قراءات ودراسات

جمال راشق يسطو على كتابي ‘مفهوم الإرادة في الفلسفة الإسلاميّة المشّائية’

سعيد البوسكلاوي

الغرض من هذا القول الكشف عن واقعة سرقة علميّة قام بها د. جمال راشق، أستاذ بشعبة الفلسفة بكلية الآداب/جامعة القاضي عياض بمراكش، لأجزاء من كتابي مفهوم الإرادة في الفلسفة الإسلاميّة المشائيّة، الصادر في بيروت عن دار المشرق عام 2010. وقد نُشرت المقالة، موضوع السرقة، باسم جمال راشق بعنوان“La volonté chez Ibn Bājja (m. 1139). De la physique à l’éthique” “الإرادة عند ابن باجة (ت. 1139م). من الفيزياء إلى الأخلاق”. نُشرت مرّتين: الأولى ضمن كتاب الفلسفة والعلم في الغرب الإسلاميّ، تنسيق ثريا بركان (مراكش: منشورات مختبر الفلسفة والتراث في مجتمع المعرفة، 2012) ص. 7-27. والثانية في المجلّة الإلكترونية Philosophia، عدد 14، 2016، ص. 51-71. (وهذا رابطه: [PDF pp. 51-71] ) وفي كلا النشرتين يرد اسم جامعة القاضي عياض بصفتها المؤسّسة التي ينتمي إليها صاحب المقالة المسروقة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ صاحب المقالة ذو سوابق في هذا الأمر؛ إذ يظهر أنّه تعوّد على السطو على مجهودات غيره. والأمثلة كثيرة؛ أكتفي بالإشارة إلى أبرزها: فلقد سطا على بعض مضامين كتاب أستاذه الراحل جمال الدين العلوي، مؤلّفات ابن باجة وغيره، في كتابه ابن باجة، سيرة وأعمال الذي نشره مرّتين وبعنوانين مختلفين. وقد نبّه على هذه السرقة العلميّة ذ. فؤاد بن أحمد في مراجعته الدقيقة لهذا الكتاب، تجدونها على الرابط التالي: http://thaqafat.com/2017/10/85125. وقد سبق له أيضا أن سطا على رسالتي الجامعية في مطبوع دراسيّ قدّمه لطلبة قسم الفلسفة في جامعة مراكش دون الإحالة على اسمي بوصفي صاحبها. وقد اكتشفت هذا صدفة عندما قرأت منشورا لأحد طلبته يحيل فيه على محاضرات د. جمال راشق في مادة الفلسفة وقضايا الإنسان، دون أن ينتبه هذا الطالب إلى أنّ الأمر يتعلّق بنصوص مسروقة من رسالتي الجامعيّة (حسب ما هو مبيّن في الجدول الأخير). ولديّ إشارات تفيد أنّه سطا كذلك على أبحاث بعض طلبته، دراسة وتحقيقا وسيرة وبيبليوغرافيا لأعمال ابن باجة (وهذا موضوع آخر، هو أقرب إلى إدارة جامعة القاضي عياض، إن شاءت، أن تفتح تحقيقا في الموضوع)؛ وبعض من هذا كان قد أثاره زميل له في كلّية الآداب، وهو ذ. عبد الجليل الأزدي.

أكاد أجزم أنّ المعني بالأمر يحترف السطو على أعمال غيره، جزئيّا أو كليّا، دون إحالة واضحة على المؤلّف الحقيقي؛ وقد لا يتردّد أحيانا في ذكر المصدر أو الزميل أو الطالب الذي ينقل منه أو يساعده، في إشارات غامضة ومموّهة. أذكر أمثلة ثلاثة لهذا:

أوّلا، يحيل على كتابي/أطروحتي في الهامش الثاني من المقالة، موضوع السرقة هنا، مرّة واحدة وبشكل غامض ومموّه، وهي الإحالة الوحيدة على كتابي، أترجمها كما يلي: “أشير إلى أنّه توجد أطروحة دكتوراه ممتازة لسعيد البوسكلاوي في موضوع الإرادة عند الفلاسفة المسلمين، نوقشت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، جامعة محمد بن عبد الله، فاس، 2002، وهي منشورة: البوسكلاوي، س. مفهوم الإرادة في الفلسفة الإسلامية المشائيّة، دار المشرق، بيروت، 2010” (انظر ص. 7، هامش 3 من نشرة مراكش؛ ص. 51، هامش 2 من نشرة فيلوسوفيا). هذا، دون أن يذكر جمال راشق أيّ علاقة لمقالته هذه بكتاب البوسكلاوي أو أطروحته؛ إذ يسكت عنهما تماما بعد هذه الإحالة الغامضة، والحال أنّ مقالته ما هي إلا سرقة لمضامين الأطروحة والكتاب.

ثانيا، في نشرة مراكش من هذه المقالة المسروقة، شكر جمال راشق بعبارات غامضة وملتوية فؤاد أبي سرور (زميله في جامعة القاضي عياض) لمساعدته له في ترجمة/كتابة العمل باللغة الفرنسيّة، ولكنّه، عندما أعاد نشر العمل في مجلّة دوليّة، فيلوسوفيا المذكورة، عمد إلى حذف اسمه ومعه عبارة الشكر (وهو أمر غريب ومريب!)؛ مستبدلا ذلك بشكر تيريز آن دريارت Thérèse-Anne Druart (من الجامعة الكاثوليكية الأميركية، واشنطن) على تفضّلها بمراجعة وتصحيح مقالته. وذة. تيريز آن دريارت اسم معروف في الساحة الدوليّة في مجال الفلسفة الإسلاميّة. فإذا استثنيا هذا التعديل الغريب في نشرة فيلوسوفيا، أي حذف عبارة الشكر لزميله في جامعة مراكش، فإنّه لا إضافة تذكر، إلا ما كان من بعض التصحيحات القليلة، يبدو أنّها من عمل آن دريارت، لتجويد العبارة الفرنسيّة وحذف الفقرة الأولى من مقدّمة نشرة مراكش. وإلى جانب دريارت التي شكرها لتفضّلها بمراجعة العمل في نشرته الثانية، يذكر راشق أسماء أكاديميّة محترمة أخرى، مثل ذ. مارون عواد، بصفته منظّم ندوة “السياسة والأخلاق عند ابن باجة” يوم 9 فبراير 2010 بالمركز الوطني للبحث العلمي بباريس، التي شارك فيها راشق بهذا العمل، ومثل اسم شارل جينكون Charles Genequand بصفته المحتفى بإصداره، تحقيق ثلاث رسائل ابن باجة وترجمتها إلى الفرنسيّة، في هذه الندوة (لم يذكره في نشرة مراكش). (انظر ص. 51، هامش 1 من نشرة فيلوسوفيا. وقارن مع نشرة مراكش ص. 7، هامش 2).

وهذا دأب راشق في أعمال أخرى أيضا؛ فهو يحرص دوما على إقحام أسماء معروفة في الوسط الأكاديميّ الدوليّ، في نوع من السطو على أسماء هؤلاء واستغلال مصداقيتهم ونزاهتهم من أجل إضفاء مصداقية على أعماله المسروقة أو الملفّقة. ففي الكتاب الذي سطا فيه على بحث طالبه وعلى أجزاء مهمّة من كتاب الراحل جمال الدين العلوي، والذي صدر مرتين في آن معا وبعنوانين مختلفين، كما سبقت الإشارة، نقرأ أكثر من تقديم من قبل أكثر من أستاذ. فقد جاءت نشرة مراكش بعنوان ابن باجّه فيلسوف سرقسطة وفاس 533ه- 1139 سيرة وأعمال، بتقديم أستاذين معروفين: تقديم أحمد شوقي بينبين باللغة العربية وتقديم جوزيف بويج مونتادا باللغة الإسبّانية. أمّا نشرة الرباط للكتاب نفسه، وقد صدرت عن الرابطة المحمدية للعلماء، للكتاب نفسه فقد جاءت بعنوان ابن باجَّهْ: أبو بكر محمد بن يحيى ابن الصائغ التجيبي السرقسطي الأندلسي (ت. 533هـ/ 1139م): سيرة وببليوغرافية، وقد كتب تصديرها ذ. أحمد العبادي، أمين عام الرابطة.

ثالثا، في كتابه هذا، ابن باجّه، سيرة وأعمال، يشير في القسم الأول منه إلى عمل لأحد طلبته بشكل غامض جدّا كما يلي: “أنجز قسم كبير من هذه السيرة من طرف الطالب الباحث عبد الصمد البلغيثي تحت إشرافي وتوجيهاتي، ثم أغنيتها بعدد من المعطيات وخاصّة ما يتعلّق بالإرث الموسيقي لابن باجة”. (انظر ج. راشق، ابن باجّه فيلسوف سرقسطة وفاس 533ه- 1139 سيرة وأعمال، مراكش، 2016، ص. 19، هامش 1). ويبدو أنّ الكتاب جماع أجزاء كتبها غيره؛ إذ إنّ الجزء الخاصّ بابن باحة في التراث الفلسفيّ العبريّ واللاتينيّ منقول أيضا عن سيلفيا دي دوناتو Silvia De Donato التي يحيل عليها في هامش صغير، كما فعل مع طالبه، كما يلي: «أتوجه بشكر خاصّ للباحثة الإيطالية دي دوناتو على مساعدتها لي في كتابة هذه المادّة وإمدادي بكلّ المعلومات، بل بأعمالها المعدّة للنشر.» (نشرة مراكش، ص. 117 هـامش 1؛ نشرة الرباط، ص. 116، هامش 1).

أمّا المقال الذي أكتب بخصوصه هنا، فله مصدر واحد هو كتابي مفهوم الإرادة في الفلسفة الإسلاميّة المشّائية الذي ينقل منه راشق كلّ ما أورده من أفكار، حرفيّا في كثير من الأحيان واختصارا في أحيان أخرى. ولا إضافات تذكر إلا ما كان من تصرّف، تحويرا وإقحاما، لفقرات وعبارات بغرض التمويه. فحتّى الجمل القليلة التي لم أرصد لها مقابلا مباشرا في الكتاب، هي نقل بالمعنى من مواضع مختلفة من الكتاب. وتجدر الإشارة إلى أنّ كتابي هو في الأصل جزء من أطروحة دكتوراه نوقشت بجامعة بفاس عام 2003. ويتكوّن من أقسام ثلاثة: الأوّل بعنوان: الإرادة مبدأ فيزيائي؛ والثاني: الإرادة مبدأ حيواني؛ والثالث: الإرادة مبدأ إنساني. وقد أخذ في “مقالته” من كلّ باب أهمّ ما يتعلّق بابن باجة في هذا الموضوع. ولم يترك بابا إلا ونقل منه دون أن يحيل عليه ولو مرّة واحدة: لقد أخذ من القسم الأوّل (قسم الفيزياء) العنصر الثالث من الفصل الثاني كاملا تقريبا، بعنوان الحركة التلقائيّة (من ص. 73 إلى ص. 110) مع الاختصار وحذف كلّ ما يتعلّق بغير ابن باجة. ومن القسم الثاني، المتعلّق بعلم النفس، نقل فقرات بأكملها متعلّقة بابن باجة، خاصّة من الفصل الأوّل والثالث، كما هو مبيّن في الجدول. أمّا في القسم الثالث، فيبدو أنّني سهّلت عليه الأمر؛ إذ أفردت عنصرين خاصّين بابن باجة: الأوّل بعنوان “مفهوم الفعل الإنساني عند ابن باجة”، والثاني بعنوان “الغاية الإنسانيّة عند ابن باجة”.غير أنّ جلّ ما نقله كان من الباب الأوّل المتعلّق بالفلسفة الطبيعيّة، وإن كان قد نقل أيضا من البابين الثاني والثالث المتعلّقين بعلم النفس والأخلاق على التوالي. وفي الجدول بيان ذلك.

ولست هنا لأناقش مقالته من حيث جودتها الأكاديميّة؛ فهي تخلو تماما ممّا يسمّى وضعيّة البحث ولا منهجيّته ولا خطّة البحث. وتخلو من أهمّ شيء وهو المجهود الشخصيّ، كما تخلو من الأمانة العلميّة التي عنوانها الإحالة على المراجع التي نقل منها واستثمرها في عمله. إنّه ينقل كلّ شيء من كتابي بما في ذلك عناوين مقالته وإحالاتها. صحيح أنّه يتصرف في بعض العناوين، لكنّه يورد جلّها بـ”أمانة” كما هي، وأحيانا بترتيب مختلف. وينقل إحالاتي كما هي، وبالنشرات التي اعتمدتُها، وهي مختلفة عن ما اعتمده هو في الإحالات القليلة التي أضافها لغرض في نفسه. لقد أضاف بعض الإحالات جلّها بغرض الإحالة على نفسه أو الإحالة على شارل جنيكون (المحتفى به في الندوة التي شارك فيها بهذا العمل). يورد إحالاتي على شرح السماع الطبيعي ورسالة الوداع وتدبير المتوحد وكتاب النفس؛ كما هي: فبالنسبة لكتاب تدبير المتوحّد، لم يغيّر سوى بعض الإحالات في الصفحات الأخيرة ليحيل على النصّ الذي حقّقه جينيكون، وترك غيرها كما هي؛ أي على تحقيق معن زيادة الذي اعتمدته في كتابي. أمّا شرح السماع الطبيعي فقد اعتمد في إحالاته القليلة جدّا على نشرة معن زيادة، في حين اعتمدت أنا على نشرة ماجد فخري. وجلّ إحالات المقالة على فخري لا على زيادة. ولا أدري كيف لم ينتبه إلى أنّه يعتمد نشرتين مختلفتين للكتاب نفسه في مقالة واحدة دون أي تبرير لذلك أو مقارنة بينهما. والأدهى من ذلك، أنّ الإحالات على نشرته لكتاب النفس أخذها من كتابي. وهذا أمر غريب حقا! بل إنّ راشق يحرص أن ينقل الفقرات التي أحيل فيها على نشرته لا على نصّ معصومي، ولا التي أقارن فيها بين النشرتين في بعض المواضع (وجلّها أساء فيها راشق قراءة النصّ، وهذا موضوع آخر).

وحتّى الجمل القليلة التي يحاول فيها تلخيص فقرات كتابي الطويلة أو إضافة جملة من عنده على سبيل الاستنتاج، نجده يجانب فيها الصواب في كثير من الأحيان! نعم، ثمّة أخطاء بالجملة في المقالة، أشرت إلى بعضها في الجداول أدناه، وجلّها نتيجة سوء فهم النصّ الذي ينقل منه. والأمثلة كثيرة على ذلك، أذكر منها فقط أنّه أساء فهم وتلخيص الفقرات التي تناولت تصنيف ابن باجة لأنواع الحركة (نشرة فيلوسوفيا، ص. 54؛ نشرة مراكش، ص. 10)، وقد قدّم تصنيف ابن سينا للحركة إلى طبيعيّة وغير طبيعيّة (مع إدخال الحركة القسريّة إلى جانب الحركة الإراديّة ضمن الحركة غير الطبيعيّة)، معتقدا أنّه يعرض تصنيفا من تصنيفات ابن باجة للحركة إلى ضروريّة وغير ضروريّة (مع وضع حركة القسر جنبا إلى جنب مع الحركة الإراديّة ضمن الحركة غير الضروريّة)! ويمعن في التشجير حتّى يفهم ما لا يسهل عليه استيعابه من أفكار لم يساهم فيها أصلا، مادام لا يرجع إلى كتاب ابن باجة الأصليّ، إلا نادرا جدا، وبإرشاد من إحالاتي. والدليل هنا أنّه لا إحالة على نصّ ابن باجة في هذا التصنيف، لأنّني لم أحل على شيء من ذلك، مادام ابن باجة لم يقل بذلك. وراشق ينقل ما أحيل عليه في الكتاب بلا زيادة ولا نقصان. وقد اجتهد في أن يفهم ويلخّص، لكن يبدو أنّ اجتهاده قد خانه أكثر من مرّة مادام غير قائم على أساس، ويتحرّك على أرض تسلّل إليها تحت جنح الظلام ولا يعرف تضاريسها!

أوّلا: مقال جمال راشق مسروق كلّه من كتابي
أعترف أنّني عندما تصفّحت المقال بشكل سريع قبل بضع سنوات، اعتقدت خطأً أنّ الأمر يتعلّق بنقل بعض الفقرات لا أكثر. لكن بعد أن تلقّيت ملاحظة مُحرجة من أحد المحكّمين في شأن مقال لي سيصدر قريبا، تفيد بوجود تطابق بين مواضع مختلفة بين كتابي ومقال راشق، عدت إلى قراءة هذا الأخير بتأنّ ومقارنته مع الكتاب، وقد هالني حجم المنقول في الدراسة. فقمت بجرد شامل لجميع فقرات مقاله، وخلصت إلى كونه نقلا حرفيّا في مواضع كثيرة وملخّصا باللغة الفرنسيّة للنصّ الذي كتبته في الأصل باللغة العربيّة. وأجزم الآن أنّ الدراسة منقولة من ألفها إلى يائها من كتابي، على عكس ما اعتقدته أوّل وهلة. ولذلك حرصت أن أورد فقرات كاملة من مقال جمال راشق، حتّى يظهر حجم ما نقله وما لم ينقله، وما تصرّف فيه تلخيصا أو استنتاجا. وقد سجّلت ملاحظاتي عليها. وفيما يلي جدول المقارنات، وألتمس من القارئ الوقوف عندها واحدة واحدة، حتّى يتبيّن حجم ما ارتكبه راشق من سرقة لمجهودي العلمي:

1) مقدمّة المقالة وسرقة الفكرة

صحيح أنّ راشق لا ينقل حرفيّا مقدّمة مقاله من كتابي، لكن من الواضح أنّه لم يتعب نفسه في إعدادها، فمقدّمته لا تعدو أن تكون نقلا لجمل متناثرة من الكتاب، وخاصّة من مقدّمة الكتاب وخاتمته، كما بيّنت أعلاه. لقد نقل فكرة المقال ومادّته في آن واحد من الكتاب/الأطروحة، كما سيتوضّح من خلال تتبّع مقارنات فقراته مع فقرات من كتابي. ولا ننسى أنّ المقال ينقل من نصّ مكتوب بالعربيّة إلى اللغة الفرنسيّة. وعندما أستعمل كلمة ‘نقل’ هنا، فأقصد به الترجمة أساسا، مع التنبيه على مواضع النقل الحرفيّ وغير الحرفي، وكلاهما نقل. والأمر ينطبق أيضا على بعض الفقرات التي تلي المقدّمة التي هي أقرب إلى التلخيص (نقل غير حرفيّ)، لكن تشوبها أخطاء، كعادته عندما يحاول أن يلخصّ النصّ؛ إذ إنّ تلخيصه، مثلا، لخصائص الحركة الطبيعية عند ابن باجة يعكس، بشكل واضح، عدم استيعابه للنصّ الذي يترجمه. إذ لا يبدو أنّه استوعب مفهوم الطبيعة ولا مفهوم الحركة الطبيعيّة عند ابن باجة! في هذا السياق، يتكلّم ابن باجة عن الجسم الجامد لا عن الجسم الطبيعي! وراشق يستعمل هذا الأخير دون تميييز بين الإثنين. (انظر نشرة مراكش، 8؛ نشرة فيلوسوفيا، 52).
وفيما يلي، يبدأ النقل الحرفيّ من كتابي! ينقل (ملخِّصا أحيانا) الفقرات التي تخصّ ابن باجة فقط، ويحذف كلّ المقارنات مع غيره من الفلاسفة. والبداية بالفصل المعنون بـ”الحركة التلقائيّة (ص. 73- 110):

ب) سرقة القسم الأوّل من الكتاب وأخطاء في الفهم والتلخيص

بالفعل، إنّ النقل حرفيّ و”أمين” في الفقرات الآنفة. غير أنّه ختمها باستنتاج خاطيء، معتقدا أنّ الأمر يتعلّق بالحركة القسريّة، في حين أنّ الأمر يتعلّق بالحركة الضروريّة التي هي أعمّ وأشمل لأنواع أخرى من الحركة. وأيضا، فإنّه يعيد صياغة أفكار بعض الفقرات في شكل أسئلة محاولة منه فهم مقصود الفقرة، لكن غالبا ما يخونه الفهم حين لا يكتفي بالترجمة الحرفيّة ويحاول أن يلخّص أو يستنتج شيئا من عنده! والأمر نفسه بالنسبة إلى التصنيفات التي حاول أن يلخّصها وأن يضعها في شكل بيان. مثال: ابن باجة لا يصنّف الأجسام الطبيعيّة إلى ما لها محرّك من خارج، وما له محرّك ذاتي. وهنا أيضا أساء الترجمة وأساء فهم نصّ ابن باجة: “[…]وأمّا حركة الأجسام الطبيعيّة، وأنّها عن محرّك من خارج، فذلك ممّا يحتاج إلى قول” ص. 133. فعبارة ابن باجة تفيد التشكيك لا التقرير.

لقد وقع جمال راشق في خلط واضح بين الحركة الضروريّة والقسريّة، غافلا أنّ ابن باجة سمّاها ضروريّة لكي تشمل كلّ أنواع الحركات التي تتّسم بالضرورة (طبيعيّة وقسريّة) ومعهما أيضا السماوية التي صنّفها ابن سينا ضمن الحركة الإراديّة. وأحيانا يبدو أنّه ينقل أفكار ابن سينا وينسبها إلى ابن باجة لأنّ الكتاب يتعرّض لابن سينا وابن رشد وغيرهم من فلاسفة الإسلام أيضا. (نشرة مراكش، 10؛ نشرة فيلوسوفيا، 54).

وأيضا، فإنّه قدّم تصنيفا خاطئا لأنواع الحركة عند ابن باجة، حيث أساء تماما فهم الفقرة التالية: “واضح أنّ الإرادة XE “إرادة will” هي نقطة هذا التقابل والخطّ الفاصل بين ما يتحرّك طبعا وضرورة وبين ما يتحرّك بالاختيار. فإذا كانت حركة XE “حركة movement” الأجسام الطبيعيّة حركة ضروريّة XE “حركة ضرورية necessary movement” ، فإنّ حركة الحيوان XE “كائن حيواني animal being” لا يمكن أن توصف بالضّرورة بتعبير ابن باجة XE “ابن باجة، أبو بكر Ibn Bājja” . لذلك فإنّ الحركة، بهذا التقابل، تنقسم إلى حركة ضروريّة، مع إدخال حركة القسر وإن كانت تقال عليها باشتراك، وإلى حركة إرادية اختياريّة ينفرد بها الكائن الحيواني”. (مفهوم الإرادة، ص. 93)
ويبدو أنّه أساء فهم النص الأسبق وترجمته بناء على إحالتي على نصّ ابن باجة. ويبدو أنّه لم يكمله، لذلك لم يفهمه: “والمتحرّك طبعا قد يتحرّك ضرورة، فإنّ حركة XE “حركة movement” الحيوان XE “كائن حيواني animal being” لا توصف بأنّها ضرورة، ولذلك تنقسم الحركة بهذا التقابل، فيقال بأنّ الحركة منها ما هي بالضرورة، كحركة الأرض إلى أسفل، ومنها ما ليس بالضرورة. وما ليس بالضرورة، فمنها بالقسر ومنها بالاختيار، وهي حركة الحيوان. وقد تقال الضرورة XE “ضرورة necessity” على حركة القسر، لكن باشتراك.” [السماع الطبيعي، ص. 133]. (انظر نشرة مراكش، 10 ؛ نشرة فيلوسوفيا، 54)

يلخّص راشق في فقراته السابقة عنصرا من كتابي بعنوان: من الحركة الطبيعية إلى الحركة التلقائية (ص. 83-86). وفي هذا العنصر الذي عنونه “تعريف الحركة التلقائية عند ابن باجة”، نقل راشق جلّ ما يتعلق بابن باجة في العنصر المعنون: “من الحركة التلقائية إلى الحركة الإرادية”، مع حذف كلّ ما يتعلّق بابن سينا (ص. 86-89). يبدأ النقل حيث يبدأ الكلام عن ابن باجة من ص. 89 من الكتاب.

يبدو أنّ السؤال الذي طرحه راشق بعد هذا (ص. 55) قد أضافه من عنده، والحال أنّه قد أخذه من الفقرة الموالية. وعندما يذكر أنّه: “يلاحظ أنّ التعريف يتّسم بالعمومية والغموض”، فإنه يبدو أيضا أنّه يلخّص الفقرة الطويلة التي حلّلت فيها صعوبتين تواجهان هذا التعريف. والواقع أنّه لا يكلّف نفسه حتّى عناء التلخيص؛ بل يكتفي بالتقاط الصعوبتين تماما كما أوردتهما كما يلي:

تختصر الفقرة الموالية، من مقالته، الفكرة التي ناقشتها بتفصيل في فقرات موالية (ص. 90-92):

في الفقرات الموالية، يبدو أنّه قام بمجهود واضح (وهو المجهود الوحيد الذي لاحظته في مقالته!) من أجل تمويه القارئ على أنحاء ثلاثة: أوّلا، عمد إلى تغيير ترتيب العناصر/ العناوين التالية: ترد في الكتاب كما يلي:
التمييز والعقل العملي (ص. 101-105)؛
الفضيلة (ص. 105-107)؛
المسؤولية وحرية الاختيار (ص. 107-110).
وترد في المقالة كما يلي:
التمييز (دون أن يجعل له عنوانا، وبين العنصر الأول والثاني ينقل فقرات من القسم الثاني من الكتاب)؛
الإرادة كاختيار عند الإنسان؛
المسؤولية؛
الفضيلة.
ثانيا، جعل من العناصر الثلاثة في الكتاب، أربعة عناصر (أو خمسة إذا حسبنا عنصر التمييز الذي لم يبرزه كعنوان). وتجدر الملاحظة أنّه يترجم كلمة ‘تمييز’ بـ discrimination” التي صار لها اليوم معنى بعيدا عن معناها اللغويّ في اللغة اللاتينيّة.
ثالثا، يقحم فقرات من القسم الثاني من كتابي، وتحديدا فقرات من عنصر “القوة النزوعيّة، الإرادة، القوّة المحرّكة: مفاهيم ملتبسة” (ص. 188-199). وفيما يلي جدول هذه العناصر:

ج) سرقة القسم الثاني من الكتاب
ينتقل جمال راشق هنا إلى الباب الثاني من الكتاب، بعنوان الإرادة مبدأ حيواني (ص. 111)، لكي يسطو على فقرات من كتابي عن ابن باجة في علم النفس ابتداء من ص. 119، مع اختصار ونقل عبارات من صفحات أخرى، والاستغناء عن كلّ المقارنات مع الفلاسفة الآخرين، باستثناء أرسطو أحيانا. على سبيل المثال، ينقل جملة من ص . 131 كما يلي: ابن باجة “يجعل الإرادة حدا أساسيا في تعريف النفس”، كما ينقل جملة من خلاصة الفصل عن تمييز أرسطو: “إذا كانت النفس عند المعلم الأول هي، أولا، مبدأ للحياة بشكل عام[…] فإننا نجد لدى الفلاسفة المسلمين تشديدا قويّا على الطابع النفساني الخالص في الأفعال الصادرة عن النفس، ميلا كبيرا إلى تجريدها من أدوارها البيولوجية والفيزيولوجية[…] إن النفس عندهم هي مبدأ إرادي وميدأ للإدراك والمعرفة بالدرجة الأولى”. ص. 137. ينقل خاصّة من العنصر المعنون: ‘الإرادة دليل على وجود النفس’، من الفصل الأوّل ‘مفهوم النفس أو من النفس إلى الإرادة’ (ص. 115).

لخّص جمال راشق الفقرةَ السابقة مستحضرا أيضا عبارات من ص. 82-83.

8) سرقة القسم الثالث من الكتاب
هنا ينتقل إلى نقل فقرات مهمّة من القسم الثالث من الكتاب بعنوان: الإرادة مبدأ إنساني. ينقل بالخصوص من الفصل الثاني: مضمون الإرادة. ومن حسن حظّه أنني أفردت عنصرين خاصّين بابن باجة في هذا القسم يسّرا عليه مهمّة الترجمة، ولذلك غلب على فقراته الطابع الحرفي، ومن ثمّ تسهل المقارنة بينهما.

تكفي المقارنة بين عمودي الجدولين ليتبين حجم السرقة التي ارتكبها جمال راشق في حقّ عملي. وما تبقّى من مقاله، وهو في حدود صفحة واحدة (عبارة عن خاتمة)، تلخيص لمضمون الصفحتين 262-263 من الكتاب.
ثانيا: درس راشق مسروق من كتابي
يبدو أنّ جمال راشق كان يدرّس كتابي/أطروحتي دون أن يذكر لطلبته اسم المؤلّف؛ وعندما قرأت مقالا لأحد طلبته يحيل فيه على محاضرات د. جمال راشق في مادّة الفلسفة وقضايا الإنسان، فهمت القصّة كاملة! إنّ السرقة لها وجه واحد، ومن تعوّد على السرقة لا يصعب أن يعيش بدونها! والمقال أعلاه إنّما نسبه إلى نفسه، لأنّه سبق له أن نسب إلى نفسه العمل كلّه منذ سنوات، إلى درجة أنّه اعتقد أنّه له، مادام قد درّسه لسنوات لطلبته في مراكش. ويبدو أنّ الطالب انتبه إلى المصدر الأصليّ، إذ أحال عليه أكثر من مرّة على عكس أستاذه الذي ذكر الكتاب مرّة واحدة وبشكل مموّه. لكن، يبدو أن الطالب لا يدري أنّ ما كتبه عن مفهوم الإرادة هو نقل ثان عن نقل سابق. والطالب معذور، إلى حدّ ما، مادام يحيل على الأعمال التي أخذ منها؛ فهو يحيل على محاضرات أستاذه بكلّ أمانة. صحيح أنّه لم يتأكّد من مصادره، لكن أتفهّم أنّه يصعب على الطالب أن يشكّ في أنّ أستاذه ينقل عن غيره بلا إحالة. فيبدو أنّ ما تمكّن من الاطّلاع عليه مباشرة في الكتاب قد أحال عليه، لكن الفقرات الأخرى التي أحال فيها على أستاذه، إمّا أنّه لم يطّلع عليها في الكتاب الأصل أو فضّل الإحالة على أستاذه، ربّما عن حسن نيّة، معتقدًا أنّ أستاذه هو الأصل، وأنّ الكتاب الذي أمامه نقل عنه. فالأستاذ فوق كلّ شبهة! والواقع أنّ الأمر ليس كذلك في حالتنا هذه. وفيما يلي بعض مواضع السرقة في محاضرات الأستاذ من خلال إحالات الطالب:

وبناء على ما سبق من بيانات، فإنّني أتوجّه إلى جميع القراء وإلى كلّ من له مسؤوليّة ما، بما يلي:
أوّلا، تنبيه الطلبة والباحثين إلى أنّ المقال مسروق وأنه لا يجوز استعماله في بحث أو دراسة جامعيّة أو غير ذلك.
وبالتأكيد لن يخفى على القارئ عموما وعلى الباحثين الجادّين تحديدا، حجم الضرر المعنوي الذي لحقني ويلحقني في الوسط الأكاديميّ من جراء هذا العمل المشين. لكنّني سأمعن في تقديم ثلاثة أمثلة على سبيل زيادة التوضيح:
1) وجدت نفسي في حرج شديد عندما قدّمت دراسة للنشر بالإنجليزيّة، استعدت فيها أفكارا من كتابي (تصدر هذا العام)، إذ نبّهني أحد المحكّمين إلى أنّني نقلت أفكارا من دراسة سابقة لجمال راشق بدون إحالة! هكذ! صرت أنا السارق لا هو؟ ولا يمكن للقارئ أن يفهم غير هذا، باعتبار أنّ العمل الأصليّ قد صدر بالعربيّة عام 2010، والعمل المسروق صدر عام 2012، ثمّ أعيد نشره عام 2016 باللغة الفرنسيّة، وعملي يصدر عام 2020 باللغة الإنجيلزيّة. وقد هيّأت دراسة أخرى تصدر في العام 2021، تستعيد أفكارا أخرى سطا عليها راشق. وأنا شبه متأكّد أنّني سأتعرّض للحرج نفسه. فهل من ضرر أكبر من هذا لسمعتي على الساحة الأكاديميّة المحليّة والدوليّة. إنّ سمعة الباحث وكرامته ومصداقيته لا ثمن لها، كما تعرفون، في الوسط الأكاديميّ.
2) مثال آخر للضرر هو أنّني بدل أن أحرّر دراسة جديدة، وأتفرّغ في هذا الصيف الاستثنائي لإتمام أعمال متراكمة، وجدتني أضيّع وقتا ثمينا في وضع جداول، وأتابع تمويهات السارق، ولكي أثبت أنّ العمل مسروق!
3) والضرر الثالث، وهو الأخطر، فهو يمسّ سمعة الجامعة المغربيّة ومستوى التكوين والبحث الأكاديمي الذي بدأ يدبّ إليهما الوهن والغشّ. فأيّ طلبة يمكن أن يؤطّرهم أستاذ بنى أستاذيته، محاضراته وأبحاثه على الغشّ وسرقة مجهودات الآخرين؛ بل حتّى أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه تتضمّن نقطة ضعف كبيرة. وذلك لأنّ أصل الداء بالنسبة لهذا النوع من “الأساتذة الباحثين” يأتي من هناك بالضرورة! أشير هنا فقط إلى أنّ أطروحته عبارة عن إعادة تحقيق نصّ سبق أن حقّق تحقيقا جيّدا! يتعلّق الأمر بكتاب النفس لابن باجة الذي حقّقه ونشره محمد حسن معصومي عام 1992. وهي النسخة التي ما زال يعتمدها المتخصّصون إلى يومنا هذا. وذلك لأنّ نشرة راشق لم تفد من مخطوط برلين شيئا يذكر، اللهم ما أضافته من أخطاء بالجملة إلى النصّ الأصليّ وسوء قراءة النصّ في كثير من المواضع، وقد أشرت إلى بعضها على سبيل المقارنة مع نشرة معصومي في بعض هوامش كتابي.
وفي الأخير، ألتمس من الإدارة التي يشتغل عندها جمال رشق اتّخاذ ما يلزم من إجراءات وفق الأعراف الجامعيّة المنظّمة لأخلاقيات البحث العلميّ، دون الاضطرار إلى اللجوء إلى القضاء، من أجل جبر الضرر وإحقاق الحقّ من تعويض معنويّ واتّخاذ اجراءات زجريّة في حقّ السارق، وفق القوانين المعمول بها في هذا الباب، من قبيل حذف المقال المنشور من التداول تماما، إذا أمكن، وسحب أيّ فائدة معنويّة أو ماديّة قد يكون حصل عليها صاحبه في ملف ضمّنه عملا له، بل من جهد غيره.
هذا مع أنّ الهدف من نشر هذا البيان هو أن لا يتكرّر فعل السرقة مع أعمالي أو مع أعمال غيري؛ ولكي يكون هذا عبرة لكلّ من قد تسوّل له نفسه المسّ بسمعة الجامعة المغربيّة ومصداقيتها التي بنتها على مدار عقود من العمل الجدّي والجهود الاستثنائية لأطرها وطلبتها.

سعيد البوسكلاوي

*جامعة محمد الأول، وجدة/جامعة زايد، أبو ظبي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق