ثقافة السرد

رحم الله الهوى

 ناجي ظاهر

المنطقة. منطقة السوق كانت مكهربة اشبه ما تكون في حالة تماس كهربائي. مشاعر غريبة كانت تشدها اليه، مشاعر اغرب كانت تدفعه للتهرب منها. يوم التقيا قبل عقد من الزمان، كان في الاربعين، هي كانت في الثلاثين، زهرة ما زالت في تفتحها الأول تحيا. قال لها يومها ان الحب يكره الروتين. انه لا يعيش الا في فضاء من الحرية. يومها تحدث لها عن مثاله ونموذجه في الحياة.. جان بول سارتر وخدينته الأبدية سيمون دي بوفوار. قال لها انهما عاشا للأبد معا، دون ارتباط ملزم لكل منهما. يومها فهمت كلامه، هو الفنان الطالع الجديد كالشهاب، على انه دعوة للحياة. دعوة لها. ما أجمل ان تعيش حرّا في مجتمع مستعبد. صحيح انه صعب، لكنه رائع. ليس هناك أروع من ان تكون حرًا في علاقتك بمن يرتاح اليه قلبك. لحظتها لم تدرك كل ما قاله لها. تماما. لم تتغلغل الى أعماق كلامه. لم تفهم ماذا عنى بقوله الروتين يقتل الحب. هل عنى ما يتعلق به منه؟.. هي ما زالت تذكر رغم خيبة املها الحالية، انها فسّرت قوله بانه يدعوها للاندماج معه، على اعتبار ان العمر واحد يمنح لنا مرة واحدة. وان تمردنا على الروتين سيمنحنا ديمومة الحب المنشودة. ليتها فكّرت بعقلها ودعت عاطفتها جانبًا. ليتها فعلت هذا. اما الآن وقد ابتدأت تلميحاته الأولى تتضح رويدا رويدا، وتكشّر عن انيابها الحادة، فما عليها إلا ان تحارب، ان تدافع عن حبها في سوق الروتين القاتل.
يهيّمن الصمت على السوق، ينفصل كل منهما عن كل ما يحيط به، عن مناداة التجّار وترويجهم لخضرواتهم الطرية الطازجة، عن الحواسيب التي تملا الساحات والبيوت، عن الفيسبوكات، الواتس ابات والفايبرات، انهما، هما الاثنين، منفصلان عن العالم الخارجي، ومتصلان بعالم واحد هو عالمهما الداخلي، الخاص بكل منهما.
يرنّ التلفونان، تلفونه وتلفونها في اللحظة ذاتها. منذ فترة وهي ترد على تلفونها امامه دون اية تكاليف، في حين هو يتردّد في الرد.. حتى يصمت تلفونه، لا ريب في انه يخفي عنها أمرًا عظيمًا. ماذا تراه يخفي؟ الم تعد هي اميرته؟ كما كان يدعوها. تلفونه رنّ في الماضي القريب أكثر من مرة وكان يتحجّج كل مرة بانه لم يتمكن من الرد، ماذا تراه يخفي ويخبئ عنها؟ هل هي المرأة الأخرى.. هل هي تلك التي تكسر روتينه وتصل اليه متخطية اياها؟ من تراها تكون.. واحدة من صديقاتها، ام واحدة من رائدات الفيسبوك؟ عليّ ان اعرف، انا لا يمكن ان اسلّم بانك لم تعد لي، عشر سنوات مضت وانت عالمي، لن اتركك تذهب اليها. لا تسألني كيف عرفت.. بإمكان اغبى امرأة في الكون ان تشعر بدخول امرأة أخرى إلى حرمها لا تسألني كيف.. فانا امتلك ذاك الرادار القادر المحتكم. ثم لا تنس انني لست امرأة عادية. عندما تقبّلت حديثك عن العلاقة بيننا في مجتمع يرفض مثلها، لم أفكر في هذا كله، وانما انصبّ تفكيري على امر واحد هو أنك ستكون لي وسوف أكون لك. والعمر واحد.
تُسكت رنين تلفونها للمرة الأولى، وتهرع اليه. يضع تلفونه في جيبه. تحاول ان تنتزع تلفونه من يده، نار الغيرة تكاد تقضي على روحها، هو يتهرّب منها.. بانتظار ان يصمت الرنين، الا انه لا يصمت. من هي تلك المتصلة. قلي. من هي. تمدّ يدها الى جيبه محاولة انتزاع تلفونه من جيبه. الا انه يتهرّب. تنسى انهما في سوق البلدة. يزيد في نسيانها ان أحدًا هنا لا يشعر بالآخر. لم يعد الامر كما كان عليه في الماضي. لا أحد يهمه الآخر. بدليل انني انا لم يعد يهمني شيء سوى ما يهمني. لا يهمني احد سواه هو.
تمد يدها الى جيبه. تبدأ لعبة القط والفار. تحاول ان تطمئنه ان قطها كف عن الجري وراء فاره المذعور، تحاول إدخاله في حالة من الهدوء، لتباغته، وتنتزع منه سرّا.. أقلقها وانتزع الوسن من عينيها في الليالي المعتمات الأخيرات. انها تبذل كل ما وهبتها إياه الطبيعة من حيلة وذكاء، لا بد من ان تضع حدّا لهذه اللعبة الصعبة. ترخي يدها بكل ما لديها من دهاء. في محاولة منها لإدخال الاسترخاء الى جوفه. تقترب منه فيبتعد. يبتعد فتقترب. تتواصل الحرب الباردة بينهما. لا هو ينفذ بريشه ولا بريشته، ولا هي تحقق ما تريد وتعرف غريمتها.. يا رب ما تكون واحدة من صديقاتي، لتكن من تكون. قِني يا إلهي من صدمة لا تبقي ولا تذر. لا اريد ان أفقد ثقتي أكثر. يكفيني ما لحق بي من خيبات امل متلاحقات واحدة تدفع اختها الى حافة الانتحار. يكفيني. يكفيني ما يحاول الحاقه بي هذا الفنان المبدع المحترم.
تنظر اليه، انه يكاد يدخل في حالة صرع قاتلة. حالة رهيبة من الارتباك تجتاحه. أين تلفوني يصرخ بصمت لا يسمعه احد سواها. تلفوني اختفى. تدسّ تلفونه في جيبها، رحمة بذاتها، وتقذف تلفونها وراءه، رحمة به، تلتقي عيناهما في دوّامة الحيرة الرهيبة. يتوهان هناك للحظة. تشير الى ما ورائه. يرسل نظرة الى هناك. انه يرى التلفون، تلفونه.. يلتقطه، يعيده الى جيبه. “الآن بإمكانك ان ترتاح تقول عيناها”، وتتابعان:” ها هو تلفونك عاد اليك”. هل انتهى الموقف الصعب؟ نعم الحمد لله.. الحمد لله انه وصل أخيرا الى نهايته السعيدة.
ترتب كبّوتها الأسود جيّدًا كمن وصل الى سدرة المنتهى، الى هدأته وسكينته الصافية الخالصة، و.. تمضي في طريقها الطويل.. ذاك طريق يطوي عشرة أعوام من الخيبة، طريقهما هما الاثنين، هي وهو.. لا غيرهما.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق