ثقافة السرد

جانيت لم تعد مجنونة

من الأدب الساخر: نبيل عودة

في فجر أحد الأيام سمعنا حركة سيارات قرب منزلنا، شاهدنا جارة لنا تخرج راكضة لتعانق امرأة تنزل من احدى السيارات، ولولا شعرها المجدل الطويل لما عرفنا انها ابنه حارتنا جانيت، التي أدخلت مشفى للأمراض العقلية قبل سنوات وكدنا ننساها. جمالها لم يتغير، تعانقت الأختان. كانت الحارة تبصبص من وراء الشبابيك ومن البلاكين على هذا اللقاء الذي لم يتوقعه أحد. ترى هل عادت جانيت الى وعيها وعقلها؟ هل عولجت من الجنون او لطف الله كما كان يقول الكبار في السن؟
هذه الأسئلة ترددت كثيرا في الأيام الأخيرة. لم تعد جانيت تجلس على كرسيها في البلكون بلا أي عمل كما في السنوات السابقة. كانت تتحرك داخل البيت، أحيانا نراها تكنس أو تمسح الأرض وأحيانا تنشر بعض الغسيل. ترد على تحيات اهل الحارة بابتسامة خجولة. ترى هل اكتمل علاجها؟ هل أعفاها الله من لطفه ؟! بدأت تتجمع الحكايات عن جانيت، قالوا إن تحريرها جاء بعد أن أثبتت أنها امرأة عاقلة ومسؤولة.
كيف جرى ذلك؟
يقال ان احد المرضى في نفس العصفورية التي كانت تعالج فيها جانيت سقط في بركة مياه عميقة بعد ان تسلق حاجزا يفصل ساحة المستشفى عن البركة، قام ضجيج وصراخ قوي من الممرضات المرعوبات وبعض المرضى، فما كان من جانيت إلا أن ركضت وقفزت فوق الحاجز، ثم قفزت داخل البركة وغاصت وراء المريض إلى قعر البركة وسحبته إلى سطح البركة مثبتة انها سباحة ماهرة، كما كانت تفتخر دوما، والجميع يظن انه جزء من جنونها ايضا، ولكنها اثبتت ان كلامها صحيح اذ أنقذت زميلها المجنون من الموت غرقا.. وعليه قرر الأطباء أنها فتاة عاقلة تستطيع أن تعيش وسط الناس بدون مشاكل.
بما اننا أقرب الجيران فقد دعونا جانيت وأختها للعشاء في إحدى الأمسيات. بصراحة تصرفت جانيت بشكل طبيعي، شكرتنا على الوجبة الشهية، عندما عرضنا عليها فنجان قهوة اعتذرت بقولها انها لا تشرب الا الشاي فأعدت لها والدتي فنجان شاي.
كانت صموتة وترد على التساؤلات بكلمات مقتضبة. حدثتنا اختها بفخر كبير عن جانيت كيف أنقذت شابا من الغرق الأمر الذي حدا بأطباء المستشفى أن يحرروها إلى بيتها وها هي حقا هادئة تتجاوب مع الناس، لا يبدو عليها أمر غريب، أو غير عادي عن أي شخص لم يصيبه الله بلطفه.
سألتها ونحن نجلس في الصالون بعد العشاء:
– هل ما زلت تحبين السباحة يا جانيت؟
– السباحة اجمل ما في الحياة.
– لم تخافي من الغرق عندما قفزت لإنقاذ زميلك المريض؟
هزت رأسها مبتسمة:
– لماذا أخاف ، أنا سباحة ماهرة.. كانت والدتي المرحومة تأخذني لبركة السباحة كل أسبوع.
– وزميلك هل تحسنت حالته ؟
– للأسف لا .
قالتها بحزن شديد.
– هل مات متأثرا من غرقه؟
– مات معلقا من رقبته في الحمام؟
– هل انتحر؟
– لا لم ينتحر.
– لماذا شنق نفسه في الحمام؟
– لم يشنق نفسه … أنا علقته ليجف من الماء.
 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق