ثقافة المقال

الثقافة والثقافة السائلة عند زيجمونت باومان

إعداد: طارق بوحالة
 

يقدم الكاتب والناقد زيجمونت باومان كتاب الثقافة السائلة على غرار كتبه السابقة خاصة كتاب الحداثة السائلة، ويتمركز موضوع هذا الكتاب حول الثقافة السائلة التي أنتجتها ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية فرضتها التحديات الجديدة المرتبطة بثقافة الاستهلاك وصنميّة السلعة والتسويق الثقافي….والكتاب من الحجم الصغير، عدد صفحاته في نسخته العربية 109 صفحة، ترجمه حجاج أبو جبر ونشرته الشبكة العربية للأبحاث والنشر عام 2018.
وُلد زيجمونت باومان من مواليد في بولندا عام 1925، انتقل إلى الاتحاد السوفياتي عند بداية الحرب العالمية الثانية وعمره أربعة عشر عاما. وقد عمل ضابطا سياسييّا في الجيش البولندي خلال أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات، ثم أقيل من منصبه خلال حملة تطهير ضد اليهود عام 1953، وأصبح بعد ذلك مفكرا يدعو للتصحيح ومدّرسًا في جامعة وارسو. قرر عام 1968 الهجرة إلى الغرب، بعد حملة قادها النظام ضد اليهود، حيث اتهم باومان بأنه عدو الشعب.
بدأ باومان منذ العام 1968 مرحلته المهنيّة الثانية، ولكن هذه المرة في الغرب، ومع حلول 1971 أصبح أستاذا لعلم الاجتماع في جامعة ليدز. نشر مجموعة كثيرة من الدراسات أهمها “الحداثة والهلوكوست” التي حصل بها على جائزة أمالفي عام 1989.
انصب اهتمامه في منصف الثمانينيات على فكر ما بعد الحداثة،…(1) أين أصبح منذ ذلك الحين اهتمامه البارز، مخلفا كثيرا من الدراسات أهمها: الثقافة كممارسة، نحو علم اجتماع نقدي، الحداثة السائلة، والثقافة السائلة والشر السائل والحيّاة السائلة…
وقد سبق لبومان أن ناقش في كتابه الحداثة السائلة مفهوم ما بعد الحداثة مستغلا المفهومين الفيزيائيين السيولة والصلابة. والسيولة كما يراها هي الميزة الرئيسيّة التي طبعت عصر ما بعد الحداثة. فـ” الحداثة السائلة هي التحديث الوسواسيّ المكثّف الذي أفضى إلى عدم قدرة أيّ من أشكال الحياة الاجتماعيّة المثاليّة بأن تحتفظَ بشكلها زمنًا طويلا تماما مثل المواد السائلة.”(1)
ترتبط حالة ما بعد الحداثة بعدم استقرار الأشكال الثقافيّة والاجتماعيّة على حالها المثالي، فهيّ في تغيّر وتطور مستمرين، حيث تشبه المواد السائلة التي لا تثبت على شكل دائم. ويضاف هذا التعبير إلى…استعمالات هذه الكلمة التي تكشف عن درجة كبيرة من تعدد المعاني، بحيث تتحدى أي تعريف بسيط… (2) ، وقد مست الحداثة السائلة مجموعة من المجالات أهمها العمارة والفن والإنتاج الاقتصادي والتجاري.
وأما عن مفهوم “الثقافة السائلة” فقد تتبع باومان في كتابه “الثقافة السائلة” المراحل المفصليّة التي تطورت عبرها مفهوم الثقافة من شكل إلى آخر، وصولا إلى مفهوم الثقافة السائلة. هذه المراحل التي سماها باومان بـ: الجولات التاريخيّة لمفهوم الثقافة.
ويلخص باومان ما وصلته الثقافة بعد مدة طويلة من التطور، عن طريق نقل قول ريتشارد بيترسون الآتي: “إننا نرى تحولا في السياسة الجماعيّة النخبوية من أصحاب الثقافة الرفيعة الذين يحتقرون في غرور كل الثقافة الوضيعة أو السوقية أو الشعبية، إلى أصحاب الثقافة الرفيعة الذين يستهلكون في شره نطاقا واسعا من الأشكال الفنية الشعبية والراقية…” (4)
إنه السياق العام الجديد الذي بات يؤطر مفهوم الثقافة في هذه الأيام، بانتقال حراس الثقافة الرفيعة والنخبوية والمدافعين عنها باستماتة إلى الاهتمام بأشكال ثقافية جديدة بالنسبة إليهم، وهو الذين رفضوها في وقت سابق بحجة أنها دونية. إنه عصر ما بعد الاستهلاك.
ويستند باومان في تحديده لمحطات تطور مفهوم الثقافة إلى طرح عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في كتابه “التميّز” وقد قلب فيه “مفهوم الثقافة الذي وُلد في عصر التنوير رأسا على عقب، ثم انتقل من جيل إلى جيل، وكان معنى الثقافة كما اكتشفه بورديو وعرفه ووثقه بعيدا من مفهوم الثقافة الذي ظهر في اللغة الشائعة في الربع الثالث من القرن الثامن عشر.”(5)
أما عن وظيفة الثقافة فيتتبع باومان أيضا محطاتها الأساسيّة، انطلاقا من هدفها الأول بأن تكون “عاملا للتغيير وليس عاملا للحفاظ على الوضع القائم، فكان المطلوب منها أن تكون وسيلة لقيادة التطور الاجتماعي نحو وضع إنسانيّ عالميّ.”(6)
الثقافة بهذا الشكل هي وسيلة للمقاومة ولتغيير السائد، وليست للحفاظ عليه، بمعنى أنها في مواجهة مباشرة مع المعتمد والمكرس الذي تحاول المؤسسة الرسميّة المشرفة على حراسة الثقافة النخبوية إبقائه ومحاربة كل الأشكال الأخرى المعارضة له.
كما يربط باومان بين مشروع التنوير وفكرة الثقافة، وكيفية استغلالها في تطبيق استعمار الأراضي الفارغة التي تقع خارج العالم خاصة شقه الأوربي، حيث “أتضح أن أفق استعمار الأراضي مترامية الأطراف هو باعث قويّ على فكرة التنوير الذي تقوم بها الثقافة، وأضفى على الرسالة الرعويّة بُعدا جديدا تماما وعالميّا، ففي صورة مرآوية لفكرة تنوير الشعب، تشكل مفهوم عن “رسالة الرجل الأبيض”، وعن إنقاذ البرابرة من حالتهم البربرية.”(7)
تتصدى الثقافة إذن لمهمة نشر مبادئ مشروع التنوير الأوربي في أنحاء العالم المختلفة، وهو ما أنتج بعد ذلك نزعة كولونياليّة تعمل بمبدأ الإزاحة من المكان واستعماره، عن طريق شعار جسّده مشروع الرجل الأبيض الحضاري، وبذلك فقد كانت الثقافة منحازة بشكل إيديولوجيّ إلى خدمة المشروع الاستعماري الأوربي.
وفي الأخير يقدم بومان نتيجة نهائية مفادها أنه “ليس لثقافة الحداثة السائلة من شعب تنيره وترتقي به، ولكن لها زبائن تغريهم، فالإغراء على العكس من التنوير والارتقاء بالنفس، … ليست وظيفة الثقافة هي إشباع الحاجات القائمة، بل خلق حاجات جديدة.” (8)
الهوامش:
1- ينظر خمسون عالما اجتماعيا، تحرير جون سكوت، ترجمة محمود محمد حلمي، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط1، 2009، ص ص 86، 87.
2- زيجمونت باومان: الثقافة السائلة، ترجمة، حجاج أبو جبر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط1، ص 19.
3- أندرو إدجار وبيتر سيدجويك: موسوعة النظرية الثقافيّة، ترجمة، هناء الجوهري، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ط2، 2014، ص560.
4- زيجمونت باومان: الثقافة السائلة، ص 15
5- نقلا عن زيجمونت باومان: الثقافة السائلة، ص 12.
6- زيجمونت باومان: الثقافة السائلة، ص 15
7- الثقافة السائلة، ص 17.
8- الثقافة السائلة، ص 32

*أستاذ محاضر “ب”
جامعة عبد الحفيظ بوالصوف، ميلة. الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق