قراءات ودراسات

عظماء التاريخ.. صلاحين وظاهر

حاتم السروي

أثار أحد الكتاب في مصر جدلًا كبيرًا في الآونة الأخيرة بعد وصفه كلاً من صلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس وغيرهما من كبار القادة والسلاطين وبالأخص في فترة حكم المماليك بأنهم محض قتلة وسفاحين وتاريخهم ينضح بالظلم والطغيان، وهو الأمر الذي دفع الباحثين وأساتذة التاريخ إلى الرد عليه بالوثائق والأدلة، على أن هذا الرد كما رآه أصحاب الغيرة العلمية لم يخرج منظمًا ولم يجد الصدى الكافي والانتشار المطلوب لدى عموم الناس؛ وبخاصة أن هذا الكاتب أصبح وجهًا إعلاميًا مألوفًا، وكان يخرج على الناس كل أسبوع بانتظامٍ شديد وتتلقف الصحف والمواقع تصريحاته لتصيغ منها أكثر العناوين إثارةً وأقدرها على جذب انتباه القارئ، والغريب أن تشويه الرموز أصبح المادة المفضلة عند بعض من يطلقون على أنفسهم أنهم (أصحاب الفكر) ويخرجون علينا بكثرة عبر وسائل الإعلام، والذين لم يجدوا حتى الآن من يوقفهم عند حدهم، وهذه المقالة ليست إلا محاولة بسيطة ولعلها ترد كيدهم وتذود عن تاريخنا العظيم وأبطاله العظماء.
والهجوم على صلاح الدين الأيوبي على وجه التحديد ليس وليد اللحظة الراهنة؛ فهو قديم جدًا، وهي عادة التزمها الكثير من المستشرقين، وسبقهم في هذا المنحى بعض أتباع المذهب الشيعي باختلاف طوائفهم ما بين الإمامية والإسماعيلية؛ ذلك أن صلاح الدين أزال دولتهم وأعاد مصر والشام إلى أهل السنة؛ فموقفهم مفهوم، أما غير المفهوم فهو موقف الكاتب الذي لم نسمع منه تلك المجازفات العلمية إلا منذ عهدٍ قريب، وهو لا يقول كلامًا موثقًا، ولا يفعل أكثر من الدفع بمفرقعاته الفكرية على أمل إحداث الضجة حول شخصه حتى ينال مزيدًا من الشهرة.
وصلاح الدين لا يغض من شأنه أن ينتقده أو ينتقصه البعض؛ فقد أنصفه كثيرون، ومنهم على سبيل المثال وليس الحصر الرحالة العربي المشهور عبد اللطيف البغدادي المتوفى سنة 629هـ الذي نزل في ضيافة صلاح الدين وكتب في ذلك مصنفه ” الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر ” وعن صلاح الدين يحدثنا فيقول: ” وكان صلاح الدين قد هادن الإفرنج وعاد إلى القدس؛ فقادت الضرورة إلى التوجه إليه؛ فأخذت من كتب القدماء ما أمكنني، وتوجهت إلى القدس، فرأيت ملكًا عظيما، يملأ العين روعة، والقلوب محبة، قريبًا بعيدا، سهلًا مجيبا، وأصحابه يتشبهون به، يتسابقون إلى المعروف. وأول ليلٍ حضرته وجدت مجلسًا حافلًا بأهل العلم، يتذاكرون في أصناف العلوم، وهو (يعني صلاح الدين) يحسن الاستماع والمشاركة، ويأخذ في كيفية بناء الأسوار، وحفر الخنادق، ويتفقه في ذلك، ويأتي بكل معنى بديع، وكان مهتمًا في بناء سور القدس وحفر خندقه، يتولى ذلك بنفسه، وينقل الأحجار على عاتقه، ويتأسى به جميع الناس: الفقهاء والأغنياء، والأقوياء والضعفاء، حتى العماد الكاتب والقاضي الفاضل، ويركب لذلك قبل طلوع الشمس إلى وقت الظهر”… ثم يتحدث البغدادي عن وفاة صلاح الدين فيقول: ” دخل صلاح الدين دمشق وخرج يقابل الحاج، ثم رجع فحُمَّ؛ ففصده من لا خبرة عنده، فخارت القوة ومات، ووجد الناس عليه شبيهًا بما يجدونه على الأنبياء، وما رأيت ملكًا حزن الناس بموته سواه؛ لأنه كان محبوبا، يحبه البر والفاجر والمسلم والكافر” (عبد اللطيف البغدادي “الإفادة والاعتبار” نقلًا عن د/ محمد عبد المنعم خفاجي: كتاب “مواكب الحرية في مصر الإسلامية” طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب/ 1987م)
فندرك من هذا الكلام أن صلاح الدين رحمه الله كان قد عاد من رحلة صيد له خارج دمشق؛ ثم إنه دخل المدينة في الحادي عشر من شهر صفر سنة 589هـ واستقبل الحجاج العائدين من مكة المكرمة والمدينة النبوية المنورة فهنأهم بانتهاء الحج وسلامة العودة، وسألهم عن أحوال البلد الحرام، وكم وصلها من صدقات مصر وغلاتها، وبعد ذلك استقبل ابن أخيه سيف الإسلام إذ كان قد عاد من اليمن، وفي ليلة السبت السادس عشر من صفر كان كعادته في مجلسه بين حاشيته وكبراء دولته، على أنه في صباح السبت مرض فلم يخرج إلى الديوان ولا خرج إلى الناس حتى توفاه الله.
أما السيوطي فيحكي عنه في كتابه “حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة” أنه كان محبًا للعلم والعلماء حتى أنه ارتحل إلى الإسكندرية بولديه (العزيز) و(الأفضل) لسماع الحديث من الإمام السِلفي، ولم يُعهَد ذلك من ملك إلا هارون الرشيد؛ فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون إلى إمام دار الهجرة مالك بن أنس لسماع ” الموطأ ” منه.
وقد رأينا الكاتب وعالم المخطوطات الذي أثار الجدل حول صلاح الدين وهو يفيض حماسةً عند حديثه عن الفاطميين وسفك صلاح الدين لدمائهم على حد وصفه، والحاصل أن مصر في أواخر عهد الفاطميين كانت نهبًا لنزاعٍ خطير بين الوزراء، وصارت البلاد محل شدٍ وجذب بين (شاور) و(ضرغام) وهما وزيرا الخليفة الفاطمي، وفي الوقت نفسه تطاولت إليها أعناق الصليبيين وطمعوا في احتلالها، ولما استفحلت الأمور وبات الخلاف بين شاور وضرغام على أشده، استعان شاور بسلطان حلب (نور الدين محمود زنكي) واستعان ضرغام بأموري الصليبي ملك بيت المقدس، ودخل جيش نور الدين زنكي مدينة الفسطاط في الرابع والعشرين من مايو لعام 1164هـ الموافق لعام 559هـ وبعد معارك حامية استطاع أن ينتصر على ضرغام وحلفاءه من الفرنجة وكان قائد الجيش هو (أسد الدين شيركوه) عم صلاح الدين الأيوبي، ومعه ابن أخيه يوسف، ومن يوسف؟ إنه صلاح الدين.
والعجيب أن شاور الذي استعان بشيركوه وابن أخيه ليدفعا شر الصليبيين عنه قد عاد ليستنجد بالصليبيين ضدهما، ليس مرة واحدة ولكن على مرتين، وفي النهاية ثار الشعب ضده وضد خليفته، وكانت الفسطاط هي مركز تلك الثورة، وقد ظلت على عهدها منذ دخول الفاطميين إلى مصر، فقد كان أهل الفسطاط يعارضون حكم العبيديين الذين حسبوا أنفسهم على فاطمة البتول رضي الله عنها، وذلك أن الفسطاط بناها عمرو بن العاص وكانت مسكن الصحابة الذين وفدوا على مصر وفيها عاش الإمام الشافعي، ولهذا بقيت محتفظة بمذهبها السني، ومعها الإسكندرية وبلاد الصعيد، وعندما رأى شاور ثورة الفسطاط وأهلها قرر أن يحرقها وزعم أنه مضطر لذلك خوفًا من وقوعها في أيدي الفرنجة، وبناءً عليه أمر أهالي الفسطاط بالجلاء عنها وذلك في العاشر من محرم سنة 564هـ.
ونحن نتفق مع ما ذكره السيد/ محب الدين الخطيب في مقاله ” من هم العبيديون ” الذي نشرته مجلة الأزهر عام 1373هـ حيث أوضح أن الصليبيين بطبيعة الحال كانت تهمهم القاهرة وليس الفسطاط فكان المعقول أن يصدر الأمر بجلاء سكان القاهرة وحرقها بدلًا منها، لكن الفسطاط كان فيها ميراث الأئمة والصحابة، أما القاهرة فهي مركز الفاطميين وعقيدتهم الإسماعيلية.
وظلت الفسطاط نهبًا للحريق المندلع طيلة 54 يومًا التهمت فيها النيران المساجد والمكتبات والزخارف التي يضن الزمان بمثلها كما يقول السيوطي في (حسن المحاضرة) وضاعت نفائس المخطوطات ، ونُهِبَت أموالٌ كثيرة كانوا يعجلون الناس حتى يتركوها فتصفو لهم! وبعد كل هذا يغضب الكاتب المحترم والمفكر الكبير على صلاح الدين! يغضب عليه بعدما أثبت المؤرخون خيانة الفاطميين وفسادهم! وبعد أن ثار المصريون مرارًا ضد حكم العبيديين الفاسد، حتى أنهم ثاروا على الحاكم بأمر الله عام 402 هـ بعد المنشور الذي أصدرته الخلافة العباسية في بغداد بأن العبيديين أدعياءٌ خوارج لا نسب لهم إلى فاطمة رضي الله عنها، وأن الحاكم وأسلافه معطلون جاحدون يلعنون الصحابة ويدعون الربوبية، ولهذا قامت ثورة عارمة عرفها التاريخ باسم (ثورة أبي ركوة).
وهناك شخصية عظيمة تحتاج منا إلى تسليط الضوء والاحتفاء بمنجزاتها والحديث المفصل والمستند إلى مراجع التاريخ عن صفاتها الخارقة وخدماتها الجليلة وهي شخصية (الظاهر بيبرس البندقدار) والذي تحول في وجدان المصريين إلى بطل أسطوري، وتم تحويل سيرته إلى ملحمة يتلوها القصاصون على مسامع الناس في المقاهي، كما أنها بيعت في كتيبات صغيرة امتازت بقدرتها على التسلية، وتدافع الناس إلى شرائها حبًا في السيرة وصاحبها الذي كان قدوةً في الصبر والجلد والقوة والشجاعة وتجسدت فيه معالم البطولة.

وسيرة الظاهر بيبرس الشعبية هي نتاج مثالي لمخيال المصريين الشعبي بكل ما يتصف به من ثراء ملحوظ وقدرة عجيبة على استحداث الرموز والاستفادة من التراث الإسلامي وقصص القرآن الكريم، ولنا مع وقائع تلك السيرة وتفاصيلها مقال آخر نعرض فيه بالتفصيل لأخصب ما جادت به قريحة الإبداع الشعبي.
على أنه يجدر بنا الآن أن نتحدث عن الوقائع الحقيقية لسيرة السلطان بيبرس، وهي الوقائع التي عرفها القصاصون جيدًا، وضمَّنوها في سيرتهم، بيد أنهم زادوا عليها ومزجوها بخيالهم وتركوا بصمتهم؛ بحيث أصبحت السيرة تعبيرًا جليَّاً عن معتقدات المصريين وتاريخهم ورؤيتهم للحياة أثناء العصر المملوكي وحتى بدايات الحقبة العثمانية.
وبحسب ما ذكره المؤرخ الكبير ابن إياس الحنفي في كتابه المعروف “بدائع الزهور في وقائع الدهور” فإن الظاهر بيبرس تم اختطافه وهو في سن الزهور من قبل الخوارزميين، واشتراه رجل يسمى “العماد الصائغ” الذي باعه بدوره إلى صاحب حماة الأمير علاء الدين أيدكين المعروف بالبندقدار، ومنه اكتسب الظاهر هذا اللقب الذي التصق به طوال عمره، ثم أُرسل الظاهر إلى مصر حيث انخرط في عداد المماليك الذين عملوا في خدمة الملك الصالح نجم الدين أيوب، وفي عام 1250هـ كان بيبرس من القواد الذين شاركوا في هزيمة الصليبيين بموقعة المنصورة، وإثر إعلان وفاة الملك الصالح نجم الدين أيوب تم تنصيب ولده ” توران شاه ” وانتصر بيبرس مرة أخرى في موقعة فارسكور، وتم أسر الملك الفرنسي ” لويس التاسع ” وسجنه في دار ابن لقمان، واضطر لويس إلى الموافقة على شروط المسلمين وهي: دفع فدية تقدر بثمانمائة ألف دينار يدفع نصفها في التو والباقي مستقبلًا، مع الاحتفاظ بأسرى الفرنجة لحين دفع بقية المبلغ، وإطلاق سراح أسرى المسلمين، وتسليمهم مدينة دمياط، والالتزام بهدنة بين الفريقين مقدارها عشر سنوات، وذلك بحسب ما أورده ” تقي الدين المقريزي ” في كتاب ” السلوك لمعرفة دول الملوك ” وما جاء عند ” ابن تغري بردي ” في كتاب ” النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة “.
وسرعان ما ارتاب المماليك في نوايا توران شاه الذي شاع أنه عازمٌ على الفتك بهم وإبعادهم عن إدارة الأمور، ولما كان توران شاه يتناول طعام الإفطار في خيمته السلطانية هجم عليه كلٌ من بيبرس البندقدار وقلاوون الصالحي وأقطاي الجمدار، وضربوه بالسيف؛ فهرب منهم إلى كشكٍ خشبي فأحرقوه عليه؛ فرمى نفسه في النيل فتبعوه بالنبل والسهام، وبذلك مات السلطان جريحًا حريقًا غريقا ولله الأمر من قبل ومن بعد!!.
ولا يسعنا أن نغفل الوجه الدموي في شخصية الظاهر بيبرس، وهو أمر يقره ويعترف به كل باحث في التاريخ، لكنه لا ينبغي علينا كذلك أن نتعامى عن طبيعة العصر وما اتسم به من غلبة روح الدسائس والمؤامرات، وتاريخ المماليك منذ بدايته وحتى قدوم الأتراك سنة 923هـ يحفل بالكثير من الدماء المُهراقة؛ فقد تم قتل توران شاه في البداية ثم قتلت شجرة الدر جارية الملك الصالح ذات الأصل الأرمني زوجها عز الدين أيبك الذي تنازلت له عن السلطنة، ولم تسكت زوجة أيبك حيال هذا الغدر من ضرتها فقامت مع جواريها بقتلها ضربًا بالقباقيب وألقيت جثتها شبه عارية من أعلى أسوار القلعة، ثم تولى السلطنة سيف الدين قطز الذي انتصر على التتار في معركة عين جالوت نصرًا مؤزرا وفي أوج انتصاره وشعوره بالفخر والانتشاء قتله المماليك وتم تنصيب الظاهر بيبرس سنة 1260م.
ومع استقراء صفحات المؤرخين ودراسة ما كتبوه عن شخصية الظاهر نجد أنه يتمتع بقوة خارقة وطاقة جبارة وطموح كبير وجلد يقل نظيره في عالم القواد والسلاطين، مع قدرة عجيبة على إحكام الخطط وتسيير الجيوش وبراعة الأداء العسكري والشجاعة النادرة، أضف إلى ذلك مهارته في شئون الحكم والسياسة وتدبير أمور الرعية وسوف نتعرض لهذا الأمر بعد قليل.
ولم يكتف الظاهر بانتصاراته في عين جالوت؛ فراح يتعقب التتار ويواصل هزيمتهم، كما أنه استمر في حرب الصليبيين، وقد وصفه ابن إياس رحمه الله في بدائع الزهور بأنه كان “شجاعًا بطلا”.
وبعد فترة يسيرة من توليه الحكم تمكن الظاهر من إكساب حكمه للشعب صبغة شرعية لا يمكن الاختلاف عليها؛ حيث عمد إلى استقدام أحد أمراء البيت العباسي وقام بتنصيبه خليفة للمسلمين بشرط أن يفوض السلطان في حكم الرعية بحيث تكون سلطة الخليفة رمزية بحته فيما يشبه وضع ملكة بريطانيا في الوقت الحالي، وبذلك اكتسب الظاهر تقدير الناس واحترامهم بعد أن أعاد الخلافة إثر سقوطها في بغداد على أيدي المغول وقائدهم هولاكو حفيد جنكيز خان.
ويعرفنا المقريزي كيف افتتح الظاهر الجامع الأزهر لتقام فيه الصلاة مرةً أخرى بعد أن كان السلطان صلاح الدين قد أغلقه باعتباره رمزًا شيعيًا وأثرًا باقيًا من آثار الفاطميين الذين مقتهم بشدة، وفي عهد البندقدار عاد الأزهر جامعًا وجامعة، وتم تغيير هويته العلمية ليقوم علماؤه بتدريس عقيدة أهل السنة ومذاهبهم الفقهية المعتمدة، ولا يزال علماء الأزهر يذكرون هذا الصنيع للملك الظاهر ويدعون له بالرحمة بعد أن أعاد محفلهم العلمي العريق إلى الحياة مرة أخرى. “انظر كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك لتقي الدين المقريزي طبعة دار الكتب المصرية لعام 1996 صـ 42 الجزء الثاني”.
ثم يزيدنا المقريزي من الشعر بيتًا فيذكر أن الظاهر كان يشرف بنفسه على تظلمات الناس في دار العدل، وكان يقتدي بالفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فينزل من قلعة الجبل وهي مقر السلطنة متنكرًا ويطوف بشوارع القاهرة ليتفقد أحوال الناس، وفي رمضان كان يطعم في كل ليلة خمسة آلاف نفس، وكان متواضعًا يشارك الجنود في حفر الخنادق وجر المنجنيقات ونقل الأحجار، كل هذا أكسبه محبة الناس واحترامهم فلقبوه بـ “أسد مصر” و”أبو المساكين”.
وبعد وفاة السلطان الظاهر شرع الناس في نسج ملحمة أسطورية تحكي سيرته الخالدة، وهي ملحمة امتزج فيها الواقع بالخيال على نحو ما أسلفنا، وقد أخذت تنمو وتتسع طوال عصر المماليك حتى أخذت صورتها الحالية في بدايات العصر العثماني، وقد احترف تلاوتها في المقاهي مجموعة من القصاصين عرفوا باسم “الظاهرية” كما أن بعض المقاهي تخصصت في تقديم خدمة قراءة الملحمة البيبرسية لتسلية الزبائن فعرفت بدورها باسم “المقاهي الظاهرية” وكل هذا مذكور في كتاب “وسائل الترفيه في عصر سلاطين المماليك” للدكتور لطفي أحمد نصار والصادر عام 1999 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب صـ 49.
وأخيرًا نتشرف بالحديث عن السلطان صلاح الدين ولكنه ليس الأيوبي هذه المرة بل صلاح الدين الأشرف خليل بن قلاوون وكان كما يصفه المؤرخون شجاعًا مقدامًا مظفرًا وعادلا، وقد أولى اهتمامًا كبيرًا بالقضاء على ما تبقى من إمارات الصليبيين في أرض فلسطين المباركة حتى تطهرت منهم نهائيًا.
وكان الأشرف قد أعد جيشًا ضخمًا عام 690هـ لفتح عكا؛ فحاصر قلعتها الحصينة وجعل يرميها بالمنجنيق، ثم حاصرها أربعين يوما حتى سقطت في يده في الخامس عشر من شعبان عام 690هـ الموافق 15 يونيو سنة 1291م وبعد انتصار الأشرف هرب أكثر الصليبيين تجاه قبرص، وهذا بخلاف من قُتِل، وتحررت عكا بعد أن استولى عليها الفرنج من صلاح الدين عام 588هـ أي أنها بقيت في حوزتهم 102 سنة حتى أعادها الأشرف خليل رحمه الله.
وبعد فتح عكا دخل الرعب في قلوب الفرنجة فأخلوا صيدا وبيروت بغير سيفٍ ولا إكراه، وهرب أهل مدينة صور فدخلها المماليك فاتحين، وقطع الأشرف دابر الفرنج من بلاد الشام وانتهت فترة الحروب الصليبية، والفضل لمن؟ لله ثم للأشرف خليل.
فسيف الدين قطز قد انتصر على التتار في عين جالوت، وبيبرس هزمهم أيضًا من بعده واسترد أنطاكيا من الصليبيين، وسيف الدين قلاوون استولى على طرابلس واللاذقية عام 688هـ، وابنه الأشرف أنهى وجود الغزاة المتسترين بالصليب من أرض فلسطين، وبعد هذه البطولات نتسائل بصدق: لماذا الإصرار على تشويه تاريخنا بدعوى حب الحقيقة ورفض عبادة الأشخاص والتحرر الفكري.. إلى آخره؟؟ ونقول إذا كان الغرض من الكلام حول الشخصيات التاريخية هو البحث العلمي بشروطه وأدواته فأهلاً وسهلاً، أما إطلاق الدعاوى المزيفة وهدم التاريخ والتشكيك المستمر فلا يقبله كل غيور على العلم ولا يقبله إلا المغرضون، ونحن لا نخجل من تاريخنا فهو عنوان المجد والعزة والفخار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق