ثقافة السرد

احزان الباب المغلق

ناجي ظاهر

اثار الباب المغلق دائما شجوني واحزاني، وطالما وقفت امامه في هذه اللحظة العصيبة او تلك، وانا اتساءل: ما الذي حصل وأين ولّى واختفى من كانوا هنا، وراء هذا الباب وفي داخل البيت؟.. لقد توقفت امام الباب المغلق عددا كبيرا من المرات، بعضها مر وانستني اياه المشاغل والايام، وبعضها الاخر ترسخ في الذاكرة واعترف انه بات جزءا عصيا على النسيان لا يفارقني الا ليعود فارضا نفسه على، ومشددا انه وجد يوجد ولسان حاله يردد: لن ارحل كما رحلوا.
قصصي الاولى مع الباب المغلق ابتدأت منذ تفتح وعيي على الحياة، وكانت اولى تلك الحكايات قصة احد امراء الف ليلة ولية، عندما تزوج من امرأة احبها كثيرا وعندما دخلت قصره توقفت قبالة سبعة ابواب وتساءلت عن وجود تلك الابواب، فابتسم زوجها الامير وقال لها: هنا ستمكثين معظم وقتك.. في غيابي، ثم قال لها انه بإمكانها ان تفتح الابواب الستة متى تشاء، اما الباب السابع فقد طلب منها الا تفتحه. ما ان غادر الامير قصره حتى اخذت زوجته الطرية الجديدة بالتفكير في الباب السابع، وكما هو متوقع.. ما ان غادر زوجها حتى بادرت الى فتح ذلك الباب لتبدا سلسلة من الالام والاحزان والمعانيات.
اما قصصي مع الباب المغلق فاعتقد ان اولاها كانت، عندما عدت من الحارة الى بيتنا الغافي بين الاشجار الظليلة الدافئة.. وانا لما اتجاوز الثالثة او الرابعة من العمر، ووجدت باب البيت مغلقا، فحاولت ان افتحه الا انني لم اتمكن، فنمت قريبا منه، وعندما عادت امي فوجئت بي نائما هناك، فحملتني ووضعتني في سريري الخشبي.. لترافقني تلك الحادثة طوال ايام العمر.
قصة اخرى وقعت لي ما الباب المغلق، وتركت اثارا لا تُمّحى ولا تقدر على محوها الايام، كانت يوم توجهت الى شقة زوجين شابين قريبين جدا، بعد ان سمعت من اخرين ان الزوج غادر بيته الى المجهول، بعد ان طلبت منه زوجته المغادرة. طرقت يومها باب الشقة.. بقي صامتا غارقا في هدأته.. اعدت الطرق فواصل سكوته ولم يرد.. فما كان مني الا ان دخلت في حالة باكية من الصمت، وحملت نفسي وفي قلبي غابة من الاسئلة عن.. الخسارة والفقد.
ذروة توقفاتي امام الباب المغلق وحكاياتي معه، كانت يوم كتبت قصتي الباب المغلق، نشرت في مجموعتي القصصية ” ظل على السطح”، هذه القصة تحكي عن شخص نبذته زوجته، فراح يبحت عن طريقة تعيده اليها والى بيته الدافئ الحنون. حاول طرق العديد من الابواب، بما فيها ابواب من يعنيهم الامر، الا انه لم يتمكن لأن كلا منهم مستغرق في بابه المغلق، فما كان منه الا ان انطلق في الشارع الطويل.. المفضي الى الباب المغلق.. بابه.
الباب المغلق له مكانة محزنة حافلة بالاسى في قلبي، بالضبط مثلما كان له في قلوب الكثيرين ممن اعرفهم ولا اعرفهم من اهل القول والكلام، اذكر منهم هنا شاعرتنا الراحلة فدوى طوقان ابنة مدينة نابلس، ومجموعتها الشعرية” امام الباب المغلق”، والالماني بورشرت صاحب مسرحية امام الباب المغلق، والشاعر المرحوم ميشيل حداد ابن بلدتي الذي كرس قصيدة او مجموعة شعرية نثرية كاملة لـ” السيد المغلق”، اما السيدة فيروز فقد فجرت مكامن احزان الكثيرين وهي تدق على الباب المغلق وتردد بحرقة: دقيت دقيت وايدي تخلعوا وقنديلكن سهران ليش ما بتفتحوا؟
رحم الله الشاعر الصديق الراحل عدوان ماجد، الذي انصرف عن قول الشعر بعد محاولات قليلة، عندما هتف في احدى قصائده:” افتحوا الابواب قلبي لا يحب الباب مغلق”، فقد لامس حفاف احزان الباب المغلق الحافلة بمشاعر الفقد والاسى.. بالضبط مثلما لامستها وعشتها.. طوال ايام حياتي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق