ثقافة السرد

قوس قزح

زهير عبد الرحمن

صباح الخير، قلتُ لـ فيونا، زميلتي في العمل في قسم الكيمياء التطبيقية. كان المكان المخصص للقسم عبارة عن صالة كبيرة مقسّمة إلى حجر على شكل مربعات مفتوحة على بعضها البعض ولا ترتفع أكثر من متر واحد. توزّعت ضمنها مكاتب الباحثين. كان هناك رف جانبي بارتفاع نصف متر يفصلُ بين كل مكتبين يسمحُ بوضع أشياء ذات استخدام عام ومخصصٌ أساساً لحجب مجال رؤية الباحث عن الآخرين.
صباح النور، ردّت عليّ قائلة: هل ترغبُ بوضعِ عَلمٍ على الرفّ أمَامَك. كان هناك عدّة أعلام بألوان قوس قزح قد وُزعت فوق عدة مكاتب، ومن ضمنها مكتب فيونا زميلتي وجارتي في المكان. بكل سرور، أجبتها ووضَعَته على مكتبي. إذ لم يكن قد مضى على وصولي إلى إيرلندا أكثر من ثلاثة شهور.
كانت ألوانُ قوس قزح السبعة تتدرج من الأحمر في الأعلى إلى البنفسجي في الأسفل. رحتُ أُمعنُ النظرَ في هذه الألوان الجميلة وأتذكر آخر مرة رأيت فيها قوس قزح يشطر قبة السماء بعد مرور غيمة ماطرة في أحد أيام أواخر الشتاء. نظرتُ باتجاه فيونا وقد تذكرت إيريس، إلهة قوس قزح في الاسطورة اليونانية، حيث كانت إيريس هي مرسال الآلهة الأولمبيين في معركتهم ضد الجبابرة. لم تكن فيونا تمتلك أياً من ملامح الأنوثة التي تغزو المخيلة لـ إيريس. فقد كانت رياضية تلعب الجمباز بالاضافة لهوايات أخر.
لستُ قادراً على فهم الحالات الاستثنائية إطلاقاً، لأي شيء كان، سواء كان قانوناً أم ظاهرة طبيعية أم اجتماعية. بالرغم من معرفتي المطلقة وثقتي بأن لكل قاعدة استثناء، لكن أن يكون الاستثناء هو جهل بمعلومة شائعة فهذا مالم أكن أتخيّله، ولم أكن أدرك بوضوح أسبابه عندي. كنتُ أظن نفسي أحوزعلى ثقافة متواضعة بناءً على سنوات عمري وشهاداتي وقراءاتي الكثيرة في الأدب وغيره. لكن وكما يبدو من تكرار الهفوات التي لاتغتفر، فإن الأمور ليست كذلك. كثيرة هي المواقف المحرجة التي أواجهها وتعكس فراغاً في تواصلي في الحياة كما لو كنت كائناً فضائيا يغيب لفترات من الزمن ثم يعود فيجدُ انقطاعاً طبيعياً ناتجاً عن غيابه.
كانت فاطمة، إحدى زميلاتنا التي تعمل في نفس القسم ومكتبُها يقعُ خلفَ مكاتبنا على بعدِ صفين. فكان لابد لها من المرور بجوارنا عند خروجها من القسم أو عند ذهابها إلى المختبر. كانت تعلو وجهها ابتسامة رقيقة كلما مرت بجوارنا وألقت السلام وهي تصلحُ من الحجاب الذي ترتديه.
تتالتْ الأيام بعد رفع علم قوس قزح. ما لاحظته هو أن فاطمة بدأت تشيح بوجها إلى الجهة الأخرى كلّما مرّت بجوارنا، متجاهلة إيانا في أغلب الأحيان. لم أكن قادراً على تفسير هذا السلوك المفاجئ وخاصة أنني لم أتمكّن من ربطه بحدث ما.
كانت الندوات العلمية تعقد اسبوعياً على مستوى القسم، ويتخللها شهريا استضافة باحث خارجي من جامعة أخرى. في الندوة المخصصة لهذا الشهر كانت المحاضرة لباحث في مجال استخدام الخلايا الجذعية لعلاج مرضى السرطان. كانت القاعة مليئة بالحضور من الباحثين وأعضاء الهيئات العلمية في الاختصاص وكذلك طلبة الدراسات العليا.
ابتدأ الباحث محاضرته كما هو متعارف عليه. بتقديم نفسه على الشاشة الالكترونية معرفاً عن نفسه وعن زوجه الذي كان زميله في الدراسة، وقد عرض صورتهما معاً وقد علت على الأطراف أعلام قوس قزح.
شعرتُ بأن شيئاً غيرَ عادي بالنسبة لي، ربما التبسَ عليّ الفهم. فرحتُ أمد رأسي للأمام لأتأكد مما أسمعهُ. التفتُ يساراً ثم يميناً لأرى ردود فعل الحضور. لاشيء البتة، كان الجميع يصغي إلى المحاضر بانتباه.
حين تأكّد لي وضوح ما يقول، رحتُ أجولُ بأطراف عيوني على الحاضرين. كان الكل منصت الى تفاصيل المحاضرة والبحث الذي يعمل عليه. كانت الصدمة لي مهولة، بل مضاعفة. إنها ليست فقط المرة الأولى في حياتي التي أسمع فيها بأن المثليين أناس يشاركون في الأنشطة العامة والعلمية بشكل طبيعي كأي إنسان آخر، بل أن أكون وجهاً لوجه مع أحدهم ومستمعاً له. ثم ماهذا العلم اللعين الذي يرفعونه شعاراً لهم. مع نهاية المحاضرة التي تصادفت ونهاية الدوام الرسمي، أسرعتُ عائداً بسرعة إلى القسم فيما كان الآخرون يغادرون إلى منازلهم. استخدمتُ المصعد إلى الطابق السادس، مرّرتُ البطاقة الاكترونية عبر الماسح. انفتح الباب تلقائيأ. اندفعت بسرعة إلى مكتبي، فتحتُ درج المكتب، أخرجت بعض الأوراق بيدي اليمين وبيسراي أمسكت بالعلم وسحبته باتجاه الدرج وأودعته فيه. رحت أفتش بين الأوراق كمن يبحثُ عن معلومة ما. إذ لم يكن من الجيد أن أدع كاميرات المراقبة تسجّل أنني عدتُ فقط لأخفي علم قوس قزح.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق