ثقافة السرد

ابي وابو داوود

 ناجي ظاهر

كان ابي يكره ابا داوود ويحبه في الآن ذاته، حتى انه خُيّل إلي انه كان يكرهه في الليل ويحبه في النهار، وكنت انا الطفل الصغير في حينها، اوائل الستينيات، استعجب لهذا التناقض الغريب، في مكانة ابي داوود هذه لدى ابي، الامر الذي دفعني طوال الوقت لان الح على ابي ان يصحبني معه الى حيفا، لأرى هذا الرجل، مُعلّمه، او صاحب عمله، لأعرف جلية موقف الوالد من ذلك الرجل، الذي بات مع تتالي الايام وتعاقب الفصول، علامة سؤال كبيرة.. لدي وربما لدى غيري من اصدقاء ابي المهجرين.
تعود حكاية ابي مع ابي داوود الى اوائل اعوام ما بعد نكبته عام 48، وبعد ان استقر به المقام قليلا في مدينة الناصرة. افاق ابي ذات صباح كما قالت لي امي، واخبرها انه يجب ان يجد الطريقة المناسبة لمراوغة رغيف الخبز له، وان صديقا له اخبره انه بإمكانه ان يساعده في الحصول على تصريح من الشرطة.. يمكّنه من السفر الى حيفا للعمل فيها. اثنت امي على مبادرة ابي وصديقه، ما شجع ابي على التسريع بالحصول على تصريح يمكّنه من السفر الى حيفا دوان اي اعتراض. حصل ابي على التصريح وتوجّه في اليوم ذاته مستقلا الباص الى حيفا. هناك توقف في ساحة الحناطير، باريس فيما بعد، لتتوقف بعد قليل بالقرب منه شاحنة.. ليقفز الى متنها دون اي سؤال، وليجد نفسه عامل مياومة عند ابي داوود، يملا القفة بالتراب والحجارة وبقايا البيوت القديمة المهدمة، ليقذف بها الى صندوق الشاحنة، يفعل هذا حتى يمتلئ الصندوق، بعدها تولّي الشاحنةُ مختفيةً عن الانظار، وكانت الشاحنة كما قال ابي ما ان تغيب عجلاتها الخلفية حتى تطل عجلاتها الامامية لتبدأ معركة ملء الصندوق مجددا.
مضت الايام غاذة انطلاقتها، الى ان افقت ذات صباح لأرى ابي يستعد للسفر الى حيفا، فرأيتها فرصة مناسبة لأن اطلب منه ان يأخذني معه الى هناك، فتردد ابي لاعتقاده انني يجب ان احصل على تصريح من الحاكمية العسكرية، ولم يغادر تردده الا عندما رأت امي دمعة في عيني، فطمأنته قائلة له.. انه (قصدتْ انا)، طفل صغير ولا يحتاج الى تصريح، واضافت تقول: اليهود مخفوش من الكبار كيف ممكن يخافوا من ولد صغير..
في حيفا، اعتلينا”، ابي، بقية العمال وانا، صندوق شاحنة العمل، وانطلقت بنا متوجهة الى مناطق البيوت الخاربة، هناك ابتدأ عدد من العمال يهدمون احد البيوت حجرا.. حجرا.. وجدارا.. جدارا، فيما شرع آخرون ومنهم ابي في ملء القفة تلو القفة، وقذفها الى صندوق الشاحنة. في ساعات الضحى، حوالي العاشرة صباحا، كانت السيارة الثانية قد امتلأت ترابا وحجارة، وقبل ان تولي، رأيت ابا داوود يتوجه الى قمرة الشاحنة ويعود من هناك وبين يديه كيس ورقي ذي لون خاكي. دعا العمال واحدا واحدا بأسمائهم، فتوافدوا الى حيث افترش الارض، قبل ان يفد اليه الأخير، كان قد افتتح الكيس لتطل من هناك كتل الخبز الافرنجي البيضاء والسوداء، والى جانبها شرائح الجبنة الصفراء والباسطرمة المُحبّبة، اضافة الى حبات البندورة والخيار. تناول كل من العمال قطعة من الخبز وضع فيها ما أحبه وطاب له من الجبنة والباسطرمة، مضيفا الخضار اللذيذ، وراح يفغم قطعة الخبز بنوع من الشره والسرعة، يللا حبايبي.. احنا لازم نعبي اليوم اربع شاحنات.. اعطيت وعدا للمسؤولين ولا اريد ان اخلف به. ولو يا معلم.. احنا رجالك.. تعالت اصوات العمال.
بعد دقائق كانت الايدي تتدافع متسابقة.. إما في الهدم وإما في التعبئة، إلى ان تمت تعبئة السيارة الثالثة، فالرابعة.. بعدها تهلّلت ملامح ابي داوود.. الكوا اليوم هدية مني، رايح احسب اجرة خمس سيارات. كثير انا مبسوط منكم.. كمان اكام يوم بكون عيد البوريم (المساخر)، رايحين نفرح ونتهنى معا.. هديتي هاي السنة الكوا رايحة تكون ثمينة. تهللت الوجوه وراحت تدعو بطول العمر لابي داوود.
اعادني ابي في المساء الى بيتنا في الناصرة، وانتهى ذلك اليوم، الا ان آثاره لم تنته، وكنت متشوقا كل التشوق لرؤية هدية البوريم، ولم يطل انتظاري لها، فما ان كدت انساها حتى رأيت ابي يدخل علينا، ابناء اسرتنا الصغيرة، ويقدم الى امي لفة ورقية ملونة: هاي هي هدية عيد البوريم.. الله يطول عمر ابي داوود.. بنساش ولا مناسبة الا وبعطينا هدية ثمينة. افتتحت امي اللفة لتفاجأ وليفاجأ جميع ابناء العائلة، بصندوق صغير، ما لبثنا ان اكتشفنا انه راديو ترانزوسستور متوسط الحجم. ادار الوالد احد مفاتيحه لينطلق صوت وديع الصافي صادحا يا غايبين طولوتوا علينا الغيبة.. واحبابي كثار.. وانتوا اغلى الحبايب يا غايبين.. ما ان حلق صوت وديع في فضاء بيتنا الصغير المهجر، حتى فاضت العيون بالدموع.. وينكوا يا غايبين.. الله يجمعنا فيكوا.. يا رب.
هدية محرزة.. سمعت امي تقول لأبي.. في آخر الليل.
-اليهود بقدّروا العامل.. ابو داوود زلمة محترم.. سمعت ابي يهمس في اذن امي.
شعرت بأمي تلكز ابي:
-تعلّموا منهن.. كونوا بني ادميين..
ران الصمت على البيت.. شعور قوي انتابني.. ماذا يمكن لابي ان يقول لأمي.. احنا ناس بسطا؟ بنقدرش نكون مثلهم؟ مش ممكن تكون قلوبنا قاسية مثل قلوبهن.. ماذا عساه يجيبها، وقد نزل قبل قليل ثناءً ومديحًا بابي داوود وترانزوستره؟ مهما كانت اجابة ابي لأمي، فقد انتهت بشجار حار، ايقظنا نحن الابناء من النوم، ودب الصراخ في البيت الصغير المستأجر، فاجتمعنا كلنا هناك بالقرب من فرشة الوالدين، لنستمع الى ابي يتضرع لأمي قائلا: تفضحيناش.. احنا بحارة وبين ناس.. مش لازم ننشر كل غسيلنا الوسخ على حبالنا قبالهن.
ما ان رآنا الوالدان.. ملتمين حولهما.. التمامة اضمامة من الورد، حتى هدءا، وتوقفا عن اطلاق الصراخ.. من اجل هدول لازم نصبر.. قال ابي.. فعلا من اجلهم لازم نصبر.. ردت عليه امي.. وارسل الوالدان نحونا نظرة حافلة بالأمل.. لا اعرف.. ربما كانا يحلمان بمستقبل افضل..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق