ثقافة المقال

الشخصيات في قصص جبران خليل جبران

محمد سيف الدين بن أشرف

شخصيات أو أبطال في قصص جبران خليل جبران تعكس الأحداث الحقيقية والمعاصرة في لبنان، بما في ذلك الاجتماعية والعاطفية والسياسية والثقافية, أبرز ما يميز الأبطال في إنتاج خليل جبران الأدبي هو الصفة الرومانسية الشديدة المحافظة على الحرمة والقداسة مع النزعة الإنسانية والطبيعة والوجود, كما انتقد خليل جبران رجال الدين بأشدّ الألفاظ وأقدح الأوصاف من خلال شخصياته لاستغلالهم الدين وتحويله إلى أداة لسلطاتهم المادية وكذلك الحكام والأغنياء، مثل شخصية “يوحنا” في قصة “يوحنا المجنون” ويعبر عن تعامل رهبان الديرمع الفقراء قائلا: “هل يبيع الفقير حقله منبت خبزه، ومورد حياته، ليُضيف ثمنه إلى خزائن الدير المفعمة بالفضة والذهب؟”.
فهذه لمحة موجزة عن الشخصيات في قصص جبران والمواضيع التي تمثلها.
* يوحنا, بطل في قصة “يوحنا المجنون”, هو راع رفع صوته الحاد ضد الظلم والإضطهاد الإجتماعي من السيادة الوحشية لتحالف الحكام والكهنة والأغنياء؛ كما اٍطّلع على الوجوه المزيفة لبعض رجال الدين تحت ثيابهم السوداء يشوهون أكثر الأشياء قداسة من تعاليم المسيحية للتمتع بحياتهم, فنشز يوحان هذا الإجحاف واشمئز منه, فاتهموه بالجنون وأطلقوا عليه اسم “يوحنا المجنون”. وبدأ يوحنا يُعرّي أمام الناس تصرفات رجال الدين ورفاهيتهم وكبريائهم وطريقة تعاملهم مع الناس الفقراء, والحال أن صفة “الجنون” ترمز إلى مقاومته التعسف الذي يرتكبه رجال الدين والحكام والكهنة والأغنياء.
* وردة الهاني، بطلة في قصة “وردة الهاني” من مجموعة قصصية “الأرواح المتمردة “, تتزوج من الثري رشيد بك نعمان، رجل يبلغ من العمر ما يكفي ليكون والدها وغطاها بالمال والذهب والملابس باهظة الثمن, بيد أنه لم يستطع منحها الحب النقي والصادق, عندما شعرت وردة الهاني بالفراغ في حياتها أدركت أنه ليس كل الثروة الموجودة في العالم كافية لإسعاد الشخص ولكن الحب يكفي… ضمن استمرارالحياة مثل طائر في قفص تقع في حب رجل وتجد الشجاعة لتترك زوجها والثروة لاحتضان الحب الحقيقي حتى لو كان ممزوجا بالفقر المدقع, رغم أنها تعرف أن الأشخاص حولها سوف يسخرون منها وينبذونها, لكنها تعتقد أن الله يوافق على اختيارها لأنها كانت تعيش حياة غير أخلاقية مع زوجها الذي لم يحبها، لكنها ظلت معه مقابل المأوى وما كان يوفره لها.
تصور حياة وردة الهاني الاضطهاد الذي تواجهه النساء في الزواج وكيف يجبرهن المجتمع على العيش زواج غير سعيد, ولا تملك المرأة ملجأ آخر تلوذ به، مما يحرض بعض النساء إلى القيام بمحاولات خطرة مثلما حدث مع وردة الهاني.
* سلمى, هي بطلة في قصة “الأجنحة المتكسرة” وابنة شخص ثري يُدعى فارس كرامة, تقع في حب شاب… زيارتهما المستمرة تعمق شعور الحب بينهما, ولكن المطران يقنع والدها بالزواج من ابنته لمنصور غالب… ليس بسبب جمالها أو كرامة روحها بل لأنها صاحبة المال الضخم, يطمع في ثروتها الكبيرة ويتطلع الى مستقبله البارز ومكانته الرفيعة بين الناس, ووافقت سلمى على الزواج مجبرةً من والدها والقائد الديني وخوفا من آراء المجتمع. للأسف كانت حياة سلمى مع منصور تعيسة، إلا أنها كانت تعزي نفسها بالاجتماعات السرية مع البطل، إذ يتبادل العاشقان مشاعر الحب العميقة. تخفق سلمى في إنجاب طفل لمدة خمس سنوات, ثم يتحرك الأمل فيها عندما تحمل طفلًا، لكن الطفل يموت على الفور وتموت معه.
تتعامل “الأجنحة المكسرة” مع مشكلة كبرى يعاني منها لبنان في أوائل القرن العشرين، وهي مكانة المرأة في المجتمع؛ التجارب المؤلمة لسلمى ليست نادرة في بلدها, هناك في لبنان العديد من الفتيات مثل سلمى يتم التضحية بهن على مذابح ثروة آبائهن وطموحات عرسانهن.
* خليل, بطل في قصة “خليل الكافر”, رجل استخدم لسانه للقتال ضد القيادة العدوانية والظالمة, إن خطابه البليغ يزعزع العقول والقلوب حول اضطهاد وطغيان واستغلال الإقطاعيين ورجال الدين سينعكس صداه في الأذن, وقد انعكست شخصيته المتمردة ضد الظلم الإجتماعي في أقواله الحاد في وقت تبين له بأن تصرفات الرهبان تعارض مع تعاليم المسيحية. أدرك خليل بأن الحرية حاجة إنسانية ضرورية وسعى لتحرير الشعب المضطهد والمعذًّب والعامل من أجل التمتع بطبقة أخرى, لم يستطع الصمت عن هذا الضيم، فوقف جسورًا ورافضًا الإنصياع والانحناء أمام من هم أقوى وأسمى منه منصبا وبقي مرفوع الرأس أمام الحشد الهائل عندما أمر بجلبه مكبل اليدين إلى القصر لمحاكمته أمام القرويين.
باختصار, تتميز قصص جبران خليل جبران بتجارب قوية من المرارة واليأس, ويهدف غالباً من خلال أعماله إلى إصلاح المجتمع ومحو الظلم عن المرأة ومهاجمة رجال الدين بشكل حاسم وشهوتهم للمال وفضح تمرده ضد قيود المجتمع المتعصب والمتحيز، كما تشكل الحب في كلمات بارزة وأسلوب مثير للإهتمام مثل: “ما أجهل الناس الذين يتوهمون أن المحبة تتولد بالمعاشرة الطويلة والمرافقة المستمرة. إن المحبة الحقيقية هي ابنة التفاهم الروحي، وإن لم يتم هذا التفاهم الروحي بلحظة واحدة لا يتم بعام ولا بجيل كامل” (الأجنحة المتكسرة).

 
•​مدون هندي وطالب الماجستير, وباحث في قسم اللغة والحضارة بجامعة تنسيق الكليات الإسلامية الواقعة داخل ولاية كيرلا..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق