن شخصياتنا الوطنية كانت تفضل النسبة إلى مسقط الرأس أو القبيلة يكتشف أهمية الرفع من شأن الوطن فالشاذلي القسنطيني (محمد بلحاج) أو قدور المستغانمي (قدور بن سليما) أو المازري الديسي أو محمد بن علي الجباري هي أسماء فضلت ان تذيل باسم المنطقة التي تنتمي إليها أو القبيلة سعيا إلى تثبيت وجودها المحلي في مواجهة الوجود الاستعماري، لكن من كانوا في صفوف الثورة من المجاهدين والمسبلين فضلوا أسماء مستعارة حتى لا يكتشف العدو هويته فيلحق الأذى بعائلاتهم.

يلجأ الكاتب انتحال اسما لآخر عندما يمنع من الكتابة بالرغم من أن شرعية المكتوب تنتزع من الاسم الحقيقي لصاحبها ولا أفهم كيف أن الجيل الجديد من الصحافيين لا يسعى إلى البحث عن الشهرة عبر تثبيت اسمه في ذهنية القارئ، خاصة وأن قوانين الإعلام الجديدة تمنحه حق التأليف.

إن ظاهرة إخفاء الأسماء ليست جديدة في تاريخ الوطن العربي والعالم فحتى بعض رواة الأحاديث النبوية كانوا يخفون أسماءهم مثل: أبو هريرة (عبد الرحمن بن حجر)، وحتى الكتاب الكبار كانوا يسلكون الطريق نفسه مثل: سيبويه (عمر بن عثمان) أو الجاحظ (عمر بن بحر) وحتى كبار الزعماء كانوا ينتحلون أسماء غيرهم أو يطلقون على أنفسهم بعض الصفات مثل: هواري بومدين (محمد بو خروبة) وأتاتورك (مصطفى كمال) والمؤلف (بنجامين فرونكلين)، وحتى الشعراء والمفكرون لجأوا الى ذلك مثل: أبو خلدون (ساطع الحصري) والقروي (سليم الخوري) والأخطل الصغير (بشارة الخوري) وغيرهم. لكن من يخفي اسمه اليوم في الرد على مقال أو إبداء رأي هو شخص يسكن عقله الخوف، أما في السابق فإن إخفاء الهوية كان يراد منه الإسهام في الفكر والثقافة وليس النيل منهما.


عبد العالي رزاقي
كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق