قراءات ودراسات

صورة المرأة العربية في الشعر الفلسطيني المعاصر

الدكتور محمد السماعنة

لم تقتصر صورة المرأة في قصائد الشعراء الفلسطينيين على صورة أمِّ الشهيد أو أخت الشهيد، أو في الصورة المثالية للمرأة التي استخدمها شعراء المقاومة كثيراً، أو صورة المرأة الوطن، لأن كثيراُ من الشعراء الفلسطينيين قد جعلوا للحب مكاناً أثيراً في قصائدهم، وللغزل مساحة واسعة من بوحهم. وإلى جانب تلك القصائد التي مجدت المرأة الفلسطينية المقاتلة، وتحدثت عن عشق الفلسطيني للمرأة الفلسطينية، وصورت جوانب حياة المرأة الفلسطينية كلها. كان للمرأة العربية المقاومة المقاتلة، والمرأة العربية العاملة المكافحة، ولجوانب من حياة المرأة العربية نصيب من اهتمام الشعراءالفلسطينيين.
ونظر الشعراء الفلسطينيون إلى الثوار العرب نظرة إكبار واعتزاز وفخر، ونظروا إلى المرأة العربية التي تشارك بالثورة نظرة مميزة، مليئة بالفخر والاعتزاز ، واحتفوا ببطولتها أيما احتفاء، يقول راشد حسين:
“ففتشت في الأرض عن غيرهم لأهديه أزهاريَ الناضره
فألقيتُ خيرَ الورى ثائراً فأهديتُ شعري إلى ثائره()”
فقد أكبر الشعراء الفلسطينيون المعاصرون دور المرأة الجزائرية في معركة التحرير والاستقلال، فكتبوا عن المناضلتين جميلة بوحيرد وجميلة بوباشا، اللتين سطَّرتا بأحرف من نور ونار صفحات مشرقة مجيدة زاخرة مليئة بالبطولة والتضحية والصمود والكفاح في تاريخ الجزائر العربية، وَغَدَتَا شِعَاراً وَرَمْزَاً وَقُدْوُةً لكلِّ مَن يخفق قلبه بحب الوطن، ويؤمن بالديمقراطية وحرية الشعوب وبالتحرر والاستقلال الوطني.وكانت صورة جميلة بو حيرد من الصور الناصعة المشرقة في القصيدة الفلسطينية والعربية. فهي في قصيدة ” أنشودة الحقد” لكمال ناصر حواء من الجزائر، التي أثبتت للعالم كلِّه أنها شريك الرجل في معركة تقرير المصير، فهي التي تركت كلَّ ما تنعم به المرأة من أجل أنْ ينال الوطن حريته، وحملت السلاح ليردد الوطن اسمها رمزاً لبطولة المرأة العربية، التي تحملت التعذيب والتنكيل في سجون المحتل الفرنسي، وقدَّمت روحها فداء للوطن، يقول:
“حواءُ يا شهيةَ المَعانِي والمُقْلَةَ الحَالِمَةَ الكَحِيْلَة
أيُّ هوى إلى العُلى دعاكِ في غَمْرَةِ الأهوالِ والبُطُولَة
أيُّ نداءٍ خالدٍ جَريء أطَلَّ في سَمَائِك الظَّلِيْلة
أيُّ رؤى مشتْ إلى ذُرَاكِ فاشتَعَلَت بالمَجْدِ والرُّجُولَة
أينَ الحَريرُ الأحمرُ المُوشَّى يَجرُّ في دربِ الهوى ذيولَه! ()”
تكررت في الأبيات “أي” لتشير إلى إعجاب الشاعر بقدرة المرأة العربية على الفعل واعترافه بقيمة ذلك، ولكنه لم يتخلص من عقدة الذكورة فوصف فعل جميلة بالرجولة، ولم يتخل عن الخطابية، فقد حرَّكت حماسته الأبيات لتغرق في الجمل الإنشائية التي خُصصت لوصف المشاعر الجياشة والعاطفة الصادقة والاعتزاز بما قدمته هذه المرأة العربية الجزائرية.
وأشاد الزواتي بالمناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد ومجد بطولتها وكفاحها، وأشاد بدورها في تأجيج الثورة الجزائرية، يقول:
“هذي جميلةُ قد مَضَتْ في دَرْبِهَا وكذا ففاطمةٌ قَضَت ذا مِنْ جديد
قد خضَّبَتْ سفحَ الجبالِ بدمِّها نور أشعَ وزهرةُ العُمْرِ البعيد
قد جُندِّلتْ فوقَ الحمى برصاصةٍ فَهَوَتْ تُقَبِّلُ تُرْبَةَ الحقِّ/ التَلِيْد()”
وهو يحضُّ العرب بلغة خطابية نثرية على القتال من أجل تحرير جميلة والدفاع عن الحمى:
“هيا فإنَّ الشَّعبَ يزأرُ تائراً/ كالسَّيلِ يزحفُ في الجزائرِ بالحُشودْ/هيَّا احمِلوا كلَّ البنادق ِ/ واكسروا قيدَ الأبيةِ وارفعوا كُلَّ البنودْ()”
ومع أن الشاعر بنى شكل قصيدته على نمط قصيدة التفعيلة إلا أنه لم يستطع الخروج من عباءة القصيدة العمودية (الخليلية) فهو يجري على دربها وطريقها في أسلوبه وصوره، ولعل الصورة الحركية التي مثل بها استشهاد جميلة بوحيرد لم تأخذ مداها الذي يجعله ينطلق بها إلى آفاق أبعد وأكثر إيحاء .
ويرسل راشد حسين إلى جميلة بوحيرد تحية اعتزاز وفخر وامتنان منه ومن كل الثوار في العالم ،لأن بطولتها ذكَّرت ببطولة خولة بنت الأزور ()،يقول:
“مِنْ فُؤادي مِنْ مَلايينِ القُلوبِ الثَّورَويةْ
خولةُ أختُ ضرارٍ بُعِثَتْ في الأرضِ حيَّةْ
لكِ يا لَبْوَةَ أوراسَ مِنَ القَلْبِ تَحِيَّةْ()”
وعندما أشيع عن جميلة بوحيرد بأنَّها أعْدِمَتْ كَتَبَ رَاشِد حسين قصيدته ” مَصرع جميلة بوحيرد”، مؤكداً أنَّ جميلة ستظل في القلوب كالدوحة الخضراء:
“وجميلةُ تَحيا وتَحيا في القلوبِ وفي الجِراحِ
كالدَّوحةِ الخضراءِ في نظراتها لهبُ الرِّماحِ
لو سَخَّرُوا كُلَّ الرِّياحِ لِقَلْعِهَا كُلَّ الرِّياحِ
ما أفْلَحَتْ فِي قَلْعِ دَوحةِ أغْنِياتٍ من كفاح
هذي حَواكِيُر الجزائرِ في”جميلة” في العيون
والعِزَّةُ السَّمْرَاءُ مُشْرِقَةٌ على الشفةِ الحَنُونْ
لم تَتسع للهيبها الحرَّاقِ أقبيةُ السُّجون
فلتتسعْ للهيبِها ساحاتُ مِقْصَلَةِ المَنون().”
ويتوعد راشد حسين الغازيَ ويوعده بالهزيمة لأنَّ دم جميلة بوحيرد سيقتلعه:
“أجميلةَ التَّاريخِ ظَلِّي جَمْرَة ً وَتَحوَّلِي لِظَلَامِهِم جَرَّاحا()”
ويقدِّم يوسف الخطيب لجميلة قصيدتَه المليئةَ بالدُّموع والخجل؛ فالدموع سببها حزنه عليها لما يصيبها وعلى حاله وواقعه المرير، والخجل سببه عجزه عن مساعدتها لأنَّ حاله كحالها وضعفه كضعفها، فهي أسيرة مقيدة وهو مشرَّد بلا وطن ومرتحل تائه، لا يملك ما يفرح قلبه ويكسر جوعه، فكل حياته صوت وتر واحد حزين ،يقول:
“جميلةُ اسمَعِي …لأنَّني مُشَرَّدٌ بِلا وَطَنْ
لأنَّنِي مُرتَحِلٌ أهيمُ في مَتَاهَةِ الزَّمنْ
وَلَيْسَ لِي قِيْثَارَةٌ ، وَمُنْتَهَى رَبَابَتِي وَتَرْ
لأنَّنِي ما زِلْتُ أحْلِبُ النِّياقَ، أكتَسِي الوَبَرْ()”
وفي قصيدته”رسالة إلى جميلة” يبعث حنَّا أبو حنَّا إلى جميلة بوحيرد رسالة ملأها فخراً ومدحاً وثناءً وتمجيداً، فقد أشاد ببسالةِ تلك الفتاةِ وبصمودِها وببأسِها وبعزْمِهَا وَبِبَذْلِهَا، فهي عِنْدَه أنشودةُ التَّحرير التي ملأتْ الأفقَ في الجَزائِر، وهي التي أجَّجَت نارَ الثَّورةِ الجَزائريةِ بِبُطولتها وتضحيتها وبسالتها، وكان لها أثرٌ عظيمٌ في الثورة الجزائرية، وفي المجاهدين الجزائريين، وفي الإنسان العربي؛ فهي قد حرَّكت النَّخوة العربية وقيم الرجولة والفروسية، وجعلت النصر وأخذ الثأر ودحر العدو الفرنسي من أهداف كلِّ ثائرٍ يحملُ السِّلاح على أرضِ الجزائر:
“لا تقولي:كيف شقَّتْ دَرْبَهَا هَذي الرِّسالَة؟
قد هَدَتها فَوقَ زنزانتكِ البيضاءِ هَالَه
مِنْ ضِيَاءِ البأسِ والعزمِ ومِنْ نُورِ البَسالَه
وصمودٍ يَصْرَعُ الظُّلمَ وَيَغْتَالُ رِجَالَه…!
يا جميلةُ ! حُسْنُكِ الفَتَّانُ مِنْ سِحْرِ البُطُوْلَه
وبهاءٌ من جَمالِ البَذْلِ والرُّوحِ النَّبيله
يا نداءً يُلْهِبُ النَّخوةَ فِيْنَا والرُّجُولَه
تَتَغَنَّى إنَّنا شعبُ رجاءٍ() وجميله().”
أما توفيق صايغ فبدا واثقاً من النهاية الحتمية للمحتل الفرنسي لأنَّه بدأ قصيدته “عن جميلة الجزائرية” بمخاطبة المحتل بقسوة، وتحديه بثبات وثقة يقول:
“اشنقوها / تلوِّح بالقنديلِ في طرفِ النَّفق /فتعكِّرُ الظلمة فيه والرُّكود،/وتغنِّي وتهتز وتتعرَّى/على مرأى خصي. ()”
يكرر الصايغ جملة” اشنقوها” في أكثر من بداية مقطع، وكأنه يستعجل الغزاة على دمارهم فهو يرى أنَّ خطوات الفرنسيين نحو نهايتهم مرتبطة بدم جميلة وبتضحيتها.
ويهجو العدناني فرنسا هجاءً مراً مُقذعاً لاستئساد جيشها في الجزائر على الجزائريات بعد أنْ أذاقه أسودُ العرب الجزائريون الكواسر مرَّ الهزيمة في كل مكان على أرض الجزائر، ويندد الشاعرُ بما فعله الجيش الفرنسي بجميلة بوحيرد، ويصور بشاعته وقسوته، ويشيد بصبرها وتحديها في مواجهته يقول:
“ولمَّا لمْ تَجِدْ إلا أسوداً فرنسةُ يُجزلونَ لَها العِقابَا
وَيَصْطَلِمُونَ في الأهراسِ مِنْهَا جُيُوشاً تُفْقِدُ الرُّعبَ الصَّوابَا
نَضَتْ سيفَ الخُطُوبِ عَلَى الغَوانِي وَصَيّرتِ الجُسُومَ لَه قِرابا
أذاقتهنَ تَمْثِيْلاً ، وخَسفاً وسامتْهُنَّ في السِّجن العذابا
فتلك جميلةٌ ، إحدى الضَّحايا غَدَتْ تَشْكُو مِنَ الظُّلمِ القُلابا
أتاها جيشُهُم جُرذان حَربٍ فباتوا عندها أسداً غضابا()”
ويصور بطولتها وصمودها تحت التعذيب، ويشيد بها وبصبرها على العذاب:
“صبرتِ على العذابِ ولمْ تَبُوحِي بِسِرِّكِ ، فافتديتِ بكِ الصحابا
سكتِّ ، فكنتِ أبلغَ مَنْ عَرَفْنَا لَعَمْرُ الحقِّ في الجُلَّى خِطابا
إذا فَتَحُوا مِنَ التَّنْكِيلِ بَابَاً سَدَدْتِ عليهمُ بالصمتِ بَابَا

أثرتِ العالمين على فرنسا فَحَلَّ جبينُ سُمْعَتِهَا التُّرابا()”
جعلت القصائدُ الفلسطينية المرأةَ صنوَ الوطن، وكثيراً ما خاطبَ الشعراء الأرض كأنثى حتى نكاد لا نستطيع الفصلَ بين المرأةِ والأرضِ في بعض القصائد. ولكنَّ سميح القاسم رأى أن يشبِّه ليلى العَدَنِيَّة بالبِلادِ العَربيَّة؛ تِهامة، واليمن، والصحراء، والأوراس، والموصل، والغوطة، ففي قصيدة” ليلى العدنية” كانت ليلى تُشبه وطنَ الشاعر الكبير الذي يحب، وكلُّ جزءٍ منها يشبه في جماله مكاناً عربيا، فقد رسم سميح القاسم المناضلة اليمينة بما يريد ويحب ويعتز، وزينها بأجمل الصفات التي يشتهي أن يراها ؛زينها بالوطن العربي، فهو لم يجد أجمل من بلاده العربية ليصف بها هذه البطلة العربية اليمنية، يقول:
“شاءَها الله شهيةْ !/ شاءَها الله .. فكانتْ .. كَبِلَادِي العَرَبِيَّه !/شَعْرُها لَيْلَةُ صَيفٍ بين كُثبان تِهامهْ/ مقلتاها … من مَهاةٍ يمنيه / فمها … من رُطَب الواحة في البِيْدِ العَصِيّه/عُنْقها زوبعةٌ بين رمالي الذَّهبيه / صَدْرُها نَجْدُ السلامه/يحمل البُشرى إلى نُوحٍ ،/ فعودي يا حَمامَه !/ولدى خاصرتيها، بعضُ شطآني القَصيَّه/شاءها الله.. فكانت كبلادي العربية ! ()”
وحرص سميح القاسم على إظهار ليلى قويةً مع ألم الجرح وشدة الحزن وقسوة الصدمة بمقتل والدها، فهي مصممة على أخذ الثأر ومصرة على حمل السلاح وإطلاق النار لتقتل:
“عانقت ليلى أباها !/ ثم هبَّتْ واقِفَه / نَزَعَتْ مِنْ رَاحَتَيْهِ البُنْدُقِيَّه / وَبِصَوْتِ العَاصِفَه! / وَبِأصْوَاتِ المَلايِين الغِضَابِ الزَّاحِفَه ! / صَرَخَتْ : لَن تدفنوه ! قَسَمَاً لَنْ تَدْفِنُوه ، /قَسَمَاً، مَا لَم تَطْهر كلُّ شطآنِ العُروبَه / مِنْ ذِئابِ الغَزْوِ /مَصَّاصِي صَحاريِنَا الحَبِيْبَه! ()”
ويمجِّد سميحُ القاسم بطولة ليلى ووقفتها وصرختها في الجموع وهي تطالبهم بطرد الغازي وردِّه مَدْحُوراً مَكْسُوراً مَهزوْماً، وَيُعْطِي الشاعر للمرأةِ في هذه الحرب التحررية قيمةً عظيمة ومكانةً سامية، فهي التي تطلبُ من الجماهير عدمَ دفن أبيها ما لم تطهر الأرض العربية من ذئاب الغزو، فتتبعها الجماهير وتنادي بما نادت به .
وتظهر القصيدةُ حرصَ العربيِّ على حمايةِ المرأة العربية فهي عرضه وشرفه وكرامته، وَبَذْلُ الدمِ من أجلها لا يحتاج منه إلى تفكُّرٍ وتدبُّرٍ وتأمل، فهو حريصٌ على أنْ تبقى في خِدرها آمنةً لا تُهان، وعزيزةً لا تذل، يقول سميح القاسم على لسان مرزوق أبي ليلى:

“ثم شدَّ البندقية / ومضى يدفَعُ عن ليلى الذِّئابَ الأجنبية!()”
ويقول في أهداف الاستعمار لاستثارة الروح الغاضبة عند العرب:
“حُلمهم أنْ يَحْمِلُوا للغربِ بِنْتَه/ حُلْمُهُم أنْ يَحْمِلُوا لَيْلَى سَبِيَّه /طارَ مَرْزُوقٌ على سَرجٍ مِكرِّ / من جيادي العربية في يَدَيْهِ البُنْدُقِيَّه / وعلى عَيْنَيِه مِنْ عُنْفِ الصَّحارِي / ألَقٌ صَلبٌ ، وَقَيْظٌ ، وَضَوَارِي / تَهْدُرُ الرِّيحُ عَلَى جَنْبَيْه / غَضْبَى مُسْتَفِزَّه وَتُدَوِّي شَفَتَاه / بالأهازيجِ فَقُومِي يا حَياه / هلِّلي للفارسِ إيماناً وَعِزَّه ! ()”
ويفخر العزة ببنات لبنان اللواتي قاتلن الغازي وقدَّمنَ تضحياتٍ عظيمةً من أجلِ الحُرِّيَّةِ والتَّحرير يقول:
“وبناتُ لبنان الأشمِّ وأرزه أزرين بالأعداءِ والأرزاءِ
نثرتْ عظامَهُمُ على أحشائهم أرأيتَ مِثْلاً من بني حواءِ()”
ونالت أمُّ الشهيد العربي عنايةَ الشعراء الفلسطينيين، فقد أكثروا من الثَّناء عليها، ومن مواساتها والإشادة بتربيتها، وتمجيد بطولتها في استقبال ابنها المحمول على أكتاف الرجال مُكَلَّلاً بالغار. فقد أشادَ عبد الرحيم عمر ببطولة أمِّ الشَّهيد وشجاعتِها وصبرِها على ألمِ الفقد، وألم لحظة الوداع النِّهائي حين غَنَّى للمرأةِ البصرية التي فقدت أولادها وظلت ابتسامتها على تعابير وجهها على الرغم من فداحة الثمن وقسوة الفقد، وثقل وطئه عليها في سبيل أنْ تظلَّ رايةُ العراق عالية خفاقة، يقول:
“فَرُغْمَ فَدَاحَةِ الأرزاء / وَرُغمَ تَعَدُّدِ الأعْدَاءِ / تَبسمُ في ضِفَافِ الحَضر ثاكلةٌ / وتنبتُ في حقول الدَّمِ راياتٌ مِنَ الظَّفَرِ()”
فاجأت اللبنانية سناء محيدلي() العالم العربي بعملية استشهادية جريئة فجَّرت فيها نفسها مع عشرات الجنود الصهاينة،وقد أدهشت بهذه العملية كثيراً من الشعراء العرب، فمجدوا بطولتها وأشادوا بجرأتها وببسالتها وتضحيتها، وكانت شهلا الكيالي من هؤلاء الشعراء الذين غنّوا لهذه البطولة العربية النسوية، تقول وهي تجمع بين بطلتين عربيتين؛ (لينا) من فلسطين، و(سناء) من لبنان:
“رأيتُهُمَا ضِيَاءً شعَّ نُوراً كما الإشراقِ في أرضِ المُحالِ
نُغنِّي غُنْوَةَ الشُّهداءِ هيَّا لعنقونَ وجرزيمَ الغَوالي
سناءُ حبيبتي لِيْنَا تُنَادِي تَعَالَي يَا عروساً كالهِلالِ
سناءُ حَبِيْبَتِي يا فَخْرَ أمٍّ ويا عزّاً سَمَا فوقَ الرِّجالِ
تباهت باسمها عنقون حقاً ونادت يا سناء ذُرى الجبالِ()”
وقد بهرت بطولة سناء محيدلي الشاعرَ أحمد عويس فخاطبها بإكبار وإعجاب، وأثنى على بطولتها وتضحيتها متمنياً أن تكون نساء العرب وبعض شبابهم مثلها:
” سناء …/يا شمسَ عُمْرِنَا/ يا ربيعَ حَيَاتِنَا / تَمَنَّيْتُ أنْ تَكُونَ كُلُّ نِسائِنَا سَناء/ تَمَنَّيْتُ أنْ يَكُونَ بعضُ شبابِنَا سناء()”
ولم ينسَ الشعراء الفلسطينيون دورَ صوت فيروز العربي القادم من لبنان في تأجيج شعلة الثورة والتبشير بالغد الجميل الآتي، ومواساة الجرحى، والتخفيف من وطأة ليل السجون وقسوة القيد، ورثاء المدن الفلسطينية، والتنديد بالقاتل والتغنِّي بدم الشهيد، وإثارة شهوة الشعراء للكتابة ومعارضة صوتها:
“حينما يسطو علينا الليلُ والسِّلُ المُبَاح / صَوْتُكِ العِمْلَاقُ كَمْ يَحْتَدُّ فِي وَجْهِ السُّدود /يَجْرَحِ الأسْلَاكَ ..يأتينا سِلالاً من وُرودِ يزرعُ النُّورَ على قَبْرِ الشَّهيدِ /أيْقظيه أشْعِلِيهِ ابعَثِيْهِ مِنْ جَدِيْد! /صُوْتُكِ الشَّفَّافُ في الأكواخِ يَسرِي فِي الخِيام /قَطراتٍ من حنان وسلام()”
وعندما وازن البيتجالي بين المرأة العربية والمرأة الغربية وجد أنَّ الفرق بينهما كبير وواسع؛ فالمرأة العربية مظلومة، ومستنزفة ،ومستغلة، فتحسر عليها،ورثى حالها، ورأى انه لن تقوم للشرق قائمة ما دامت المرأة على هذه الحال ، يقول:
لهفي على المرأةِ في شرقِنَا لا سيَّما الجاهلة المُرضِعَه
مُرضعة تُرضع أولادَها من ثديها الخفَّةَ والجَعْجَعَه
في القريةِ المرأةُ مسكينةٌ مظلومةٌ تَنْقُصُهَا البَرْذَعه
وفي سواها هَمُّها زِيُّها ثرثارةٌ ، تَنُقُّ كالضِّفْدَعَه
ما دامت المرأةُ في شَرْقِنَا تَذُوقُ ضَرْبَ الزَّوْجِ بالمِقْرَعَه
لا ينهضُ الشَّرقُ مِنْ نَوْمِهِ وَبِنْتُهُ فِي حَالَةٍ موجَعه
مَظلومة قد ساء تهذيبها محبوسة كناسك في صومعه()
وفي قصيدة “راعنا” يوازن البيتجالي بين فتاة الشرق وفتاة الغرب، ويصف موقف العربي من عمل المرأة واندهاشه واستغرابه من وجودها في الدوائر الحكومية،يقول:
” راعَنَا في الشرق توظيف البناتْ في الدوائرْ
رَاعَنَا هذا وَفِي الغَرْبِ النِّساءْ كالكُمَاة
جالسات ٌ في مِنَصَّاتِ القَضاءْ حاكماتْ
كلُّ هذا وَنِسَانَا نَائِمَاتْ في بلادي “
ثم يخاطب الشرق ويتهمه بإهمال المرأة وإذلالها ،ويطلب منه أن يعطي المرأة حقها في العمل والرقي لكي نعيد عهد العرب المجيد:
أيها الشَّرقُ المُذِلُّ السَّيداتْ أنتَ نائمْ
فتأهب لتُــرَقِّي الفتــيـاتْ غير نادمْ
لنُعيدَ المجدَ في عهد الأُبَاةِ والمَكارمْ”()
ويصور الهجمة الشرسة التي تعرضت لها القيم العربية والإسلامية، واستهدفت المرأة العربية؛ زيها وسلوكها، وحركاتها. منتقدا تدخين المرأة العربية فيقول ناصحا :
“كلُّ ما تفعلين حلوٌ ولكنْ ليس حلواً تَدْخِيْنُكِ السيجارةْ
لستُ أرضى لِرِيقِكِ العَذْبِ إلا كُلَّ ما ليس فيه طَعْمُ المَرارةْ”()
وفي”خطب الدكتاتور الموزنة” في “خطاب النساء” يصور دوريش نظرة الديكتاتور الرجعية التسلطية على النساء. ويمكن أن تشمل هذه النظرة الذكورية الشكَّاكة بعض الرجال فهي نظرة وجدت في عقول أفراد من المجتمع العربي منذ الجاهلية، فالأنثى عندهم فضيحة قد تنفجر، وسيلحق بهم عارُها في أيِّ لحظة، فهي –كما يرون- عارٌ سيمس من رجولتهم وشرفهم لا محالة، فلذا أوجب الديكتاتورعلى الرجال أنْ يشددوا عليها الحراسة، وأن يضروبها ليلاً ونهاراً لئلا يوسوس فيها الشيطان، في نقد عميق للمجتمع، يقول:
“على كلِّ امرأة حارسان، وفي كلِّ امرأة أفعوان، ألا .. فاجلدوهُنَّ قَبْلَ الأوانِ وَبَعْدَ الأوان، اجلدوهن في الصُّبحِ جَلْدَةً لِئلا يُوسوسُ فيهنَّ شَيطانُهُنَّ ..، وفي الليل جَلدةً لئلا يَعُدْنَ إلى لَذَّةِ الإثم() “
وبعد أن انتقدَ درويش ضربَ النساء وعدَّه سلوكاً مرفوضاً لا يأتيه إلأ مَنْ اتصف بصفات الديكتاتور وأخلاقه. صور الشاعرُ الديكتاتور العربي مهجوساً بذاتِ الشك الجمعي، فهو يحمل ذات الفكر الذي يحمله المجتمع عن المرأة، وهو يرى أنَّها خُلِقَتْ للْمُتْعَةِ ولإنجاب ولي عهده الذي يشبهه، ويكون من صلبه نقياً تاماً، يحمل كلَّ صفات الرَّجل الكاملِ التي يَرى الديكتاتور أنه يمتلكها، وتحقيق أبوته للشعب بأكمله قولاً وفعلاً، يقول:
“… على كل امرأة أن تخونَ معي زوجَها، لأعرفَ إني أبوكم، وآخذَ منكم ومنهنَ كلَّ الولاء، وقد تسألون: وكيف تنفِّذُ هذا القرار؟ أقول: سأعلنُ حرباً على دولة خاسرة، يشارك فيها الكبارُ ومن بلغ العاشرة .. سأعلنُ حرباً لمدةِ عام، تكونُ النِّساءُ عليكُم حراما، وابعثُ غِلمان قصري – وهم عاجزون- الى كل بيت، ليأتوا إليَّ بكلِّ فتاةٍ وبنت، لأحرثَ مَن شئتُ مِنْهُنَّ: بَعد الظهيرة – بنت، وفي الليل – بنت، وفي الفجر – بنت، لتحملَ مني جميعُ البنات، وينجبنَ مِنِّي ولياً على العهد .. مِنِّي، سأختاره كيف شئت، صحيحاً فصيحاً مليحَ القوام، .. وبعدئذٍ أوقفُ الحرب، من بعد عام، وأعلنُ عيد السلام، واعرف مرة لأول مرة، بأنَّ وليِّي على العهد .. ابني، وأني أبْنِي بلاداً بلا دَنَسٍ أو حرام، فألفُ سلامٍ عليكم، وإنَّ النِّساء حَلالٌ عليكم، فلا تَهْجُروهُنَّ، ولا تضربوهن، هنَّ الحمام، وهنَّ حبيباتُنا، والسلام عليكم، عليهن، ألف سلام، وألف سلام.. ()”
وعدم الثقة بالنساء، ووصفهن بالمتع الزائلة، وبأدوات اللهو والترفيه التي في التعامل معها أخطار يجب التنبه عليها هو من الفكر الاستبداداي الذي ينتشر بين كثير من أفراد المجتمعات العربية، إذ يفهم هؤلاء قوله تعالى: “إن كيدهن عظيم” على أنَّ النساء كلَّهن يكدنَ وكلهن صاحبات كيد ودهاء، وأنَّهن صواحبُ يوسف اللاتي يجب الحذر منهن، لأن في كلّ امرأة شهرزاد وثعلب، وفيهن ما أحزن الأنبياء‏،وما أشعل الحرب بين الشعوب‏،فهن لذلك بعيدات عن ملكوت السماء(). فالمرأة العربية –كما تصورها القصيدة- في نظرهم لا تدوم على حب، وتلبس كل يومين قلبا. فهي مولعة بتغيير عشاقها إذ لا عهد لها ولا أمان.
ومع كل التغيرات التي أصابت الأرض /المرأة العربية في سلوكها وملامحها ولغتها وزيِّها وزينتها إلا أنها – كما يرى سميح القاسم- بقيتْ تفخر بعروبتها، وبانتمائها للعروب، ولم تتخلَ عن أصلها العربي، على الرغم من أخذها بكثير مما أنتجته الحضارة الحديثة من أمور شكلية لم تؤثر في جوهرها العربي النَّقي، وبقيت فخورةً بانتمائها للعروبة مزهوة بنسبها وأصلها العربي، يقول:
“في قرونِ الهَمَجِيَّةْ / علَّموها كُلَّ أنواعِ الُّلغاتِ الأجنبيةْ / سلَبُوهَا وَجْهَهَا / سَلَبُوهَا لَوْنَهَا / سلبوها صوتَها/ سلبوها زيَّها الموروث،/ من أكتاف جدٍّ لحفيد/ وغداةَ اعتقلوها من جديد / سألوا :/ ما اسمكِ يا بنتُ ؟ / فردَّتْ في هدوءٍ ورويِّةْ : / “عربية()”
ومع الدورالكبير الذي اضطلعت به المرأة العربية في الحياة العربية الحديثة، ودخولها كل ميادين العمل إلا أن تصور العربي لمهمتها في الحياة يكاد يكون ثابتاً، فهي وجدت للعناية بالبيت ولتربية الأطفال، ولتشجيع المقاتلين في ساحات القتال. فها هو يوسف الخطيب يدعو ابنة البعث العراقية أنْ تحضَّ جيش العراق على القتال، وأن يتركَ الثكنات ويلتحقَ بجبهات القتال، ويطلبُ منها أن تكون كبنات طارق فتردَّ إزارَها عن كفيه ما بقيت أرضُ العرب محتلة:
“رُدِّي إزارَك عن كَفَّيهِ ما بقيتْ بنتُ الجليلِ بثوبِ العار تأتزرُ()”
ونظرةُ الرجل العربي للذكر تختلف عن نظرته للأنثى، وما يأمله من الأنثى يختلف عما يأمله من الذكر، فقد نظر يوسف الخطيب إلى المرأة العربية كأحد عوامل الوحدة، وكمصدر للحياة والخصب، والأمل العربي ولكنه يطلب منها أن تلد ذكوراً لأنَّهم أدوات النَّصر،وهو يخاطبها –كما هم معظم أفراد المجتمع العربي- وكأنها هي المسؤولة عن إنجاب الذكر والأنثى :
“أنتنَّ الآن – نساءَ العرب- الوحدةُ ، والحبُّ/ وأنتنَ الأرحامُ الأثلامُ ، وأنتن الخصبُ/ وأنتن كرومُ الصبحِ/ الواعدةُ خلاصَ الإنسانِ ..خلوصَ الإنسانْ/ أنت الآن – نساءَ العُرب- حليبُ الثورة / لدن ذكوراً / ودِّعن إلى النصر ذكورا.. ()”
وهو يؤكد هذا الدور الذي تتصدى له المرأة العربية في معركة التحرير في قصيدته “لمن تلد النساء” حين يربط عملية الخصب والديمومة العربية بتحقيق كرامة العربي وحريتهِ :
“لِمَن تلدُ النساءُ إذنْ؟!…/ إذا لم يغزُ ليلَ القدسِ… قدِّيسٌ../ولم يُنجِز على الطاغوتِ رمحُ؟!()”
ويتساءل الشاعر بحرقة ومرارة واستنكار واضح عن سبب ولادة النساء العربيات “لمن تلد النساءُ إذن؟!” وعن سبب استمرار الإنجاب والخصوبة إذا لم يكن من أجل تحرير القدس والفتك بالحكام الطواغيت.يقول في موضع آخر في القصيدة:
“يا امرأة من دجلةَ تسَّاقَطُ بَلَحاً/ في أرضِ فلسطينَ/ أيا نخلةَ عَذَقٍ تشتعلينَ/ تَحُليَّنَ جدائِلَكِ الذهبيةَ في شمس الجرمقِ…/ يا امرأةً من حَلَبٍ/ يا ساقيةَ حليبٍ ترتحلينَ/فتسقينَ بوادي الأُردُنِّ بساتينَ الزنبقِ…./ يا امرأةً من أعلى النيلِ/ من أقصى المغربِ والمشرقِ…./أقرأتُنَّ صيَّتهم؟؟…./ أكتبتنَّ وصيتهم!!…../ أنتن الآنَ –نساء العرب –الوحدةُ، والحبُّ / وأنتنَّ الأرحامُ الأثلامُ، وأنتنَّ الخِصبُ()”
تتضح في الأسطر الشعرية السابقة الروح القومية، وحلم الوحدة الذي يرتكز فيه الشاعر على الدم العربي الواحد في الأنثى العربية؛ فالدم العراقي يمتزج بالدم السوري، والفلسطيني، والأردني –والمغربي، وكلّه دم واحد تورثه لنا الأنثى العربية من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق. فهي رمز الخصب والإنجاب والعطاء،وتوضَّحت وظيفتُها هذه في قوله: “تحلين جدائِلَكِ الذهبيةَ في شمسِ الجرمق” فجدائلها ذهبية واللون الذهبي يوحي بالإشراق والحرية.
ولا تنسى أنيسة درويش في عنفوان البوح والتعب أنْ تُعلن أنَّ في وطننا العربي للمرأة العربية قضيتَها المتمايزةَ ما بين أنثى وذكر. فهي الواثقة من الحب، ولكنها تحت قانون القبيلة تتحسس الأغلال:
“وأنا امرأة وأغلالي ثقيلة ()”
غير أنها تصرخ بعالي الصوت أنها لم تعد جارية، وأن العصر لم يعد عصرهارون الرشيد:
” أنا لستُ جاريةً ولا أنتَ الرَّشيد ()”
وقد تناول البحيري في قصيدة” ظلم المرأة” موضوع المرأة الشرقية، وكانت له نظرة فيها العدل والإنصاف، فقد ساوى بين الرجل والمرأة، وبيَّنَ عدم رضاه عن تشدد المجتمع إزاء المرأة مع تساهله مع الرجل حين يرتكب الخطيئة:
“إذا عَثَرتْ أنثى سلَلْنَا سُيُوفَنَا عليها وأطعمنا السيوفَ نثارَها
وإنْ زلَّ مِنَّا واحدٌ في خَطيئةٍ غَفَرْنَا أسَاهَا أوْ أقَلْنَا عِثارَها “()
شغلت قضيةُ تحرُّرِ المرأةِ العربيةِ الشُّعراءَ والكُتَّابَ الفلسطينيين كثيراً، وكان كثير من الشعراء العرب قد انبرى للدفاع عن حقوقها ودعا إلى تحريرها، وإشراكها في بناء المستقبل العربي، وكان للشعراء الفلسطينيين مشاركتهم الفاعلة في هذه القضية، إذ كتبوا قصائد تكبر في المرأة العربية حرصها على قيمها ومبادئها وبلادها وعرضها، وقصائد تدعوها إلى التحرك والسعي لأخذ حقوقها، فهذا راشد حسين يقف مع الشعراء الذين كتبوا عن المرأة ودعموا سعيها إلى التحرر ويصر على وقفوه إلى جانبها في سعيها للتحرر ولأخذ مكانتها الحقيقية في المجتمع والتنمية، وهو يدين كل حاكم يعارض تحرر المرأة، ويصفه بالمجرم:
“دمي سيكون للأحرار نوراً وللمُتحررات يقصُّ قيدا
حَطَمْتُن القيودَ بحدِّ حقٍّ ولم أرَ مثل حدِّ الحقِّ حدَّا
ولم أر مُجْرِما كزعيم قومٍ لتحرير النساءِ يكون ضِدَّا()”
ويدعو راشد حسين النساء إلى عدم السكوت على ضياع حقوقهن،وعلى مصادرتِها، وإلى عدم الاستماع إلى المعارضين المحتجين الذين شبههم بالغربان، والمضي قدما في دربهن الصاعد:
“أفيقي من رُقَادِكِ واستفيقي ولا تُبقي لهذا الرِّقِ عهدا
دعي الغِربانَ تَنْعِبُ كيف شاءت وسِيري كالقضاء يَمُتْنَ حِقدا()”
ويغضبه أن تنال فتاة الغرب كل حقوقها بينما تهضم حقوق المرأة العربية تعيش في جحيم المعاناة، يقول : “أبنت الغرب من ذهب أبوها وأنت أبوك قصديرٌ فيصدا؟()”
ولم تكتف فدوى طوقان بتمردها الفردي، بل أرادته نموذجاً لتمرد قبيلة النساء ضد قُمقم الحريم وزمن الوأد:
“كم فتاةٍ رأتْ بِشِعْرِي انتفاضات/ رَؤاها الحبيسةَ المَكْتُومة / كان شعري مرآة كُلِّ فتاة/ وأدَ الظلمُ رُوحَها المَحْرُومة()”
ويرسم البياري صورة تنبض بالحياة للمرأة العربية فيملأ أبياته زهواً بها وفخراً؛ فهي ربيع هذه العواصم العربية التي تجثم في خريف معيب،وهي تتقدم الصفوف في طريق النضال، فيصورها حمالة ألوية بعد أن عز الرجال في زمن التخاذل العربي وهانوا ، بعد أن أحبوا فيه الحياة وجبنوا عن تقديم واجبهم نحو أوطانهم فخضعت هاماتهم،يقول:
“آه..يا امتحانَ الأنوثةِ.. حين يَعزُّ الرجالُ …/ تتشظينَ في الموعد المقدَّر ..في وجه الغرباءِ/ تعفرينَ رؤوسَ الخانعين..في فِراشِ الشُّذوذ/آه…/ يا ربيعاً للخريف الجاثم/فوق كلِّ العواصم ()”
ويبدو أنَّ فتنة المرأة الغربية قد احتلت حيزاً من تفكير الرجل العربي مما دفع محمد دويدار إلى توضيح ما للمرأة العربية من سحر وجمال، وما تتصف به من صفات تجعلها الأكثر مناسبة للرجل العربي، فهي التي تستطيع أنْ تسحره بجمالها وعفتها:
“عشتُ سنيني في سالفِ عصري صِنديداً/ ما نالتْ مني غزلانُ فرنسا أو أيُّ الغزلان الغربية/ لكن الأقدرَ الأقوى كان سُقوطي /تحتَ شِبَاكٍ عربيه()”
رسم الشِّعر الفلسطيني المُعاصر للمجتمع العربي صورتين : سلبية ،وإيجابية ، ومن الصور الإيجابية صورة العربي المتعاطف مع الفلسطينيين، الذي شارك في الدفاع عن عروبة فلسطين، وضحَّى بدمه من أجلها، وشارك مشاركة شجاعةً في الدفاع عن أهلها في كلِّ مكان. وفي الصورة الإيجابية صورةُ التراث العربي بتاريخه وأبطاله وانتصارته، فقد اعتز الشعراء الفلسطينيون بالتراث العربي وعدُّوه جَذراً عميقاً في الأرض يثبِّت حقهم فيها، ويوضح طابعها العربي الفلسطيني.
وفي الصورة الإيجابية كانت المرأةُ العربية المقاتلة التي شاركت بالثورات العربية التي نظر إليها الشعراء الفلسطينيون نظرة مميزة، مليئة بالفخر والاعتزاز، واحتفوا ببطولتها أيما احتفاء.ولم تقتصر صورة المرأة في قصائد الشعراء الفلسطينيين على صورة أم الشهيد، أو أخت الشهيد، أوالصورة المثالية للمرأة التي استخدمها شعراء المقاومة كثيراً أو صورة المرأة الوطن، وإنَّما جعل كثيرٌ من الشعراء الفلسطينيين للحب مكاناً أثيراً في قصائدهم، وللغزلِ مساحةً واسعةً من بوحهم. وتحدَّثوا عن عشق الفلسطيني للمرأة العربية، وصورت قصائدهم جوانب من حياتها ومعانتها، ووجهت لها مجموعة من النصائح، وكثيراً من النقد، لها ولما يقف في طريقها من صعاب ومعيقات.

المصادر والمراجع
البيتجالي، إسكندر الخوري، العنقود، مطبعة بيت المقدس، القدس، 1961
البياري، رزق، وجهان،ط1، بالتعاون مع اتحاد الكتاب الفلسطينيين، 2005
درويش، أنيسة ، ستر الليل، ط1، دار الكاتب، ، القدس،1994
دويدار، محمد، أسير في ضلوع حسناء، ط1، عزة، فلسطين، 2007
حسين، راشد، الأعمال الشعريه، ط2، مكتبة كل شيء حيفا ، 2004
أبو حنا، حنا ، (1969). نداء الجراح، (ط1)، مكتبة عمان.صايغ، توفيق، الأعمال الكاملة، رياض الريس للكتب والنشر،بيروت، 1990
صايغ، توفيق، الأعمال الكاملة، رياض الريس للكتب والنشر،بيروت، 1990
العدناني، فجر العروبة، (ط1)، بيروت: منشورات المكتبة العصرية1960.
العزة،محمد نوفل، معلقة الانتفاضة، موتوا بيأسكم، ط1، دار الينابيع للنشر والتوزيع، عمان، 2002
عويس، أحمد، أبطال الانتفاضة الفلسطينية، جنرالات الحجارة، ط1، مطبعة البهجة،إربد، الأردن، 2000
القاسم، سميح، دخان وبراكين،(ط1)، القدس: منشورات مكتبة المحتسب. 1967
الكيالي،شهلا خليل،وانقطعت أوتار الصمت،ط1،المؤسسة العربية لدراسات والنشر،بيروت،1988
محمود،حسني، الشاعر حسن البحيري صورة قلميه في رحلة إلى الأعماق،ط1، دار البشائر للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، 1992
ياغي،عبد الرحمن، -​( د ت ). محمود درويش في ديوانه عصافير بلا أجنحة، (ط1)، عمان: مكتبة عمان.
.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق