قراءات ودراسات

ذاكرة النَّار… تشتعل على بياض الرُّوح

سليم النجار

ليس هذا اختيار حرٌّ لعنوان أَردته لكتابة مقالة عن رواية “بروميثانا” للكاتب الصَّديق أَحمد أَبو سليم الَّذي افتتح مشروعه الرِّوائيَّ برواية ” الحاسَّة صفر” الَّتي كشفت، ولن أَقول عرَّت سلوكيَّات بشريَّة أَنا شخصيَّاً كنتُ أَراها ذات يوم سلوكيَّات عاديَّة ومفهومة لرجال كانوا يتذوَّقون طعم الموت كما فنجان القهوة الصَّباحيِّ.
هناك من أَصرَّ على رفض هذا البوح عن الفدائيِّين مصرَّاً على إبقائهم في منزلة الأَنبياء، وليس البشر، ولكن في جميع الأَحوال فالرِّواية حقَّقت حضوراً لافتاً، ومميَّزاً في المشهد الثَّقافيِّ العربيِّ عموماً.
“بروميثانا” وهي حديث اليوم، رواية روحانيَّة بامتياز، جاءت كردَّة فعل على حداثة العقل الأَداتيِّ للعلم والتقنية، واستغفال الإنسان المعاصر للأَبعاد الروحانيَّة للإنسانيَّة جرَّاء تعالقه مع الصِّيغ الماديَّة المقيَّدة بالرَّمزيَّات المسطَّحة الَّتي تحجب البصيرة عن الحقيقة الرُّوحانيَّة.
إنَّها رواية تدعو القارئ إلى استقراء خبايا جوَّانيَّته وأَناه القابعة في أَعماقه المظلمة، ليستكنه قيماً روحانيَّة، ويتبصَّر حقيقة شخصيَّته الَّتي تمتاز فطريَّاً بالحريَّة، والتجدُّد، والخلق، والدَّيمومة، وهي المنبع الصَّافي للقيم الَّتي تشفي غليلنا، أَي أَنَّها باختصار الطَّريق المختصرة للتَّصالح مع الذَّات، من أَجل إعادة رؤية الكون والحياة والإنسان بطريقة مختلفة تعيد بناء الوعي كما ينبغي له أَن يكون.


يقترح علينا أَبو سليم فتح ثغرة في الذَّات البشريَّة- ربَّما العربيَّة بالذَّات- من أَجل تجاوز مفهوم الزَّمن، وكأَنَّ تلك الثَّغرة هي الثَّقب الأَسود الَّتي نادت به الفيزياء، واقترحت أَنَّه الطَّريقة الوحيدة لتجاوز مفهوم الزَّمن، واختصاره، لتبرير معنى وجود يبدو معقَّداً ومستحيلاً في لحظة ما، إذا ما تمَّت مقارنته بقوانين الواقع.
إنَّها ذاكرة النَّار-بروميثانا- الَّتي لا تستكين في فضاء محدَّد، بل تنفتح على كلِّ الفضاءات بحثاً عن الحقيقة الَّتي تنهار في كلِّ لحظة ليتشكَّل منها حقيقة أُخرى.
هل يحيلنا ذلك إلى حالة اغتراب من نوع ما؟ اغتراب الإنسان عن الكون؟ اغتراب المثقَّف عن ذاته؟ بل اغتراب الإنسان عن ذاته؟ وسقوط مثقَّف السُّلطة في براثن التَّبرير؟ وقبل ذلك سقوطه في براثن سلطة الماضي، وحركته بالاتِّجاه المعاكس لحركة الكون، والتَّاريخ؟
لقد وظَّف أَبو سليم ذاكرة النَّار لابتلاع كلِّ ذلك، في محاولة لحثِّ المثقَّف على الانطلاق من معاييره الأَخلاقيَّة حين يصبح في أَتون النَّار، ليس على أَساس يساريٍّ ثوريٍّ، أَو دينيٍّ، بل على أَساس إنسانيٍّ بحتٍ، ما فتح آفاق السُّؤال، بل الأَسئلة الَّتي لا تنتهي في الرِّواية من بدايتها حتَّى النِّهاية، ما ينفي عن أَبي سليم الرِّوائي صفة الأُستاذ أَو المعلِّم، وهي الصِّفة الَّتي أَعلن كثيراً أَنَّه لا يمتلكها، بقدر ما يمتلك موهبة السُّؤال.
هل المعرفة هي أَصل حضارة القتل أَم الجهل؟
أَليس ذلك هو سؤال الرِّواية في نهاية المطاف؟
أَحمد أَبو سليم افتتح الطَّريق، وننتظر الآتي أَيَّاً كان.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق