إصدارات

النصّ إنتاجًا وتلقّيًّا

من الأنشطة الأكاديميّة المتميّزة التي شهدتها جامعة الوادي بالجزائر في شهر فيفري ملتقى طلبة الدكتوراه متعدد الإختصاصات في دورته الثالثة، والذي انفتح على أقطار عربيّة (تونس / مصر / العراق / الأردن…)، وبلدان أجنبيّة، واستضاف أحد أبرز أساتذة الأدب بالجامعة التونسية الأستاذ الدكتور رضا بن حميد الذي قدم محاضرة متميّزة ، مثلت إضافة نوعية في الملتقى، وسمها بـ : ” النصّ إنتاجا وتلقيّا ” .
استهلّ الأستاذ بن حميد محاضرته الموسومة بـ”النصّ إنتاجا وتلقّيا” ببيان اختياره للموضوع ووصله بالعلم (علم النصّ) والتقنية ومنجزاتها معتبرا أنّ التقنية أوسع معنى من التكنولوجيا التي تعتبر تجليا من تجلياتها، مؤكّدا ما يثيره موضوعُ النصّ في ظلّ العولمة والثقافة الرقميّة من إشكالات، مبرزا تطوّر الدراساتِ النقديّة التي تخطّت المقاربات التاريخيّة لتنفتح على أفقِ معرفيٍّ جديد. وقد وقف في هذا المجالِ على أثر العلوم الإنسانيّة وعلم اللسانيات في ما شهده مفهوم النصّ من تطوّر ساهم ولا شكّ في توسيع أفق البحث والاتّصاف بصفة العلميّة. وقد أثار الأستاذ الدكتور بن حميد في مستهلّ محاضرته سؤالا أساسيّا، كيف يمكن أن نستفيد من المناهج الحديثة والمكتسبات التقنيّة دون أن نتجاوز خصوصيّة النصّ أبنية لغويّة وموروثا ثقافيّا ولا سيما وأنّ النصّ بنية لغويّة ولكنّه أيضا علامة وجود وأمارة ثقافة.
وقد بيّن أنّ النصّ يشتغل وفق أنساقٍ مختلفةٍ منها ما هو لغويّ، ومنها ما هو بصريّ يُفيد من التقنية ومكتسباتِ التكنولوجيا في علاقتها بالصورة فنّا ومبحثا جماليا وفلسفيّا يرتبط بنشاط العين. وأكّد أنّ هذا الانفتاح على الظاهرة البصريّة التي تظهر بالخصوص في تجارب الرواية الجديدة والنصوص الشعريّة التجريبيّة التي وظّفت فضاء الصفحة على نحو جديدة صياغة وبلاغة بصريّة بعد أن كان النصّ الشعري القديم مقتصرا على الإنشاء، مستجيبا لشروط التلقيّ السّماعي القائم أساسا على مدى التأثير في الملتقى والانفعال والتلذّذ بمعنى الكلمة.
وقد أبرز الأستاذ ما لبلاغة الصورة من أهميّة وقيمة مخصوصة اهتمّت بها الدراسات الغربيّة الحديثة في مجال دراستها لجماليّة الصورة وأبعادها الفلسفيّة والفكريّة.
وهذه النصوص الجديدة تؤثّر-ما من شكّ- في فعل القراءة وقيم القرّاء والجماليّة والمعرفيّة وتعمل على تأسيس لون جديد من البلاغة وتطوير الدراسات المبحثيّة والخروج بها من حيز الشرح إلى التأويل باستنطاق علامات الخطاب البصريّ، ووصل العلامة بالعلامة وتبيين آليات اشتغالها والوقوف على الانسجام القائم في الأبنية العميقة من وراء التفكك وتشظّي النصّ و القصّ في الأبنية السطحيّة. وبهذا يتحرّر النصُّ إنتاجا وتلقيا من هيمنة القيم الجماليّة القديمة ومألوف القول ويقطع شأوا بعيدا في التجريب واختيار كلّ الطرائق الممكنة ليسقط على سواحل الحداثة ويرتاد عوالم كانت إلى المدى القريب مجهولة، محكوما بالبحث عن التجديد، محمّلا بهموم العصر وقضاياه الجوهريّة وأساسا قضيّة الحريّة التي تنامت في أوساط المثقفّين ومثلت شغلهم الشاغل منذ بدايات قرن المنقضي.
وقد اعتبر الدكتور أنّ الانفتاح على العصر وعلى المقاربات الحديثة و تقنيات الكتابة المعاصرة ليس يعني أنّ يكون التوجّه في قراءة النصّ إسقاطا للمفاهيم والمناهج بقدر ما ينبغي أن يكون استنطاقا للعلامة التي تفيض على المنهج الواحد وتتجاوزه إلى الإفادة من أكثر من منهج على نحو ما قام به في محاضرته من محاورة لطيفة، عميقة، بين المنهج الإنشائي والسيميائي واقفًا على ما به يتميّز النصُّ، متخيِّرا المدخلَ المعجميّ، مهتما في مرحلة أولى بمفهوم النصّ وصلته بمعاني الرفع والاسناد والظهور والحركة ، عاملا على تأصيل المفهوم بمثل هذه المقاربة المعجميّة الضروريّة لقراءة النصّ الأدبيّ، منبّها – في الأشياء – على غياب مصطلح النصّ في الدراسات اللغويّة القديمة والاعتناء بالكلام مفهوما من قبيل اللفظ والجملة، معتمدا في مرحلة ثانية على المعاجم المتخصّصة الحديثة والموسوعة الكونيّة في تحديد مفهوم النصّ من زاوية الدراسة الأدبيّة الحديثة، مستأنسا بأعمال ميخائل باختين (M. Bakhtine) وجوليا كرستيفا (J. Kristeva) ورولان بارت (R. Barthes) و جيرار جنيت (G. Genette) و تزفنان تدروف (T. Todorov) و إزوالد دكرو (O. Ducrot) ونحوهم ممّا عني بنظريّة النصّ.
وقد بيّن الأستاذ الدكتور بن حميد في محاضرته البعد الحواريّ للنصّ، معتنيا بالمحاورة القائمة بين النصّ والنصوص الغائبة بطريقة ظاهرة أو خفيّة، واعية أو غير واعية، وبالمحاورة اللّطيفة بين النصّ وعتباته، لاسيما وهو الأستاذ المتخصّص في مجال الدرس الأكاديميّ، في العتبات النصيّة محاضرا عنها في الجامعات العربيّة والغربيّة.
وقد كان عرضه لهذه النظريات في علاقتها بالتقدّم العلميّ عرضا عميقا، تأليفيا ثمّ فتح باب النقاش الذي كان امتدادا للمحاضرة، وقد دار هذا النقاش بمشاركة الأساتذة وطلبة الدكتوراه على مفهوم النصّ في النظريات الغربيّة وما يناظرها من رؤى نقديّة في التراث العربيّ ، وعلى خصوصيّة النصّ العربي ابنية لغويّة وذهنيّة ، وعلى علاقة النصّ بتاريخ الأدب، وصلته بجماليّة التلقيّ .
والأستاد الدكتور رضا بن حميد أستاذ التعليم العالي بالجامعة التونسية. ساهم في ندوات علمية عديدة بتونس والجزائر والمغرب ومصر والأردن ولبنان والجامعات الغربية. نظم ندوات علمية عديدة منها عتبات النص -الاستشراق وأثره في الثقافة العربية -النص والسياق -إنشائية التخييل -خطاب المقدمات -حسين الواد باحثا ومبدعا … ونشر مقالات علمية بمجلة فصول والموقف الأدبي والخطاب وكتابات معاصرة والحياة المسرحية… وله كتب منشورة منها دراسات في المسرح التونسي (بالاشتراك) والشخصية في نماذج من القص العربي وفي قراءة النص وأخرى قيد النشر: إشكالية التراث والحداثة في نماذج من القص العربي، وعتبات النص الروائي.
واضطلع بمسؤوليات عدة منها إدارة قسم العربية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان ورئاسة لجنة الدكتوراه وإدارة مدرسة الدكتوراه بالقيروان وعضوية اللجنة القطاعية على امتداد سنوات طويلة وعضوية اللجنة الوطنية للارتقاء إلى رتبة أستاذ تعليم عال وعضوية لجنة انتداب الأساتذة المحاضرين ورئاسة لجنة التأهيل الجامعي بجامعة قابس. وهو من الناشطين في الحقل الثقافي ما فتئ يشجّع المبدعين والكتاب في تونس وخارجها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق