ثقافة النثر والقصيد

6 قصائد

6 قصائد من مجموعة قصائد مُختارة من مجموعاتي الشعرية العشر الأولى ـ أيَّتها ، أيها ، أية ويا ـ ، سأعيد نشر هذه المجموعة ، طباعتها وإصدارها من جديد ذات زمنٍ آتٍ إنْ طالَ عمري قليلًا .
ابراهيم مالك

1 ـ
أيَّتُها الحُرِّية

أيتها الحرية ، يا ابنة الحياة ووليدة الرغبة والأمل الإنسانيِّ ،
في العودة إلى ما كانت طفولة ” أنكيدو ” ،
قبل أن يسقط في شرك الشهوة الجسدية العبثية والخادعة ،
وكان حينها لا يزال يحتفظ بصداقة العشب ، الزَّهر ، الشجر ، الطير ، الماء ، الوحش ، النجم وكلِّ ما كان يُحْسِنُ عَيْشَ الجوار في تلك الغابة المتشابكة ، غابة الحياة .
أيتها الحرية المحلوم بها كم يوجعني ما نحن فيه ،
فكلُّ مُنعطفٍ في طريق العودة إليك ينزُّ دما غزيرا ، موجِعًا ويسود ليلٌ لا يعرف وَهَجَ حياة .
أيتها الحرية الأصيلة ، لا الكاذبة ،
أنت سرُّ وأصلُ وُجودِ إنسانيتي وعالمي ،
فبِلاكِ لن نكون ولن تكون حياة .
2 ـ
أيَّةُ إرادة ؟
( من وحي صورَةٍ التقطتها عدسة ولدي المصور الهاوي هاني مغربي المقيم في برلين )

أيَّةُ إرادَةِ حَياة هِيَ هذِه ؟
سألْتُ نَفْسي لَحْظَة رَأيتُ ” نَبْتَة الْعِلْتِ البَرّي “
تُغالِبُ شُقوقَ الحَجَرِ الصَّخْرِيِّ لِتَنْعَمَ بِألَقِ حَياة
فَتَكْتَسِبَ أوراقُها خُضْرَةً مُتَوَهِّجة ، بَعْدَ طولِ يباس ،
وتعيشَ أمَلاً بِمَجيءِ أوانِ إزهارٍ وتَفَتَّح رَبيع .
لَحْظتها ألَحَّ عَلَيَّ سُؤالُ نفسي
كمْ يجْمُلُ بإنسانِيَّتي التائهة في صَحْراءَ
جَشَعٍ ، عُنْفٍ وسرابِ شَهَوات
لَوْ أنَّها تتَسَلَّحُ بِهذِهِ الإرادَةِ
فتَعيشُ إطْلالةَ ربيعٍ حَقيقِيٍّ
يَتَجَدّدُ بَعْدَ كُلِّ يباس !
3 ـ
أيـُّهـا الـرّاقـِصُ وَحـْدَك
فـَجـْأة خـَلـَتْ حـَلـْبـَة الـرَّقـْصِ وانـْفـَضَّ الـرَّاقـِصــون ، إلا أنـْتَ وَحـْدَك ،
بـَقـيـتَ مـُواصـِلًا تـَرَنـُّحـَك الـْمـُمـَوسـَق والـْمـَضـْبـوط عـَلـى إيـقـاعِ نـَغـَمٍ لا يـَسـْمـَعـُهُ أحـَدٌ غـَيـْرُك .
أيـَّةُ قـُوَّةٍ هـذهِ الـَّتـي تـَتـَوَلـَّدُ مـِن ضـَعـْفـِك ؟
أيـُّهـا الـْفـارِسُ الـرّاقـِصُ وَحـْدَك !
يـَنـْحـَسـِرُ الـضـَّوءُ عـَن مـَوْقـِع الـْحـَلـبـَة وَيـَنـْفـَضُّ الـرّاقـِصـون إلا أنـْتَ وَحـْدَك !
تـَظـَلُّ تـُحـَرِّكُ قـدَمـَيـْكَ الـْمـُتـَرَنـَّحـَتـَيـْن فـي دائـِرَةٍ غـَيـر مـرئـِيـَّة راسـِمـًا ظـِلـَّكَ الـرّاقـِصَ عـَلـى إيـقـاعِ نـَغـَمٍ لا يـَسـْمـَعـُهُ أحـَدٌ غـَيـْرُك !
أفـْهـَمـُكَ جـَيـِّدًا أيـُّهـا الـْفـارِسُ الـرّاقـِصُ وَحـْدَك فـَإنَّ بـي بـَعـْضَ مـا بـِك !
4 ـ
أيُّها الْعَقْل

مَعْذِرَةً أيُّها العَقْل !
مُنْذُ بَدأتُ أنْبِشُ صَفَحاتِ تاريخِ إنْسانِيَّتي الْمَحفوظة والْمَخْفِيَّة
أذْهَلَني ما اسْتَحَلْتَهُ وَصارَهُ أكْثَرُ ناسي
كُنْتَ ولا تزالُ فسْحَةَ أمَلٍ ، وإنْ تكنْ ضَيِّقَة الشُّرفةِ ،
وَصيَّرَكً بَعْضُ ناسي قفَصّ شَقاءِ إنسانيَّتي وَوَجَعِها ،
فَباتَتْ إنسانِيَّتي تَعيشُ حالَة سُباتٍ موجِعٍ ، يَتَخَلله انفِلاتُ جّشَعٍ
تَغَوُّلُ عُنْفٍ وَفُقْدانُ بوصَلَةِ مَسارِ حَياة .
مَعْذِرَةً أيُّها الْعَقْل !
كُنْتَ ولا تَزالُ وليدَ مَسارِ إنسانيَّتي وَسِرَّ صَحْوَتِها النّادِرَة
وَكَمْ يُحْزِنُني كَيْفَ صَيَّرَكَ بَعْضُنا سِرّ كَبْوَتِها الدّائِمَة !
وَكَمْ أتَمَنّى في لَحَظات وَجَعي ،
وأنا أصغي إلى النُّواحِ الطالِع مِنْ مَقابِرِنا الجماعِيَّة ،
أن تَكُفَّ شُقوقُ الأرْضِ تلك عن النُّواحِ الموجِعِ ،
فَيَصيرُ عالمُنا مَراحَ زَقْزَقاتِ عَصافيرَ غَرِدَةٍ موحِيَةٍ وواعِدَة .
5 ـ
يا رَهينَ الْمَحْبَسَيْنِ
أيا رَهينَ المَحْبَسَيْن
كَمْ أجِلُّ فيكَ قَوْلَ الشَّكِّ في الأشْياء
كَمْ أجِلُّ صَيْحَتَكْ :
لا كانَ شاعِرًا إذا لَمْ يَشْتَعِلْ روحًا
وَلَمْ تَصْقُلْهُ في نيرانِها حُمّى الْغَضَب .
“اثنانِ أهْلُ الأرضِ ” مِنْ جيلٍ لِجيل
لا تُمَيِّزُ الألوانُ والحُروفُ ، ما بينَ كِلَيْهِما ، وَلا الأصول
” ذو عَقْلٍ ” يُريدُ نُصْرَةَ الْحَياةِ
وآخَرٌ في غِيِّهِ
يَعيثُ في الأرْضِ فَسادًا يَنْشُرُ الْمَوْتَ الزّؤام
يَسْتَبيحُ حُرْمَةَ الإزْهارِ
يَغْتالُ حُلْمَ فاطِمة !
يَخافُ فيكَ قوْلَك الْجَميلَ
” لا إمامَ غير العَقْل ” يَخْشى جَذْوَةَ العُقول
ومنْطِقَ العقول
يُغيظُهُ فِيَّ ويَسْتفِزُّهُ تَعَلُّقي بفاطِمة .
6 ـ
يا شافِعي
يا شافعي !
كَمْ هَزَّتْ حِبالَ عقلي دائِمَةَ التَّساؤلِ رَوْعَةُ أحاديثك
وقد رأيْتُ فيها عامودَ نارٍ هامِسِ التَّوَهُّجِ :
يا نار صيري دِفْئًا ونورا
بِتُّ عِنْدَها دائِمَ الْبَحْثِ عَنْ رَكوَة أدَبِكَ الإنساني
عَلّي أصيرُ واحِدًا مِنْ قِلَّة صَحْب جالِسينَ يُصْغونَ لِبَعْضِ شَدْوِك
” إنّي رأيْتُ وُقوفَ الماءِ يُفْسِدُهُ … “
لِنَنْهَضَ بَعْدَها نُسائِلُ أنْفُسَنا عَن السَّبَبِ في كَبوَةِ مُجْتَمعاتِنا الإنْسانية
وفي انْتِشارِ ما فيها مِنْ أدرانِ فَسادٍ وإفْساد ،
عَلَّنا نَعي أينَ ” الْعَيْبُ فينا … ” !

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق