ثقافة السرد

أسرار الرجل الذي…

عبد الكريم ساورة

الحب لايعرف رضاء الآخر، هكذا تعلمت بعد سنوات طويلة من المد والجزر، وهل كل مانتعلمه بعد سنوات طويلة يمكن اعتباره حقيقة ؟ إلا حد ما هذا ما يمكن أن نعتمد عليه في تفسير كل مانعيشه، الأخطاء والعثرات، والفشل كل هذه الأشياء دليل كبير أننا نخوض تجارب جديدة، جديدة لأننا نتعلم منها كيف نقود حياتنا بشكل منضبط، وبدون تكليف، وهذا مايسمى بقانون الحياة.
مخطئ من يعتبر أننا نسير في هذه الحياة بدون ضوابط، فخارج الضوابط التي تضعها الأمم لتنظيم شعوبها، نجد أن الناس فيما بينهم يصنعون ضوابط قهرية لايمكنك أن تتجاوزها مهما فعلت، ومهما حاولت، إنها قوة المجتمع الذي لايقهر بسبب توارثها سنوات طويلة، وأي خروج أو انحراف عن هذه القوالب المجتمعية تعتبر شاذا، والشاذ لاحكم له كما تقول القاعدة الفقهية.
إننا نتظاهر بالحب لبعضنا البعض، نحاول أن نرضي بعضنا البعض خلال فترات، ولكننا لانستطيع أن نقاوم الأنانية المفرطة التي تجرنا بسرعة الضوء إلى حقيقتنا المظلمة، لانستطيع مقاومة الواقع العنيد، طبيعتنا، تربيتنا التي تتأسس على مفهوم الغلبة، ومفهوم الخضوع، كل واحد يحاول بطريقته إخضاع الآخر، بل إذلاله، جعله تابعا ولما لا متسولا، إن الإنسان الكائن الوحيد الذي يصنع مجده على حساب الإنسان وذلك بقتل كرامة أخيه وهو يتلذذ من خلال هذا العمل الحقير. لماذا الإنسان يدفع بنفسه بقوة لكي يكون حقيرا ؟ يالها من صورة مفزعة كل واحد منا يخبؤها إلا حين أن تأتي الفرصة فيظهرها علانية .
الناس الآن تجدها مغرقة في نظام المجاملات، أو لنقل فن المجاملات، حتى تعتقد أننا بلغنا مرحلة حضارة الحضارة، ولكن في رمشة عين تجد نفس الإنسان يكشر عن أنيابه وقد يحرق كل من حوله والمصيبة يكون السبب لأمر جد تافه، هاهو الإنسان الذي كن نعده في الصباح أسطورة بسبب الخدع السينمائية التي كان يحترفها ويحاول تقديم نفسه ذلك الراهب العفيف، يرفع عنه القناع، بل الأقنعة، ويظهر في صورة أخرى، ماهي هذه الصورة ؟ يمكنكم أن تتخيلوا أي شيء فظيع، قبيح، كريه، الإنسان كريه عندما يفقد الثقة في نفسه.
عندما يفقد الإنسان الثقة في نفسه، يسكنه إنسان آخر، من يكون هذا الإنسان، ماهي طبيعته، هل يأكل بسرعة ؟ أم يغضب بسرعة؟ ربما لايسكنه أحد، لأنه يكون في حالة فراغ كامل، وفي هذه الحالة قد يستطيع أن يستوطنه أي أحد، ولما لا أي شيء. في هذه الحالة فهو أصبح شيئا آخر، فهو يعرف حالة تحول دون أن يدري، هل يمكن أن نعتبر الأمر سرقة ؟ لماذا لايظل يحتفظ بالأشياء الجميلة التي كان يحملها قبل أن يفقد تقثه في نفسه ؟
إن الأمر يبدو صعبا للغاية، إننا نقوم باتهامه على سبيل الإعتقاد، فهو لم يقتل أحدا بعد، ولم يرتكب أية كبيرة بلغة فقهاء الشرع، ولكن نحن من نقوم بقتله بهذه السرعة ؟
هنا علينا أن نعود إلى نقطة البداية ونتساءل هل فقدان الثقة ضعف ؟ ولماذا لانعتبر الأمر قوة ؟
نقول فقد الإنسان الثقة في نفسه، بمعنى أنه لم تعد تقنعه بما يرغب فيه، وهذه مسألة طبيعية لأن النفس أمارة بالسوء، فهو يحاول أن يقطع الصلة بكل ماكان يملكه ويتملكه، فهو يبحث عن إنسان جديد فيه، فيحاول أن يقطع صلته بالماضي وينطلق نحو المستقبل، فهو يقوم بقتل الرجل المريض فيه، ليخرج الرجل الجديد فيه، إنها مسألة بيولوجية بحثة، إنه يلعب دور المرأة التاريخي، الإنجاب، والإنجاب في صورته المقدسة يعني الحياة الجديدة، إنه يولد من جديد، هل هذا هو قانون الحياة ؟
الحياة لاتخضع لمعايير مضبوطة، فهي في كل يوم تأخذ شكلا معينا وتجعلنا نعانقه بدون إرادتنا، فنتحول إلى سكارى عندما نتذوق الطُعم، نمشي ثم نمشي مسافات طويلة دون أن نشعر بالتعب، وفي لحظة نسقط، أين نسقط تحديدا؟ لا نعرف، ثم لانستطيع أن نسأل، لأننا نخاف من الجواب القاتل….
إننا الإنسان الذي يبحث دوما عن المستقبل، عن الأمل، إنه يريد دائما أن يكون سيد هذا العالم، هكذا يحلم، هكذا يتحول هذا العالم إلى ملعب صغير، ليلعب فيه الرجل الطفل بعفويته، بل حتى برعونته، فيسقط على الأرض، فيعرف حقيقته.
ينهض الرجل الطفل من جديد فيسقط، تم يسقط، فتنفتح عيناه على وجه العالم فيبتسم، من حوله يطير سرب من الطيور، فيبتسم وهو يسأل نفسه : ترى من أكون … ؟
كاتب ومبدع مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق