ثقافة المقال

خربة زكّـور

عندما يكون التمسك بالمواقف البطولية مستنكراً!

( خربة زكور موضوع تابع لبلدة جلجولية في المثلث. نقلت من كتاب ” المثلث .. الأرض والإنسان ” .

فؤاد عبد النور. 1993.)
 
 تعرفت على الشاب عبد الهادي عرار في مكتب حركة النهضة في الطيبة وأسرني بدماثته وتبرعه لمساعدتي في كل ما يتعلق بمكان سكناه وجواره، فهو هاوٍ للبحث التاريخي مثلي، ويكتب ويراسل صحفاً ومجلات عديدة. وكان عند وعده حين اتصلت به عندما كنت في جلجولية. اتفقنا أن نلتقي يوم السبت في يوم إجازته. وهكذا وصلت جلجولية مبكراً، واقترح أن نقوم بجولةٍ في جلجولية أولاً فرفضت. قلت أني أرغب بزيارة خريش وموقع زكور وأية منطقة يصعب علي زيارتها لوحدي. فوافق وذهبنا إلى خريش( تلفظ إخريش)، وإلى خربة زكّور المجاورة. وبعد أن تغذينا ذهبنا إلى طواحين رباح القريبة على نهر العوجا، حيث كانت تنتشر مضارب عرب أبو كشك، وسيأتي ذكرها في موضوع منفرد عن ” أبو كشك “.
انطلقنا إلى الشرق من جلجولية إلى الحدود الأردنية – الإسرائيلية القديمة حيث توجد خربة زكور الفلسطينية، والتي عندما أُعلن قرب تسليمها لإسرائيل آثر معظم السكان الانطلاق للضفة الغربية، حيث كانت معظم أراضيهم إلى الشرق، إلا واحداً كانت أرضه ستقع في المنطقة المزمع تسليمها لإسرائيل. وبقي وحيدا لا يخضع للمساومة في تجربة سقط فيها المئات لا بل الألوف!
أراضي خربة زكور وخريش متجاورة وبنيت مستوطنة ” نيريت ” على أرض خربة زكور. أما خريش فقد تمسك السكان بقريتهم وبقوا فيها إلى السنة 1952 حيث أُجلوا بالقوة – قوة الجيش الإسرائيلي بالطبع، ونقلوا قسراً إلى قرية جلجولية المجاورة وبنيت مكان الخربة مستوطنة ” حوراشيم ” رغم التعهد الواضح من الحكومة الإسرائيلية أن لا يصيب الضيم الفلاحين الذين سيُضمون لإسرائيل ولا يطردون من أماكن سكناهم ولا يفرض عليهم أي حكمٍ عسكري!
قبل أن نصل ” نيريت ” أخذنا طريقاً ترابية إلى الجنوب إلى جوار حرجٍ من شجر الصنوبر زُرع على أراضي زكور المصادرة. انطلقنا سيراً على الأقدام على نفس الطريق التي اعتاد العم ” عطا رزق الله ” ( أبو أحمد ) سلوكها يومياً بعربته التي يسوقها حمارٌ وأصبح الحمار يحفظ هذه الطريق عن ظهر قلب.
لا بد أن يزور أبو أحمد أرضه يومياً صيفاً وشتاءً كفريضةٍ مقدسة وإثباتٍ للوجود بأـنه على العهد باقٍ. أرضه لن يبيعها ولن يقايض بها ما دام حياً!
قد يكون هذا التصميم على المحافظة على الأرض وهذا التحدي الواضح لجميع أجهزة الحكم العسكري، هو الذي منحه هذه القدرة على الحركة والتجوال. إن أرادوا قتله فليكن. إنه لا يخاف الموت. وقد تعرض أكثر من مرة لإطلاق النار حتى يتوقف عن الاعتناء بأرضه فتصادر مجانا بحجة صيرورتها بوراً غير معتنى بها. قتلوا حصانه فاستبدله بحمار. حياته في هذه الجولة اليومية. إن كانت في نفسه حسرة فهذه الحسرة نابعة عن عدم تمتع أولاده بنفس هذه الروح وهذا التصميم.
وصلنا إلى الأرض وإلى البيت الذي كان أبو أحمد يسكنه مع زوجته و أولاده. يُستخدم البيت الآن كمخزن للعلف. يقع البيت على تلٍّ مرتفع. صعدنا للسطح وتأملنا من هناك الساحل الفلسطيني وكفر برا المجاورة وجلجولية والتقطنا عدة صورٍ للبيت، وقوى فيّ الفضول للتعرف على هذا المناضل الصامد مالك هذه القطعة المنعزلة، ولكن مرافقي حذرني أنه من المحتمل أن أجد صعوبةٍ في مقابلته فهو شخصٌ غريب الأطوار. ووجدت عند غيره نفس الرأي عندما سألت في جلجولية عنه. أُخبرت أن أبو أحمد مختلف مع أولاده بشأن الأرض. الأبناء نشأوا في إسرائيل وعملوا في مزارعها ومصانعها ولا تبدو الأرض لهم كما هي بالنسبة لوالدهم. وأخيراً قررت أن أستنجد بجيران له من خريش يسكنون إلى جوار جامع ” أبو العون” وكانوا من أول من تعرفت عليهم في جلجولية فوعدوني بإقناعه بمقابلتي والتحدث معي. كلف السيد يوسف الحاج شواهنة ابنه بذلك وأرسله معي لتذليل أية صعوبة إن حصلت. ولكن تبين أن الأستاذ حسن لا يكاد يعرف أبو أحمد فاقترح أن نزور بدلاً منه ابنه أظنه كان الابن الأكبر. ذهبنا إليه وطرقنا الباب فخرج إلينا رجلٌ ربعة يكاد يبلغ الخمسين من العمر متجهم الوجه، ولما عرف القصد من الزيارة ازداد تجهمه ورفض الذهاب معنا لزيارة الوالد. فأدركنا وجود خصامٍ بين الاثنين ورفض حتى القيام بواجبات الضيافة العربية التقليدية وأدار لنا ظهره ودخل بيته. فوجدنا أنه ما علينا إلا التوكل على الله والذهاب إلى الرجل وحدنا.
وجدناه يسمر عند جيرانه وزال توتري لما رأيت الرجل يوافق على التحدث معي برحابة صدر! رأيت أن الرجل مظلومٌ بين قومه. الجميع يدعو للتمسك بأرض الآباء والأجداد ويتغنّى بالمواقف البطولية هذه، ولكن عندما يبرز بين ظهرانيهم من يطبق القول بالفعل فإنهم يثقلون عليهم بالاستغابة! شعرت أن القوم يستنكرون عليه هذا التميّز عنهم والتمسك بالمبدأ.
يبلغ أبو أحمد الثانية والسبعين من العمر. ولد له خمسة أبناء وخمس بنات- أنجازٌ بحد ذاته لوحيد أبويه! يمتلك 83 دونماً فقط، وخسر الباقي ” نهبوا مني هيك.. عينك عينك”. والأرض مزروعة لوزاً وزيتوناً.
قسم خط الحدود الخربة وفضل معظم السكان الانتقال للضفة تحت الحكم الأردني. إلا أن سبعين عائلة بقيت في القسم الذي سُلّم لإسرائيل. ولكن لم يطل لهم المقام في قريتهم إذ نُزعوا بالقوة العسكرية سنة 52 وأُسكنوا في جلجولية وأقيمت مستوطنة نيريت على أرضهم. وقال أبو أحمد: ” طردونا مثل ما يطردوا الغنم! ما خلوا حدا في الخربة. كان عندنا مية رأس غنم. قعدنا فوق بعض في كفر برا في بيت لواحد من اللي هجوا شرقا. زهق والدي من الضغط في ذلك البيت الصغير وعدم وجود محل كافي للغنم فلقينا بيت ثاني عند حسن السالم في كفر قاسم. كنا نرعى غنماتنا في أرض المجدل (مجدل يابا). ونراجع الحاكم العسكري حتى يسمح لنا بالسكن في جلجولية. عندما سمح لنا اشترينا هذا البيت اللي إنت قاعد فيه. أضفت إليه ووسعته.”
ذكرياته عن الجيش العراقي والأردني ضعيفة. ولكنه يتذكر حديث أحد الضباط العراقيين عندما قال لنا: ” إذا أجا المعاش بالعراقي بقينا.. ولكن إذا أجا المعاش بالأردني معناه إحنا رايحين. خطيتكم برقبتي، إياكم والهجرة. اللي بقدر يبقى بأرضه يبقى! لا تهاجروا!”
ولا يتحدث أبو أحمد بِوُدٍّ عن الحكم العسكري الجديد. لا يزال يتحسر على الستين دونمٍ التي اغتصبت من أرضه ” هيك عينك .. عينك “. أوجاعه الحقيقية من زُلم الحكم العسكري. من حرس الحدود. من دورياتهم على الخيل. من الإهانات. من الضرب. من اقتحام البيوت في الليل.. من عدم احترام أو توقير أحد”. وسألت:
– كيف عشتوا طول ها لوقت؟ من الأرض؟ فتنهد وأجاب:
” شو بتطعمك أرض جبلية. بعض شجرات اللوز والزيتون. عشنا من الغنم. كنا ننتج جبن ونبيعه في ملبس ( بيتاح تكفا ). كان كيلو الجبن يباع بثلاث ليرات. الخروف ابن سنة يباع بثلاثين ليرة. عمرت مساكن لولادي، هيهم يشتغلوا بإسرائيل. أمورهم ميسرة”. فسألت: والأرض؟ وأتى الجواب قاطعاً:
” الأرض ما تنباع! شو يعملوا أولادي بعد موتي ما بعرف. ما بقدر وقتها أمنعهم. ولكني لن أموت وقد بعت قطعة من أرض آبائي وأجدادي!”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق