ثقافة المقال

كورونا.. ومشاهد القيامة!!!

بقلم د/ محمد سعيد محفوظ عبد الله

غافل الزلزال الكورونى الإنسانية، فأصاب منها ، ما أصاب، وتناسى البعض، وإن ترك أكثريتهم ، أشلاء إنسان؛ بل إن الجماد ربما كان أرق قلبًا ، وألين إحساسًا، وألطف شعورًا، فضلاً عن الحيوان، صدقًا وعدلاً، تتقاطر هذه الآية القرآنية متقاطعةً ، مع ذيك المشهد الكورونى: ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ (البقرة:74)، لقد قضى على النبل الإنسانى –أو كاد-فهاهو أب ، ما يلبث يدلف البيت ويلجه، حتى يبادر طفله إليه؛ يبغيه عناقًا وتقبيلاً، وإذ بالأب يتوارى عنه ؛ خوفًا وحدَبًا وحنوًا ، وعلى الجانب الآخر ، تلد الأم ، وبدلاً من أن تعانق وليدها وتحتفى به ؛ دنوًا ، وملامسة حبات القلب ؛ تستجيب لنصائح الأطباء ، بحجبه عنها قرابة عشرة أيام، وربما طالت الشهر فطاولته .
وتتغلغل الأنانية مداها، فتصل إلى العلاقة الزوجية ؛ فيستحيل البعد ، والشطط فيه، حبًّا ، ويتبدل القرب، بغضًا مقيتًا؛ فيتهم الطرف ، الطرف الآخر ، بأنه لا يكترث بحياته، ولا يعبأ بها؛ إنْ هو حاول عناقًا، أو تقبيلاً، أو حتى ملامسةً .
لا يُحاجج أحدٌ ، إزاء هذه المشاهد أننا وبحق نعايش مشاهد يوم القيامة ، التى قال فيها المولى عزَّوجلّ: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ﴿٣٣﴾ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿٣٥﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴿٣٦﴾ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴿٣٧﴾( عبس:33-37)
ومَن منَّا لم تنداح مآقيه، دموعًا وأنهارًا ، إذ أبصر الأطباء وهم ينزعون أجهزة التنفس الصناعى ممن بلغ من الكبر عِتيًّا ، ويمنحها لصغار السن ، ، لقد أربك كورونا الجميع ،لا سيِّما فى إيطاليا:مرتع كورونا الأوروبى-إن صحَّ ذاك المصطلح-حيث استوطن واستفحل.
إلى عهد قريب جدًّا، كان يعتلى الإنسان همًّا ووصبًّا ونصبًا ممَّن يقابله،خاصة لو كان من المقربين إليه ، ومن خلصائه وجلسائه، ولا يكاد يحتفى به: سلامًا وتسليمًا، وعناقًا :لقاءً وفراقًا، أما والحال هذه ، فالحب كل الحب، والإيثار كل الإيثار فى التباعد قدر الإمكان؛ مجدولاً مع المثل القائل:ابعد حبة تزد محبة،. لقد تجسد مشهد السَّامرى-الذى حدث زمن سيدنا موسى،وحكاه القرآن الكريم-، فى ثنايا زمن كورونا؛ وتراءى منذرًا مُخيفًا، فأضحى يتوارى عن محبيه،خشية عليه؛ إنْ هو لمسه أحد ، أو لامسه؛ فيتساقط جسمه على الفور، يقول تعالى فى ذلك:- ( قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ (طه:97) وكان المُعادل الموضوعى له، مُصاب كورونا، لا سيِّما حين يقترب منه أحباؤه وحبات فؤاده، فنراه يستعطفهم ؛ ألا يقربوه؛ لئلا ينالهم-هم- أذًى، هذا الهرم المقلوب، الذى يثير الرهب .
ألقت قارعة كورونا، بظلالها على البشرية، ؛ فها هى ترفض أن يدفن شهداء كورونا بأرضه؛ إذ هم متيقنون أنه سوف يؤذيهم؛ حيث سينال منهم كورونا ؛ كما نال منه.
ويصل الأمر فى مراسم الجنازة ، تطل برأسها ؛ مكملة مشهد لا يمكن تصوره، خيالاً لا حقيقةً، إنه ذاك المتمثل فى قلة المصلين على المتوفى ، وقلة المُشيّْعين لشهيد الكورونا.
لقد عايشنا وتعايشنا بعضًا من مشاهد يوم القيامة ، لقد استذل كورونا أقبية الوجوه المزيفة ، فأماطها سافرة عمَّا انتوته، وأضمرته.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “كورونا.. ومشاهد القيامة!!!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق